اعتقالات لغير الصائمين في المغرب... متى يوفّر القانون الأمان للمواطن بدلاً من تخويفه؟

الأحد 1 مايو 202207:58 ص

اعتقلت الشرطة المغربية، يوم الأربعاء 27 نيسان/ أبريل 2022، مجموعةً من الشباب، بعد مداهمة مقهى يفتح أبوابه نهاراً لغير الصائمين خلال شهر رمضان، في مدينة الدار البيضاء في المغرب، وذلك بتهمة "الإفطار علناً في نهار رمضان".

وبحسب شهود عيان، فقد جرى ضبط الزبائن والعاملين في المقهى، وسط حضور العشرات من الأشخاص المؤيدين لذلك الأمر وإشادتهم بمداهمة الأمن لهذا المقهى.

وقد تمت الاعتقالات المذكورة استناداً إلى مواد القانون الجنائي، الذي يعاقب المجاهرين بالإفطار من المغاربة من دون عذر شرعي، بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة مالية من اثني عشر درهماً إلى 120 درهماً. وعلى الرغم من أن الشرطة القضائية أطلقت سراح جميع الموقوفين بعدما استمعت إليهم في محاضر قانونية وأخضعتهم للتحقيقات التمهيدية التي أمرت بها النيابة العامة، فإن الواقعة أعادت نقاش حرية المعتقد إلى الواجهة، بين مؤيد لزجر المخالفين ورافض له، وبين مؤيد لهذه الاعتقالات من أجل وقف استفزاز مشاعر الصائمين، ومتأسف لمصير الحريات الفردية في المغرب.

لاحقاً، تواترت الأخبار من داخل مخفر الشرطة حول تفتيش موضعيّ مفترض للفتيات اللواتي زعمن أن لديهن رخصةً شرعيةً، من أجل البحث عن علامات تدل على مرورهن في فترة حيض، أي الفوطة الصحية، قبل أن يتم إطلاق سراحهن قبل الآخرين.

بقدر ما تبدو حجج المصدر الأمني منطقيةً، فهي تبدو أيضاً مضحكةً، وغريبةً، فقد يخيل للقارئ أن الموضوع يتعلق بجريمة جنائية تمس لا قدر الله أمن البلد، أو تهدد سلامة المواطنين، وتستحق هذا الاستنفار الأمني، والهرج والمرج المثارَين حولها

وهذا الأمر نفاه مصدر أمني لجريدة "هيسبريس"، مشيراً إلى أن الادّعاءات التي نصت على إخضاع شرطية، الفتيات المضبوطات لتفتيش أو خبرة جسدية، كاذبة، وأضاف أن الأمر اقتصر فقط على إنجاز محاضر استماع حررتها ضابطات للشرطة القضائية مع الفتيات المضبوطات، من دون إخضاعهن لأي إجراء مشوب بالتجاوز أو مقيد للحرية"، وأن واقعة مداهمة المقهى المذكور جاءت في سياق "التحقق من شبهة اقتراف جرائم منصوص عليها في القانون، بعد تواتر أخبار وتدوينات عن حشد مجموعات من الأشخاص داخل محال عمومية من أجل المجاهرة بالإفطار عمداً في رمضان واستفزاز مشاعر السكان المجاورين لهذه المحال العمومية".

وبقدر ما تبدو حجج المصدر الأمني منطقيةً، فهي تبدو أيضاً مضحكةً، وغريبةً، فقد يخيل للقارئ أن الموضوع يتعلق بجريمة جنائية تمس لا قدر الله أمن البلد، أو تهدد سلامة المواطنين، وتستحق هذا الاستنفار الأمني، والهرج والمرج المثارَين حولها، لكنها في الحقيقة تتعلق فقط بمجموعة شباب يرتادون مقهى بعيداً عن أعين الناس ليمارسوا حقاً طبيعياً ويتناولوا طعامهم بسلام.

هذه الملاحقات الأمنية والقضائية تتناقض تناقضاً صارخاً مع شعارات مغرب القرن الواحد والعشرين الذي التزم في آخر إصلاح دستوري بإعطاء الأولوية لتطبيق المواثيق الدولية على القوانين المحلية، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالحريات الفردية ومواضيع حقوق الإنسان التي يكفلها الدستور نفسه في مادتيه الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين، لكن للقانون الجنائي الذي توارثناه منذ أيام الحماية الفرنسية رأياً آخر.

وفي السياق نفسه، من المخجل فعلاً أن يتحول القانون الذي تم تشريعه بالأساس من أجل حماية المواطنين وضمان سلامتهم، إلى أداة للتنكيل بهم والتدخل في اختياراتهم الخاصة، بل وتطبيق عقوبات زاجرة في حقهم لم يفرضها حتى الدين.

وبالعودة إلى الشرعية الدينية، التي يتم الدفع بها من أجل تطبيق المادة 222 من القانون الجنائي المجرِّمة للإفطار العلني، فإنه لا وجود لأي نص ديني يفرض حداً على المفطر في رمضان، اللهم إلا الكفّارة التي يعطيها المفطر طوعاً، وتوبةً عن ذنبه، والله تعالى جعل الصيام له هو حصراً، دوناً عن بقية العبادات والشعائر الدينية، لا يحق لأحد أن يجزي به. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث قدسي صحيح حسن: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به"، بمعنى أن الجزاء أوكله الله سبحانه تعالى إليه وحده وجعل الصيام له وليس للمجتمع ولا للدولة، ولم يجعل العقوبة والجزاء من اختصاص الدولة أو الفقهاء، وبما أنه لا حاكمية إلا لله، فإنه لا توجد سلطة، سواء كانت دينيةً أو دنيويةً، تملك الحق في إيقاع الجزاء بالمفطر، بل يجب العودة إلى الحكمة والموعظة إن أمكن، لأن الدين لا إكراه فيه، أي أن النص القانوني الذي يجرّم الإفطار يتعارض تعارضاً بيّناً مع النص الديني، ولا أساس شرعياً له، وأصله قانون وضعي.

من المخجل فعلاً أن يتحول القانون الذي تم تشريعه بالأساس من أجل حماية المواطنين وضمان سلامتهم، إلى أداة للتنكيل بهم والتدخل في اختياراتهم الخاصة، بل وتطبيق عقوبات زاجرة في حقهم لم يفرضها حتى الدين

وبمنطق حماية حدود الله نفسه، لماذا لا يتم اعتقال تارك الصلاة، ومحاسبة تارك الزكاة، والتأكد سنوياً من الحسابات المالية للمواطنين من أجل معاقبة كل من يستطيع سبيلاً إلى الحج ولا يذهب إليه؟ لماذا لا يتم قطع يد السارق، وجلد الزاني؟

طبعا لأن الدستور الذي هو أسمى قانون في البلاد يجرّم مثل هذه الممارسات، ولأن المغرب يُفترَض أن يكون دولةً ديمقراطيةً مؤمنةً بحقوق الإنسان ترفض حتى أن تطبّق عقوبة الإعدام، وتحترم حرية المعتقد، لكنها تواصل بالرغم من ذلك الغوص في وحل بعض مواد القانون الجنائي التي ستشكل دائماً، ما دمنا لم نتخلص منها، وصمة عار في طريق التقدم الذي نشقه كدولة صاعدة منذ مدة.

بعد هذه الواقعة، صار تنقيح القانون الجنائي وتطوير مضامينه من أجل تماشيها مع روح الدستور أولاً، والسياق الحقوقي ثانياً، والحفاظ على صورة المغرب كبلد للحق والقانون أمام المنتظم الدولي، ضرورةً لا بد منها، فلا خير أبداً في نص قانوني يروّع الأفراد بدل أن يوفّر لهم الأمان، ويحشر نفسه عنوةً في ملابسهم الداخلية بدل أن يحمي خصوصيتهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard