شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
عزيزي المواطن الأردني… عند محاولة الانتحار علناً يرجى الدفع أو الموت

عزيزي المواطن الأردني… عند محاولة الانتحار علناً يرجى الدفع أو الموت

حياة

الأربعاء 27 أبريل 202203:08 م

الموت ليس اختياراً في الأردن، بل قرار تتخذه السماء أو السلطة

محاولتك خرق تلك القاعدة، تجعل منك مجرماً يستحق العقاب، لا مريضاً يستحق العلاج.

ذلك هو فحوى القانون الجديد الذي أقره مجلس النواب الأردني بعقاب كل من يحاول الانتحار بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وغرامة لا تزيد على مئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك لكل من شرع في الانتحار في مكان عام، أو أتى بالأفعال التي تؤدي إلى الوفاة، مع تشديد العقوبة ضعفَيْن إذا تم ذلك باتفاق جماعي.

النائب البرلماني صالح العرموطي: لو أن الانتحار جريمة، فالحكومة التي لا توفر حياة كريمة لمواطنيها شريكة في الجرم

أثار القانون الجديد استياء الشارع الأردني الذي طالب بتقديم الإرشاد للمقدم على الانتحار للحصول على المساعدة النفسية المناسبة، لا إثقال كاهله بعقوبة تدفعه لإحكام محاولته المقبلة.

 

 


لكن هذا لا يمنع وجود أصوات داعمة للقانون الجديد

 

يرى رأفت أبو رمان، أخصائي الأمراض النفسية، أن الإعلام ركز على الغرامة لمن يحاول الانتحار ولم يركز على الجزئية الأخرى من القانون وهو "الأماكن العامة".

ويضيف: "هنا نضع خطين تحت الأماكن العامة. محاولة الانتحار في الأماكن العامة وفق الطب النفسي لا تسمى محاولة انتحار وإنما محاولة لجذب الانتباه، ووسيلة ضغط يستعملها بعض الأشخاص للحصول على منافع وغايات أخرى. معروف أنه من يحاول إنهاء حياته فعلاً، يبحث عن مكان غير مألوف حتى لا يستطيع أحد إيقافه".

قرار متسرع وغير مدروس

في حديث لرصيف22، يصف حسين الخزاعي، الأكاديمي المختص في علم الاجتماع، إقرار هذه المادة بالمتسرع والخاطئ وغير المدروس، لوجود أبعاد اجتماعية ونفسية واقتصادية لم تدرس بشكل جيد قبل سنّ هذه العقوبة، موضحاً أن محاولي الانتحار ليسوا من أصحاب السوابق الجرمية.

"كان على مجلس النواب أن يستدعي خبراء ومختصين ويستمع لآرائهم ليفهم الطريقة السليمة للتعاطي مع محاولي الانتحار قبل وضع تشريع عشوائي بهذه الصورة" يقول مستشار الطب النفسي وليد السرحان، مبيناً أن سعي المختصين لعقود، كان يطمح لتعديل القانون لينص على إجبارية تحويل من يحاول الانتحار للطب النفسي كما هو معمول به في دول العالم، لكن العقوبة المفروضة أمس أضافت وصمة جديدة تضعنا مع الدول التي تعاقب المريض والسلوك المرضي.

الخزعي: كل حالة انتحار حصلت في السنة الفائتة يقابلها 5-7 حالات محاولات انتحار، أي ألف حالة سنوياً، وهذا يؤكد أن محاولي الانتحار يسعون في كل مرة إلى لفت النظر لقضايا يرغبون في حلها بالتعاون مع المجتمع أو الجهات المعنية

 آراء المختصين غير مرحب بها في المجلس

لطالما كانت غاية التشريع الحفاظ على كرامة الإنسان من خلال دراسة المسببات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ولكن للمرة الأولى يرد تجريم الشروع بالانتحار في قانون العقوبات الأردني بحسب النائب صالح العرموطي، وهو ما يجده "غير مبرر" قائلاً: "كأننا ندفع هذا الشخص الذي يعتبر مريضاً في القانون، أن يكمل انتحاره".

يذكر العرموطي أنه تمّ، أثناء جلسة النواب اليوم، توقيع مذكرة لإعادة فتح المادة لتعديلها، لكن مصير المذكرة "كان مثل مصير غيرها على الرف"، بالرغم من أن قانون العقوبات الذي يجرم فعل الانتحار يخالف قانون الصحة العامة الذي ينفي الصحة النفسية عمن يقدم على قتل نفسه.

وهذا ما يعزوه العرموطي لاتخاذ القرار دون الاستماع لرأي الأطباء واللجنة الصحية في المجلس، الذين لا يؤخذ باقتراحاتهم وتعديلاتهم المتخصصة، لتبقى المادة كما وردت في البداية من الحكومة.

عقوبة تفاقم المشكلة

"من لديه تفكير بالانتحار لا يكترث لا بغرامة ولا بسجن"، يقول مستشار الطب النفسي وليد السرحان، الذي يصف الانتحار بـ"السلوك المتعارف عليه"، أكان في أماكن عامة أو غير عامة، حيث تعد النقاط المرتفعة المميزة في كل بلد، كالجسور والجبال، ملجأً لمن تراوده الفكرة.

وهذا ما شهدناه في حادثة الانتحار الأخيرة مع بداية هذا العام، عندما ألقى رجل ثلاثيني نفسه من أعلى جسر عبدون، لافظاً أنفاسه الأخيرة عقب نزيف دماغي تلا اصطدامه بالأرض.

ويرى السرحان أن معاملة السلوك الانتحاري أكان لغرض لفت الانتباه أو إيذاء النفس، تكون بتحويل الفاعل للمعالجة النفسية. يوافقه الرأي الخزاعي الذي يوضح أن المنتحرين "وصلوا لمرحلة من الاضطراب العقلي تجعل مشاكلهم في نظرهم مستعصية، ما يدفعنا للحديث معهم لمعرفة دوافعهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية، والخروج بدراسات اجتماعية معمقة لاتخاذ قرار إنساني ومنطقي".

وينفي الخزاعي أي ضمانات تمنع محاولي الانتحار من التحول لمجرمين في حال إدخالهم مراكز الإصلاح والتأهيل واختلاطهم بالمجرمين وأصحاب السوابق، إذ "30% من النزلاء الذين تم إلحاقهم بمراكز الإصلاح، تعلموا أساليب الجريمة من رفقاء السجن وأرباب السوابق".

نسب يُغضّ الطرف عنها

في سياق متصل، سجلت 116 حالة انتحار عام 2019 مقابل 143 حالة عام 2020، و 593 في العام الفائت بحسب مديرية الأمن العام، بالرغم من أن عدد الحالات من من عام 2014 حتى عام 2018 هو 605 بحسب دائرة الإحصاءات العامة، وهذا يعكس تزايداً مقلقاً في النسبة.

يرجع علماء الاجتماع والنفس في الأردن ارتفاع معدلات الانتحار إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وأخرى نفسية مرتبطة بجائحة كورونا. إذ سجل العام الماضي أعلى معدلات انتحار في الأردن منذ خمسة أعوام.

يبيّن الخزاعي أن كل حالة انتحار حصلت في السنة الفائتة يقابلها 5-7 حالات محاولات انتحار، أي ألف حالة سنوياً، وهذا يؤكد أن محاولي الانتحار يسعون في كل مرة إلى لفت النظر لقضايا يرغبون في حلها بالتعاون مع المجتمع أو الجهات المعنية.

"منذ عام 2011 كانت عمليات الانتحار موجودة ولم يستجب أحد للتحذيرات"، يقول الخزاعي، الذي يرى أن الأسباب الدافعة للانتحار في المجتمع الأردني مركبة، وذلك بتداخل الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تدفع المواطن لإنهاء حياته. فمع انتشار الفقر والبطالة وتردي مستوى الخدمات المقدمة للمواطن، "اُجتُثّ بصيص الأمل من جذوره".

لكن للحكومة نظرة أخرى تجعل من المنتحر في المكان العام مستقوياً على الدولة ومخضعاً إياها لما يمليه عليها من شروط، على حد قول النائب العرموطي، الذي يؤكد أن الحكومة التي لا توفر حياة كريمة لمواطنيها هي شريكة في الجرم.

حلول بديهية

ارتفعت مناشدات مجلس الأعيان بعدم المصادقة على هذا القانون، وهو ما سيحدث وفق العرموطي. ويتخوف السرحان "من وضعنا موضع سخرية وغرابة أمام المنظمات والهيئات العالمية بسبب هذا القانون المسيء لحقوق الإنسان وحقوق المريض".

"لدى 90% من المنتحرين اضطرابات نفسية شديدة، ومن المفترض معالجتهم. وعدد الذي تتم معالجتهم 1-3%"، يقول الخزاعي، لافتاً إلى أن الطاقة الاستيعابية لمراكز الإصلاح والتأهيل ذات الكلفة على الدولة، وصلت 140%، أي أنها متخمة في الأصل، بالرغم من اعتبارها حلاً غير إنساني، إذ يجب إلزام الدولة بتخصيص مراكز لإرشاد محاولي الانتحار.


Website by WhiteBeard