في يوم العاملات العالمي: أشعر بالذنب تجاههن وتجاه أمّي

الأحد 1 مايو 202207:58 ص

ها قد جاء يوم العمال العالمي. لماذا أفكر في العاملات فحسب وليس في العمال؟ قد يعتقد البعض أنه جزء من "التطرف" المصحوب بالنسوية، فأحاول شرح أفكاري من المنظور النسوي طبعاً.

منذ الصغر، أذكر أنني كنت أراقب أمي وهي تعمل "من الفجر إلى النجر"، وأندفع لمساعدتها في تنظيف المنزل وترتيبه. جزء كبير مني كان يشعر بالذنب: لماذا يجدر بوالدتي أن تقوم بجميع مهام المنزل وحدها؟

منذ الصغر، أذكر أنني كنت أراقب أمي وهي تعمل "من الفجر إلى النجر"، وأندفع لمساعدتها في تنظيف المنزل وترتيبه. جزء كبير مني كان يشعر بالذنب: لماذا يجدر بوالدتي أن تقوم بجميع مهام المنزل وحدها؟ لم أشعر بالذنب تجاه عمل أمي كمعلّمة يوماً، وكأنني أعلم أنها اختارت هذه المهنة العادلة التي تمنحها فرص الراحة في عطلة نهاية الأسبوع، ومصدراً للعيش. في المقابل، وجدت نفسي يوماً أشعر بشعور مماثل تجاه العاملات الأجنبيات في المنازل، اللواتي كن يرافقن الأسرة يوم الأحد ليقمن بمهام الترتيب والتنظيف نفسها.

موقف التعاطف ليس سيّان في الحالتين، إذ كنت أعلم أن العاملات في المنازل يؤمّنّ مصدراً للعيش أيضاً من خلال هذه المهام، إلا أن الشعور باللا عدالة تجاه الاثنين لم يتركني يوماً، وكأنني أبحث لتعلم المزيد عن مصدر اللا عدالة هذه، لأكتشف لاحقاً أن المصدر واحد، ولو اختلفت ترجمته، أو نتيجته، أو ضحاياه. 

أمهاتنا يعلّمننا العمل المجاني 

أعلم أنه في المنظور الطبيعي، من المتوقع من الأمهات أن يمارسن مهنة التضحية مجاناً، فشربت هذه الفكرة، وترسخت في رأسي، لكنه لم يسَع عقلي البسيط فهم الفرق بين ساعات عمل والدي خارج المنزل، وساعات عمل والدتي خارجه وداخله، وكأن رأسي يعرض علامة "خطأ" عندما أقوم بحسابات الفرق. أحاول معادلة هذه المسألة الحسابية من خلال الاندفاع نحو مساعدة والدتي، إلا أن رأسي يعود إلى طرح علامات الخطأ. من أين يأتي هذا الشعور بالذنب والمسؤولية تجاه أمهاتنا؟ هل أشعر بذلك فقط لكوني امرأةً؟ أأجهّز نفسي في لا وعيي لأعيش مثيل اللا عدالة تلك يوماً ما؟ 

أعلم أنه في المنظور الطبيعي، من المتوقع من الأمهات أن يمارسن مهنة التضحية مجاناً، فشربت هذه الفكرة، وترسخت في رأسي، لكنه لم يسَع عقلي البسيط فهم الفرق بين ساعات عمل والدي خارج المنزل، وساعات عمل والدتي خارجه وداخله، وكأن رأسي يعرض علامة "خطأ" عندما أقوم بحسابات الفرق

تعودت أمهاتنا على ممارسة العمل المجاني، من دون الفصل والموازنة بين أهمية تقسيم المهام على أفراد العائلة والرغبة في العطاء، فأضحين يعلمننا أنه من المقبول أن نعمل ونضحّي لمجرد أننا نساء، وليس لأننا نريد أن نعطي، فنقبل أن نأخذ أيضاً.

الشعور بالذنب يطالنا نحن

أترجم شعوري بالذنب اليوم في التصدي لتجارب الراحة. لماذا لا تعرف بعض أمهاتنا كيف يسترخين، ويحببن، ويستمتعن؟ لماذا يلاحقهن شبح الخوف من أن تهرب المسؤوليات منهن؟

لماذا لا يعرفن كيف يستمعن إلى الموسيقى، أو يقرأن كتاباً، أو يضحكن ويسهرن؟ 

نستورد منهن الشعور بالذنب، فنحن فتيات الجيل القادم، وتالياً من المتوقع أن "نأخذ عنهن" القليل من هذه الوظيفة الإجبارية التي وضع نصوصها وسياساتها الداخلية مجتمع ذكوري بامتياز، لا يترك لنقد الفكرة مكاناً، وكأن من ينتقدنها خائنات، والشعور بالذنب واجب. 

أترجم شعوري بالذنب اليوم في التصدي لتجارب الراحة.

 ما علاقة العاملات الأجنبيات في لبنان؟ 

أجد الرابط بين التعاطف مع أمهاتنا والعاملات الأجنبيات بديهياً، فعمل الأخيرات ليس مجانياً حصراً اليوم، إلا أنه مفروض بشروط المجتمع نفسه. ربما ينطبق ذلك على معظم العمال الأجانب في لبنان، لكن للعاملات في المنازل حصةً فريدةً، تطرح التساؤل عما إذا كانت العبودية تزداد وطأةً عليهن فقط لأنهنّ نساء. 

في لبنان ما يقارب الـ250،000 عاملة أجنبية (حسب إحصائيات عام 2021)، يعشن ظروف الحرمان من الحرية، ومصادرة أوراقهنّ، وفرض أوقات عمل لا متناهية والتعرض للعنف والاستغلال تحت نظام الكفالة العبودي. 

تستثني المادة السابعة من قانون العمل اللبناني العاملات الأجنبيات في المنازل تحديداً، وكأن من وضعوا النصوص هذه (وهم في طبيعة الحال رجال)، يرضون بالعمل "ببلاش"، أو تحت ظروفٍ خالية من الحرية أو الحقوق بمختلف أنواعها. 

يعني ذلك أن المصدرات والحرمان من الحرية حقان من حقوق الكفيل، وأن مجلس العمل التحكيمي لا ينصف العاملات إلا في حالات نادرة، هذا طبعاً إذا تجرأت عاملة على أن تطالب بحقوقها إن حرمها الكفيل من راتبها مثلاً... أعطي هذا الطرح كمثل، إلا أنه القاعدة في العديد من الحالات. 

ما العلاقة بين الاثنين؟ 

بالإضافة إلى كون التعاطف مع حالة العاملات الأجنبيات وأمهاتنا، ينبع من منطلق حقوقي، فإن مصدره واحد وهو توقع العمل خارج الطاقات الطبيعية. تؤكد العديد من المنظمات الحقوقية أن العاملات الأجنبية كنّ الأكثر عرضةً للعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال فترة الحجر الصحي، بالإضافة إلى النساء. يفسّر هذا المؤشر العلاقة بين من توقع منهن المجتمع المزيد، وبين من فرض عليهن نظاماً عبودياً، فيما لا تستطيع بعض النساء في الحالتين التفرد بالاستقلال المادي والاندفاع إلى المطالبة بحقوقهن. 

أتكلم هنا عن العديد من الانتهاكات التي تعاني منها النساء. أتكلم عن الفروقات بين الرواتب، ووضع النساء في المواقع الأضعف في أماكن العمل، وضعف القانون اللبناني في إنصافهنّ في حال التعرّض للتحرش ضمن أماكن العمل، وإلقاء بعض الوسائل الإعلامية اللوم عليهن بسبب نوع عملهنّ، ونقد النساء في المواقع القيادية على أساس الشكل وليس الكفاءة، وكأن الحقوق فعلاً تتجزأ وتتغير بحسب ما يناسب العدسة الذكورية للمجتمع. 

كبرت اليوم، وأصبحت أحوّل الشعور بالذنب تجاه العاملات الأجنبيات والنساء في المطلق، إلى نضال يومي للمطالبة بحقوقهن، من خلال الكتابة. لماذا أشعر بالذنب؟ فالمسؤولية ليست مسؤوليتي فعلاً، لا بل هي مسؤولية اجتماعية وقانونية

على من تقع المسؤولية؟

كبرت اليوم، وأصبحت أحوّل الشعور بالذنب تجاه العاملات الأجنبيات والنساء في المطلق، إلى نضال يومي للمطالبة بحقوقهن، من خلال الكتابة. لماذا أشعر بالذنب؟ فالمسؤولية ليست مسؤوليتي فعلاً، لا بل هي مسؤولية اجتماعية وقانونية. على الرغم من ضرورة إلغاء المادة السابعة من قانون العمل اللبناني لإنصاف العاملات الأجنبيات، وتعديل الكثير من القوانين في لبنان لضمان حقوق المرأة ضمن أماكن العمل، إلا أن المشكلة الأساسية خلقها مجتمع ذكوري لا يُخدش حياؤه أو يخاف من المحاسبة عند المطالبة بالمزيد. مجتمع هو المحرك الأساسي للعديد من الانتهاكات في سياق عمل النساء في لبنان.

أكتب اليوم، في عيد العمال والعاملات، عن العاملات حصراً. أعلم أن الحقوق لا تتجزأ، لكني أسمح لنفسي بأن أجزّئها وألقي الضوء عليها كما أشاء، فيما يجزّئ المجتمع حقوقي وحقوق من لا يشبهه، من عاملات المنازل إلى النساء المهمشات، إلى مجتمع الميم، واللاجئين واللاجئات... فئات تُنتزَع منها حقوقها في أماكن العمل يومياً، وهو مشهد واحد من مشاهد العنف القائم على النوع الاجتماعي المتعددة.

ربما، يمزج شعوري بالذنب بين الرغبة في التخلص من اللا عدالة هذه، والتعويض عنها لأني امرأة، فأفشل في مساعدة والدتي في تنظيف المنزل، لأنني أعلم أنه يحق لها أن تختار نوع عملها، وأعلم أنها كانت لتختار أكثر بكثير متى شاءت، لو علمت فقط أن بين حب العطاء والحرمان من الحقوق فرقاً شاسعاً، ولو علمت أن التصدي لتوقعات المجتمع داخل المنزل هي الخطوة الأولى للمساواة خارجه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard