"كل ممنوع مرغوب"... لماذا تجذبنا المحرمات بشكل جنوني؟

الثلاثاء 29 مارس 202204:25 م

هناك أشياء لا نتحدث عنها أبداً، أفكار مروعة تظل مرتبطة بشكل محكم في رأسنا، ونصاب بالصدمة في حال سمعنا أحداً ما يتحدث عنها في العلن. في قلبنا زوايا مظلمة لا يستطيع أحد رؤيتها. تلك الأجزاء التي لا توصف من أنفسنا تكشف الكثير عنا، فالكبت يعكس ما نحن عليه، يوجّه أعمالنا وقد يكبل أيدينا.

نطلق على تلك الأشياء التي قد نتوق إليها في قرارة أنفسنا ولكنها ممنوعة، مصطلح "المحرمات".

ما هي التابوهات؟

المحرمات أو التابوهات هي أكثر من مجرد محظورات أو زلات اجتماعية.

فقد اعتبر موقع big think أن الغش على الشريك/ة ليس من المحرمات، ولكن إقدام المرء مثلاً على ممارسة النشاط الجنسي مع أحد أفراد عائلته هو من المحرمات، كما أن تناول أدمغة القرود قد يكون مثيراً للاشمئزاز بالنسبة للكثيرين، لكنه ليس من المحرمات كاللعب بالفضلات أو أكلها.

بالنسبة لعالم النفس الشهير، سيغموند فرويد، فإن المحرمات هي صورة ظل لما أسماه إميل دوركهايم "المقدس". إنها تلك الأشياء المستهجنة والتي لا يمكن تصوّرها لدرجة أن لدينا قوانين ضدها، فنحن في معظم الأحيان نتجنب أولئك الذين ينتهكون المحرمات.

هناك أشياء لا نتحدث عنها أبداً، أفكار مروعة تظل مرتبطة بشكل محكم في رأسنا، ونصاب بالصدمة في حال سمعنا أحداً ما يتحدث عنها في العلن. في قلبنا زوايا مظلمة لا يستطيع أحد رؤيتها. تلك الأجزاء التي لا توصف من أنفسنا تكشف الكثير عنا، فالكبت يعكس ما نحن عليه، يوجّه أعمالنا وقد يكبل أيدينا

واعتبر فرويد أن الشيء المربك حول المحرمات هو الصراع بين عقلنا الواعي واللاواعي، موضحاً أن الاشمئزاز الذي نشعر به من المحرمات هو أمر شديد الغضب وصاخب، لأنه يعمل على إخفاء وإنكار رغبة خفية وغير معلن عنها للسير وراء تلك المحرمات: "بالنسبة لمعظم الناس، لا يوجد شيء يرغبون فيه أكثر من انتهاك المحرمات، لكنهم يخشون فعل ذلك؛ إنهم خائفون على وجه التحديد لأنهم يرغبون في ذلك، والخوف أقوى من الرغبة".

بمعنى آخر، بحسب فرويد، فإننا كبشر قد نرغب في كسر المحرمات وتناول "الفاكهة المحرمة"، أي أن نأكل أو نشرب أو نقتل أو نمارس الجنس مع من نعلم أنه محرم علينا. المحرمات هي الرذيلة الصارمة للقانون والضغط الاجتماعي (الأنا العليا).

via GIPHY

الكل يكذب

في كتابه الصادر في العام 2017 تحت عنوان Everybody Lies، زعم الخبير الاقتصادي سيث ستيفنس دافيدوفيتز أننا جميعاً نكذب بشأن ما نفكر فيه أو نفعله بالفعل. إنه ادعاء مدعوم بكمية كبيرة من البيانات والأدلة.

يركز الكتاب على ما قد نعتبره أكاذيب غير ضارة، على سبيل المثال، "يكذب الناس بشأن عدد المشروبات التي تناولوها في طريقهم إلى المنزل. إنهم يكذبون بشأن عدد المرات التي يذهبون فيها إلى صالة الألعاب الرياضية، وتكلفة هذه الأحذية الجديدة، وما إذا كانوا يقرؤون ذلك الكتاب. إنهم يدعون المرض عندما لا يكونون كذلك".

ولكن الأمر المثير للاهتمام هو ما يكشفه الكتاب عن موقفنا من المحرمات. إنها، كما كتب دافيدوفيتز، "فرويدية إلى حدّ ما".

أثناء بحثه حول هذه الأكاذيب اليومية المقبولة اجتماعياً، تفاجأ الكاتب عندما اكتشف "عدداً صادماً من الأشخاص الذين يزورون المواقع الإباحية ويبحثون عن صور لسفاح القربى. من بين أهم مائة عملية بحث قام بها الرجال على موقع PornHub، أحد أشهر المواقع الإباحية، هناك ستة عشر بحثاً عن مقاطع فيديو ذات طابع سفاح القربى".

واللافت أن سفاح القربى هو من أقوى المحرمات لدينا، بحيث جادل علماء الأنثروبولوجيا الأوائل، مثل جيمس جورج فريزر وإميل دوركهايم، الذين استلهم فرويد منهم، أن سفاح القربى هو أحد المحرمات العالمية الوحيدة. نظراً لزيادة احتمالية الإصابة بأمراض وراثية من سفاح القربى إلى جانب اعتبارات أخرى، فإنه من المنطقي أن يتم الوقوف بشدة ضد سفاح القربى.

ومع ذلك، في كتاب Everybody Lies، نكتشف أن سفاح القربى هو من بين أكثر الفيتيش شيوعاً على الإنترنت.

المحرمات تشكل هويتنا

بالطبع، لا يعني كل ما ذُكر بالضرورة أن فرويد كان على حق، وأن مجرد بحث الأشخاص عن سفاح القربى هو دليل على أنهم يفكرون في الفكرة بجدية.

ففي دراسة حديثة، تبيّن أن الأفراد كانوا أكثر انجذاباً إلى الوجوه التي تشبه وجوههم أو التي سبقتها صورة مموهة لوالديهم.

ولكن بدلاً من الإيحاء بأننا جميعاً نرغب سراً في ممارسة الجنس مع أفراد عائلتنا، تشير النتائج إلى قوة الألفة في تشكيل من نجده جذاباً.

وعلى عكس فرويد، جادل عالم الاجتماع الفنلندي إدوارد ويسترمارك في العام 1891 بأن الناس قد طوروا آلية بيولوجية لتجنب سفاح القربى، معتبراً بأن الأشخاص الذين نشأوا معاً سوف يجدون بعضهم البعض غير جذابين.

ولكن بطبيعة الحال، لا توجد طريقة لمعرفة بالضبط ما الذي يتخيله الناس عند البحث عن هذه المواضيع.

في حوار أجراه موقع رصيف22 مع الأخصائية في علم النفس العيادي، ستيفاني غانم، أوضحت أن الإنسان عندما يبصر النور لا يكون مقيّداً بتابوهات: "في العقل الباطني يكون كل شيء مسموحاً، وقد شبه فرويد اللاوعي بالحفل التنكري"، منوهة بأن التربية والتنشئة الاجتماعية والدينية هي التي ترسم حداً فاصلاً بين ما هو مسموح وما هو ممنوع.

وعن السبب الذي يدفع البعض إلى الميل أكثر نحو كسر المحرمات، شرحت غانم أن هناك بعض الأفراد الذين هم ببساطة غير متأقلمين مع النظام الذي يحدد ما هو صح وما هو خطأ، ولديهم في الوقت نفسه حب الاستكشاف الذي يدفعهم إلى القيام ببعض الأمور غير الاعتيادية من دون أن يسببوا الأذى لأنفسهم، في حين أن هناك بعض الأشخاص الذين يلهثون وراء التابو ضمن سلوك عدائي، وذلك بسبب التربية القاسية التي لم تشرح لهم مفهوم المحرمات، ما يجعلهم يطورون حساً عدوانياً وثورة داخلية لمجرد كسر التابو.

كبشر قد نرغب في كسر المحرمات وتناول "الفاكهة المحرمة"، أي أن نأكل أو نشرب أو نقتل أو نمارس الجنس مع من نعلم أنه محرم علينا. المحرمات هي الرذيلة الصارمة للقانون والضغط الاجتماعي (الأنا العليا)

هذا وشددت ستيفاني غانم على حاجة البعض لكسر التابو في مكان ما في حياته للتفلّت من القيود الاجتماعية وتذوق طعم الحرية: "البعض بكون تحت مؤثرات الرفض وما بيقدر يعيش بحرية حتى بأحلامو، ولهالسبب ما بيسمح لحالو بأنو يغلط وما بيسمح لحالو بأنو حتى يفرح".

قد تكون إثارة انتهاك المحرمات بحدّ ذاتها أمراً مثيراً، فالتابوهات مدانة بشدة ومحظورة، لدرجة أن انتهاكها أو كسرها يعطي نوعاً من التشويق. يمكن لأي شخص يخالف القانون أو يفعل شيئاً غير أخلاقي أن يخبر عن ارتفاع منسوب الأدرينالين.

كتب أوسكار وايلد ذات مرة: "يمكنك الحكم على الرجل من خلال نوعية أعدائه". ربما يمكننا أن نحكم على الشخص والمجتمع من خلال ما يعتبرونه من المحرمات، فعندما نتجنب أو نكره شيئاً ما، فإننا نضع هويتنا على الجانب الآخر من تلك المحرمات. بمعنى آخر، فإن المحرمات ترسم حدود من نحن. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard