"قد كاد يقتلني بك التمثال"... عندما يتحول الصمت إلى إساءة عاطفية

الجمعة 15 يناير 202110:30 ص

في حال وجدتم/نّ أنفسكم/نّ في موقف لا يمكنكم/نّ فيه جعل الشخص الآخر يتحدث أو حتى يعترف بكم/نّ، الأمر الذي يجعلكم/نّ تتساءلون/ن عما بدر منكم/نّ من إساءة، وتعتذرون/ن عن شيء لم تفعلوه/نه من قبل، فهذا يعني بأنكم/نّ واجهتم/نّ ما يُسمى بالمعاملة الصامتة Silent treatment التي تعتبر شكلاً من أشكال سوء المعاملة العاطفية.

والواقع، إن المعاملة الصامتة قد تنخرط في حياتنا اليومية، سواء كان ذلك في العلاقات الرومانسية أو غيرها، بما في ذلك العلاقة التي تجمع الأهل بأولادهم أو تلك التي تكون بين زملاء العمل.

وفي حين أن الصمت قد يكون ردّ فعل عابر لموقف يشعر فيه الشخص بالغضب، الإحباط أو الإرهاق الشديد، للتعامل مع مشكلة ما، وبالتالي بمجرد أن تمر الحادثة، ينتهي الصمت كذلك، إلا أن المشكلة تكمن عندما تصبح المعاملة الصامتة جزءاً من نمط السيطرة أو الإساءة العاطفية، بخاصة عندما يتم استخدامها بانتظام كلعبة قوة، فحينها يمكن للشخص الذي يتلقى هذا النوع من المعاملة أن يشعر بالرفض أو الاستبعاد، الأمر الذي يؤثر على مدى تقديره لذاته.

خطورة المعاملة الصامتة

في القرن التاسع عشر، برز مصطلح "المعاملة الصامتة" بعدما تقرر تطبيق العقوبة الصامتة في السجون، كبديل للعقوبة الجسدية التي تنطوي على الضرب والتعذيب، بحيث كان هناك اعتقاد سائد حينها بأن حرمان المساجين من التحدث مع بعضهم البعض، تغطية وجوهم ومناداتهم بالأرقام بدلاً من أسمائهم الحقيقية، كلها أمور قد تدفعهم للتفكير ملياً في الجرائم التي ارتكبوها، غير أن التأثير النفسي كان خطيراً عليهم، فقد شعر هؤلاء بأنهم غير مرئيين وغير موجودين، وكأنهم تحولوا، من خلال المعاملة الصامتة، إلى "نكرة".

وكانت الطبيبة النفسية هارييت برايكر قد وصفت المعاملة الصامتة بأنها "شكل من أشكال العقاب التحكمي والتلاعبي الاستغلالي"، ولكن المفارقة أن الكثير من الناس يتغاضون عن ذكر العلاج الصامت، عندما يتعلق الأمر بالحديث عن سوء المعاملة والتلاعب ككل، ويغفلون خطورة المعاملة الصامتة وآثارها النفسية البالغة.

المشكلة تكمن عندما تصبح المعاملة الصامتة جزءاً من نمط السيطرة أو الإساءة العاطفية، بخاصة عندما يتم استخدامها بانتظام كلعبة قوة، فحينها يمكن للشخص الذي يتلقى هذا النوع من المعاملة أن يشعر بالرفض أو الاستبعاد، الأمر الذي يؤثر على مدى تقديره لذاته

فما هي الأضرار النفسية التي تنجم عن المعاملة الصامتة؟

"العلاج الصامت هو وسيلة لإحداث الألم دون كدمات مرئية"، هكذا عرّف موقع Hey Sigmund هذا الأسلوب الذي يعتمده بعض الأشخاص للتحكّم بالآخرين وفرض آرائهم، عبر التجاهل واللامبالاة.

وفي معرض الحديث عن الألم النفسي، أظهرت الأبحاث أن فعل التجاهل أو الاستبعاد ينشّط نفس المنطقة من الدماغ التي ينشّطها الألم الجسدي.

وشرح كيبلينغ ويليامز، أستاذ علم النفس في جامعة بيرديو في الولايات المتحدة الأميركية، المعاملة الصامتة بالقول، إنها عبارة عن "استبعاد الأشخاص وتجاهلهم، لمعاقبتهم أو التلاعب بهم، وقد لا يدرك الناس الأذى النفسي أو الجسدي الذي يحدث".

بمعنى آخر، فإن القدرة على اكتشاف هذا النبذ هو أمر راسخ فينا كبشر، وسواء تعرّضنا للتجاهل من قبل شخص نكرهه أو مجموعة أشخاص، فإن الألم يبقى موجوداً.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال ويليامز: "المعاملة الصامتة، حتى ولو كانت لمدّة وجيزة فقط، تنشّط القشرة الحزامية الأمامية، وهي جزء الدماغ الذي يكتشف الألم الجسدي"، موضحاً أن الشعور بالألم هو نفسه، بغض النظر عمّا إذا كان هذا الاستبعاد يحدث من قبل الغرباء، الأصدقاء المقربين أو حتى الأعداء.

الإساءة العاطفية

متى تصبح المعاملة الصامتة انتهاكاً وتتحوّل إلى إساءة عاطفية؟

في حديثها مع موقع رصيف22، أوضحت الأخصائية في علم النفس، نرمين مطر، أنه في الكثير من الأحيان يختار الإنسان الصمت لعدة أسباب، من بينها عدم القدرة على فهم الطرف الثاني، وبالتالي يقرر التزام الصمت لتجنّب تفاقم المشكلة، في حين أن البعض يستخدم الصمت كوسيلة نفسية للدفاع عن أنفسهم: "بعض الأشخاص يفضلون الصمت خوفاً من جرح مشاعر الآخر".

ولكن في بعض الأحيان، يتخذ الصمت شكلاً من أشكال سوء المعاملة العاطفية، ويجعل الشخص الذي يتلقى المعاملة الصامتة يشعر بالذنب وبالرغبة الملحة في استرضاء الآخر ومحاولة إصلاح الوضع، وذلك نابع من عوامل نفسية عديدة، وفق ما ذكرته نرمين: "المعاملة الصامتة ترتكز على عاملين أساسيين: الخوف وغياب الثقة بالنفس".

"العلاج الصامت هو وسيلة لإحداث الألم دون كدمات مرئية"

وبالتالي، قبل التعرف على كيفية الاستجابة للمعاملة الصامتة، من المهم التعرف على الوقت الذي يصبح فيه الصمت مسيئاً ومؤذياً.

صحيح أنه في بعض الأحيان، قد يكون الصمت هو أفضل شيء لتجنب التفوّه بأمور قد نندم عليها لاحقاً، ولكن المشكلة تكمن في قيام البعض باستخدام المعاملة الصامتة كأداة لممارسة السلطة على شخص ما، أو لخلق مسافة عاطفية يشعر من خلالها الطرف الآخر أنه بات منبوذاً، بمعنى آخر، فإن الأشخاص الذين يستخدمون الصمت كوسيلة للسيطرة يتطلعون إلى "تحجيم" الآخر والابتعاد عنه لأيام أو أسابيع متتالية، بغية تحقيق تلك الأهداف، وهذه تعتبر إساءة عاطفية بامتياز.

وكونه من الصعب على الشخص الذي يتلقى هذه "البرودة العاطفية" أن يعيش بهذه الطريقة، فإنه يميل بشتى الطرق إلى استعادة "النِعَم" التي كان يحصل عليها في السابق، ما يجعله يدور في حلقة مفرغة، عنوانها: الانتهاك العاطفي.

وفي هذا الصدد، أظهرت الأبحاث أن الشعور بالنبذ بشكل متكرر يمكن أن يقلل من احترام المرء لذاته، ويؤثر سلباً على شعوره بالانتماء، كما يمكن أن يجعله يشعر بفقدان السيطرة، مع العلم بأن هذا التأثير قد يكون أكثر حدّة، عندما يكون هذا التصرف صادراً عن شخص قريب كشكل من أشكال العقاب.

فيما يلي بعض العلامات التي تشير إلى أن المعاملة الصامتة قد تجاوزت حدود المقبول، وأصبحت تدور في فلك الإساءة العاطفية:

-تحدث المعاملة الصامتة بشكل متكرّر وتستمر لفترات أطول.

-ناجمة عن العقاب.

-تنتهي المعاملة الصامتة بمجرد الاعتذار، التوسل أو الاستسلام للمطالب.

-عندما يقوم المرء بتغيير سلوكه لتجنّب هذا الصمت القاتل.

الخروج من الدائرة المغلقة

تنطوي المعاملة الصامتة على الكثير من الألم والأذى النفسي والعاطفي، ولكن يمكن الوقوف بوجهها والخروج من هذه الدائرة المغلقة، عبر اتخاذ بعض الخطوات التي تهدف لوضع حدّ لهذه الإساءة العاطفية:

اتباع نهج لطيف في المحادثة: إذا كانت المعاملة الصامتة مستجدة وغير متكررة، فقد يعني هذا بأن الشخص الذي يطبقها يمرّ بفترة صعبة، ويحاول البحث عن مخرج. من هنا، من الجيّد اتباع نهج لطيف عند بدء المحادثة معه، من خلال إخباره بهدوء بأنه لم يعد يستجيب كالسابق، والتأكيد على ضرورة معرفة السبب وإيجاد حلّ لهذه المسألة.

أما في حال لم يتقبّل الطرف الآخر هذه المحادثة، فعندها يجب منحه بعض الوقت ليكون بمفرده، وترتيب موعد آخر للالتقاء ومناقشة المسألة.

تحويل المشكلة إلى مسألة شخصية: عندما يجد المرء نفسه ضحية المعاملة الصامتة، يمكنه ببساطة إخبار الطرف الآخر عن مدى الألم الذي يشعر به، وكيف تجعله المعاملة الصامتة يشعر بالإحباط والوحدة، وأن هذا آخر ما يريده أو يحتاج له في العلاقة.

وعليه، من المهم أن يعرف الطرف الآخر أن المشاكل لا تُحلّ بهذه الطريقة، ومن المهم أن يكون الحديث شفافاً وصادقاً.

الأشخاص الذين يستخدمون الصمت كوسيلة للسيطرة يتطلعون إلى "تحجيم" الآخر والابتعاد عنه لأيام أو أسابيع متتالية، بغية تحقيق تلك الأهداف، وهذه تعتبر إساءة عاطفية بامتياز

تجاهل الصمت: ليس القصد دائماً من الصمت إثارة الجروح، ففي بعض الأحيان يكون الموقف خارجاً عن نطاق السيطرة، فيفضل البعض الامتناع عن الكلام وترك مسافة معيّنة حتى تهدأ الأمور، ولكن في أحيان أخرى يكون الصمت بمثابة نهج عدواني سلبي لإبقاء الطرف الثاني تحت السيطرة، ففي هذه الحالة يكون الهدف من المعاملة الصامتة أن يشعر الآخر بالسوء للقيام بالخطوة الأولى، وعليه يكون الصمت هنا لكسب الوقت والاستسلام للمطالب.

ولكن عوضاً عن الاستسلام، يجب تجاهل الموضوع والتصرف وكأن شيئاً لم يحدث، فعدم القيام بردة الفعل المتوقعة تعني أن الآخر لم يتمكن من الحصول على ما كان يخطط له من خلال اتباع أسلوب الصمت والنبذ.

وضع قواعد: عندما يقرر شخص ما ممارسة المعاملة الصامتة، عندها من المفضل التحدث معه وجهاً لوجه، بهدف وضع قواعد معيّنة تجعل التواصل أفضل في المستقبل، ولكن من المهم وضع خطة لكيفية سير النقاش عندما تحتدم الأمور، هذا ومن المهم أيضاً التناوب على الاستماع وتكرار ما يقوله الطرف الثاني حتى يكون كل شيء واضحاً.

ترتيب الأولويات: عندما تتحول المعاملة الصامتة إلى إساءة عاطفية، فهذا يعني بأن العلاقة لم تعد صحية، وحان الوقت لأن يضع المرء نفسه كأولوية من خلال الابتعاد عن الطرف السام، أما في حال وجد أن العلاقة تستحق الإنقاذ، فعندها يجب وضع حدود صارمة بشأن السلوك المقبول وطريقة التعامل المناسبة، وتحديد ماذا يمكن أن يحدث في حال تم تجاوز هذه الحدود، وفي حال لم يكن هناك أمل في تغيير الأمور، فعندها يجب التفكير في كيفية الخروج من هذه العلاقة السامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard