من القائمة القصيرة للبوكر العربية هذا العام... الخط الأبيض من الليل

الجمعة 29 أبريل 202201:10 م

في التصادي مع اليوم العالمي للكتاب الذي مضى منذ أيام والذي  يستفز محاربي الكتب وحارقيها، تأتي رواية "الخط الأبيض من الليل" لخالد النصر الله الصادرة عن دار الساقي لعام 2021، الرواية التي دخلت القائمة القصيرة للبوكر العربية هذا العام لتؤكد على هذا الصراع الذي يخفي خوف الاستبداد والمستبدين من المعرفة التي تختزنها بطون الكتب وألوانها، وما يحمله ذلك من قمع وكبت وإلغاء، صراع انعكس في محاربة كل ما يضيء العقل ويبدد سواد الجهل، وما يعنيه منع عمل مهم وحجبه من حرمان للإنسانية من باب معرفي مميز قد يفتح مجالاً لما بعده من كشف وخلق وإبداع.

منذ الصفحات الأولى، يحيط صاحب "الدرك الأعلى" القارئ بجو بوليسي يسيطر عليه الارتياب والقلق وهو يجتاز الشوارع والأبنية وسط عتمة الليل وزمجرة الرياح، ليقوم بإيداع كتابي "التاريخ الموجز" و"رواية من الأدب العالمي" في مكان غامض، يدخله من خلال كلمة سر تشي بسرانية المكان وعمله، بالعبارة الذهبية التي ينطقها كمفتاح دخول: "المعرفة في جوف الأرض وليست في عنق السماء"، في إشارة لعلاقة المعرفة بالحياة الواقعية للإنسان.  

في التزامن مع اليوم العالمي للكتاب الذي مضى منذ أيام، تأتي رواية "الخط الأبيض من الليل" لخالد النصر الله، التي دخلت القائمة القصيرة للبوكر العربية هذا العام، لتؤكد على الصراع الذي يخفي خوف الاستبداد والمستبدين من المعرفة التي تختزنها بطون الكتب وألوانها

ظلال أعمال سردية سابقة في الرواية

لا يخفي الكاتب اتكاءه على الأديب الراحل اسماعيل فهد اسماعيل، في العبارة التي يستهل فيه العمل، كإهداء لحديث متصل سابق معلق بينهما، يكمله بعدها بطيف من الروايات معلقة بالذاكرة، تظلل معنى رواية النصر الله، إن لم نقل تشابهها في الأحداث والفكرة، كرواية كارلوس زافون "ظل الريح" أو رواياته الأربع التي عرفت بالعنوان الفرعي باسم "مقبرة الكتب المنسية"، كمجموعة متصلة المعنى، ورواية مواطنته بثينة العيسى "حارس سطح العالم"، بالإضافة لرواية الأميركي راي برادبوري " فهرنهايت 451"، كما يتشارك معهم بالأجواء البوليسية التشويقية والشخصيات الغامضة، وإن كان كل يغزل بمغزله، فالأفكار موجودة على قارعة الطريق كما هو متعارف عليه، ولكن ما هو الأسلوب الذي يرويها كل منهم، تلك هي الحكاية.

القراءة بوابة للمعرفة  كفعل مقاومة وحرية

هاجس القراءة لدى بطل العمل بدأ منذ الطفولة، حيث أخذ يقرأ بنهم غريب كل شيء يقع تحت بصره بصورة ملفتة للنظر، ينقله إلينا عبر صوتين، مرة بلسان الراوي العليم الذي يسرد حكاية المدقق، ومرة بلسان الراوي ذاته بأسلوب ضمير المتكلم الذي يرى وظيفته، أي حالة القراءة تعني له مزاولة حياته وليست هوايته وحسب، الأمر الذي جعله يقبل بوظيفة مدقق في قسم رقابة الكتب، حيث التقرير الصادر عنه هو الذي  يقرر قبول الكتاب أم منعه.

لكنه يصطدم بحب كتاب مضطر لمنعه لورود بعض الألفاظ المرفوضة للكاتب الفارس، وتبوء بالفشل كل محاولاته لإقناع الكاتب المذكور بتبديلها، كما يلمع نجم الكاتبة المغامرة عند فوزها بجائزة عالمية لرواية سبق أن مُنعت، ما بتسبب بهياج عام ومظاهرات واعتراضات ضد رقابة الكتب ومؤسستها، الأرم الذي يؤدي بعدها إلى فترة مؤقتة من الانفراج، تتوقف فيه أعمال الرقابة وتمنح حريات طباعية مفتوحة وازدهار لعمل المطابع، ما يؤجج سؤال الكاتب الفارس للمدقق: "ما الذي يربط قارئ واع  بمهنة مدقق كتب رقابي؟"، لتعود الأمور بعدها إلى التضييق، بشكل أسوأ مما كانت عليه، مع الاختراع الجديد الذي أطلق عليه اسم "صائدة الكلمات" لجهة الإغراق في رقابة الكتب وتجيير التكنولوجيا الحديثة لخدمتها، واستخدام مخاريط معدنية في عملية حرق وإبادة الكتب، وازدياد الهجوم على الديمقراطية واعتبارها مرحلة سابقة استنفذت فرصها في النجاح.

فيضطر المدقق، وهو صاحب مطبعة ورثها عن والده، لاتباع طرق ملتوية لتمرير الكتب، ليحقق انسجاماً مع قناعاته وشغفه بحق وجود الكتاب المميز في النور، ولكن ذلك لا يمنع من سيطرة الخوف والرعب على كيانه الذي استطاع الكاتب التعبير عنه في زيادة تناوله لأقراص المعدة، في إشارة لاشتداد أزمته النفسية عبر تهويماته الليلية وكوابيسه التي تتداخل بين الحلم والواقع، ما يدعوه للهروب والتخفي في مكان غريب تحت الأرض، يقوده إليه هاجس غامض، إذ إن الأجواء الكابوسية التي يعيشها البطل المختبئ تحيلنا إلى أجواء كافكا في المحاكمة، وإن كنا هنا نستطيع تخمين السبب وراء شعوره، إذ يتركنا الكاتب في دوامة الاحتمال للرعب الذي يسكنه، فهو إما أن يكون لغيابه غير المبرر عن عمله، أو لاكتشاف الجهات الوصائية قيامه بتهريب الكتب أو طباعتها.

وعلى مستوى آخر، يروي حكاية أخرى تجري مع صديقيه، حيث تبرز شخصية المهذب الذي يفكر بالاحتفاظ بمكتبة لكتب الأطفال التي تشير بمعنى ما إلى المستقبل، بالإضافة لكتاب آخر مميز، هذا الأمر الذي يجعل شخصية غامضة تلاحق حافظ المكتبة وأصدقاءه غواة الكتب، هي التي أطلق عليه اسم "شيطان المكتبات".

نص داخل النص

يتلاعب النصر الله بالقارئ في تقنية نص داخل نص، عبر خطين للسرد واحد، هو حكايته الحقيقية والآخر المتخيلة، إذ تتماهى الحكايتان في النهاية، فلا نعرف من يروي الحكاية 

يتلاعب النصر الله بالقارئ في تقنية نص داخل نص، عبر خطين للسرد واحد، هو حكايته الحقيقية والآخر المتخيلة، إذ تتماهى الحكايتان في النهاية، فلا نعرف من يروي الحكاية التي نقشت على جدران القبو الذي انتهوا إليه جميعاً، فهل يروي الصبي ورفاقه الهاربون من شيطان المكتبات حكاية المدقق، أم أن المدقق هو من يروي حكاية الصبية الهاربين الفتى وصديقه عليوي والمهذب، ليكون اللقاء في جوف الأرض للجميع، حيث المعرفة تكمن في الأعماق، وفق العبارة الذهبية التي قيلت؟   

الاشتغال على نسج ملامح شخصية فيها غموض لصالح الفكرة الكلية وهي محاربة المعرفة وناقليها عبر تناقض مفهومي البيروقراطية والديمقراطية، وحتى الممارسات الديمقراطية الظاهرة تتمثل في فن إيهام الشعب بالمشاركة في الحكم (ذريعة الانتخابات وصناديق الاقتراع )، فتقنين الحرية وضبطها ليس مرادفاً للقمع وإنما تحايل على الفكرة لجعلها مستساغة عند العامة بالتدريج، فبعد فكرة اصطياد المفردة الممنوعة نأتي إلى الشك بالفكرة والمعنى المبطن لها، ليكون الرد العفوي الساخر للجمهور في لوحة كتب مشنوقة تحت الجسر.

فموضوع الرقابة تعكس رؤية جهة تدعي امتلاك الحقيقة وتفرضها على المجتمع من خلال سلطتها، هذا ما تفعله الرقابة على الكلمة والمعرفة، ولكن زاد عليها زيف الإعلام الذي يظهر الواقع عكس ما هو عليه، ويعمل على تسطيح العقول وتعميم التفاهة، والتي اختصرها الكاتب بمشهد المايكروفون الذي سدّ فم الطفل الذي صرح برغبته في أن يكون قارئاً.

ربما قصد الكاتب من العنوان، كعتبة نصية تمهيدية للعمل السردي، هي تلك اللحظة البيضاء الني نستطيع فيها تهريب الكتب، وبالتالي المعرفة، في غفلة من الليل أي حراس الظلام، ربما بهذا المعنى نستطيع ربط توليفة مابين النص والعنوان، والعنونة المميزة هي التي تترك بوابة احتمال مفتوحة للتأويل والتفسير ومشاركة القارئ الكاتب أفكاره، من خلال فهم جديد ومختلف لها في تأكيد للفكرة الأساسية في أن فعل القراءة بوابة وعي وحرية ومواجهة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard