رواية "النقشبندي": ألم كاتبةٍ وسيرة الشيخ المُبتهل

الجمعة 18 مارس 202211:30 ص

أيها الإنسان المتوهم..

تتمسك مستميتًا بحبل الحياة، تظن أن وجودك هو الحقيقة الأصدق، وأن الكون كله ملكك، ومع الوقت تنظر إلى خطواتك، باهتة، تمحوها آثام الآخرين، تنتظر المدد من القريب والغريب ولا يأتي.

تمد يدك كل مساء وصباح إلى الآخر، تبحث عن ذاتك التي أضعتها فيه فتجد ألا أثر لك، وأن ما ظننته حياة هو موت، يتجدد كل يوم مع كل موقف وكل كلمة.

"النقشبندي": رواية أشبه بقطعة موسيقية متنوعة الأصوات والوقفات.

تصور  رواية "النقشبندي" لرحمة ضياء، (الكاتبة المصرية الفائزة بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول عام 2021)،   الوجه الآخر للحياة بتفاصيله غير المفهومة والمعقدة، تلهو بالزمن قليلاً لتعد قطعة موسيقية متنوعة الأصوات والوقفات.

تنتظر البطلة  "نصرة" خلال أحداث الرواية المدد، ثم تقرر أن تبحث عنه بعد رحلة طويلة، اقتربت من الأربعين عاماً، شعرت خلالها أنها تتواجد في غير مكانها وزمانها،  ففتحت ذراعيها  للمجهول لتستقبله برحب وحفاوة، فتلقاها بين أحضانه، وعندما أوشكت أن تسلم أنفاسها الأخيرة، كانت في حضرة  "النقشبندي".

ثقوب الروح :  "من لي سواك"

لا يستطيع إنسان أن يعيش طويلاً مع ثقب في القلب، ولكنه قد يرزق بعمر مديد رغم الثقوب التي تملأ روحه، وهذا ما نتلمسه في رواية "النقشبندي"، إذ قررت  الكاتبة أن تأخذ بطلتها في رحلة علاج قصيرة لروحها بعد أن خذلها الأحبة، وتجاهلوا أوجاعها غير المرئية، واعتبروا شكواها نوعاً من الجنون، لكن "نصرة" قررت أن تعالج نفسها بالكتابة.



تصرخ  "نصرة" مُحطمة سنواتها الماضية، تتمرّد على زوجها، وتخبره بقرارها، فينصاع دون قناعة لرغبة مجنونة ظن أنها مؤقتة، نقرأ كيف تسير "نصرة" نحو  حلمها بخطى مسرعة، محطمة الروح والفؤاد، لكن، إثر عجلتها  تتعرض لحادث، فينهار الجسد، ويحرّر الروح التي ملت من وجوده.

تجد "نصرة" نفسها في لقاء خاص مع النقشبندي في برزخ يتناجيان فيه،ويكشف كل واحد منهما أسراره للآخر ، تحكي "نصرة" عن آلامها وعن الكتابة، وتبدأ في السير من مكان لآخر بخفة اشتاقت إليها، ومع كل خطوة تتكشف عذابات روحها، أمام  رفيقها الشيخ الذي يداري آلامها، وبعد حين يكشف عن ندوبه لنتعرف على وجه آخر متخيل لمبتهل، تعلقنا بصوته القادم من الجنة، لنرى ضعفه وحياته الماضية، تلك التي ضاقت به أحياناً حد اليأس والقنوط.

تقتنص "نصرة" الفرصة لتسأل "النقشبندي" عن حياته وأولاده، تسمع رأيه في الحجاب، ولماذا رأت صورة لبناته وهن غير محجبات؟. يجيبها الشيخ كاشفاً  الكثير عن شخصيته، التي لا يعرفها مستمعيه ومحبيه، تلك الشخصية التي  تخيلتها الروائية،  لترفع مع الوقت الستار عن الشيخ الإنسان، وربما هذا ما سبّب للكتابة المتاعب مع أحفاد النقشبندي، الذين لم يخفوا امتعاضهم  على الأخبار والسوشال ميديا.

تحكي "نصرة" عن آلام الطفولة التي اختبرتها ، وخصام والديها المستمر الذي سبب لها  تشوهاً  في الوجه والقلب، ثم كيف اهتدت في صغرها إلى الطريق، مستعينة بصوت النقشبندي، الذي أتاها من المسجد: "مولاي.. من لي سواك ومن سواك يرى قلبي ويسمعه".

الندوب متشابهة، والآلام التي عاشها من سبقونا قد تكون هي آلامنا، وآلام من يتبعنا، بينما نطرح نحن تلك الأسئلة التي لا إجابة لها: من نحن؟ وماذا نفعل على سطح هذا الكوكب؟

نقرأ في الرواية عن طفولة النقشبندي بلسانه المُتخيل، وكيف أن والده كان ضيق الفؤاد، يبخل عليه بعاطفته، هذا البخل الذي دفع بوالدته إلى أحضان زوج آخر، وجعل الشيخ يعاني طويلاً. وهنا يكتسب ألم "نصرة" وألم النقشبندي بعداً إنسانياً، إذ تشدّد الكاتبة طوال الوقت على أن الندوب متشابهة، وأن الآلام التي عاشها من سبقونا قد تكون ذات آلامنا، وآلام من يتبعنا، بينما نطرح نحن تلك الأسئلة التي لا إجابة لها.. من نحن؟ وماذا نفعل على سطح هذا الكوكب ؟.

بوصلة التائه و"جذبة المشتاق"

"الجذبة" ليست حكراً على المتصوفين الذين يستجيبون للنداء، فيخرجون على غير هدى من مكان إلى آخر،  هي صوت تأوه الروح الذي سمعته "نصرة" فنهضت مستجيبة لتلبي النداء، وتقرر أن تكتب رواية عن "النقشبندي"، فيعزم الأخير على النهوض من موته ليوم واحد فقط  مشتاقاً لرائحة الحياة.

يلتقي  المُتألمان  بين الموت والحياة. ذاك المكان السري الذي لا نعرف عن وجوده شيئاً، نخلع فيه رداء الحياة والموت، لنعيش في  حقيقة مجردة  ليوم واحد، دون انتماء إلى أي منهما ودون خوف، وهنا يبدو النقشبندي كروح مرهقة من رقاد الموت،  التقت بروح مثقلة من الحياة "نصرة"، لتكون فرصة كي يتخلصا من همومها.

تحث "نصرة" النقشبندي على التمتع بلحظات العودة القليلة، تمنعه من التقيد بالعمامة، وترفض أن يحرم نفسه من المتع القليلة المتاحة، بينما ينصحها هو بالتمسك بالأمل، والنظر إلى الآخر بعين الرأفة ، للوصول إلى الهدف، لتبدو الحوارات بين الاثنين شيقة، ممتعةً، خالية من "تعنت" روح المتصوف التي نتوقعها ضمن هكذا روايات.

تكشف الكاتبة عن الكثير من التفاصيل في رحلتها مع النقشبندي، إذ  تتعرى الأرواح، وتعود بنا إلى الماضي ثم تأخذنا إلى الحاضر مجدداً، وكأن أزمة "الآن" نتاج ما سبق،  فألم الماضي تخمر داخلنا وأفرز وجه الحاضر، الذي بدوره تمخض عن عناء  يهدد المستقبل بأوجاع لا يمكن توقعها.

تقارن الكاتبة بين الظلم الذي عاشته "نصرة"، أي تجاهل زوجها وعائلتها لها، بذاك الذي اختبره النقشبندي حين حرم من حنان والده، ثم حين  حاول طويلاً أن يصل للإذاعة ليطلق صوته إلى الوطن العربي،  إذ نقرأ عن فشله المتكرر لسنوات في الوصول لحلمه، ثم المفارقة التي واجهها، أي  تحقق هذا الحلم  قبل نهاية طريقه بسنوات قليلة، إذ خذلته الإذاعة مجدداً، ثم حرم من حبيبة عمره "صديقة".

نار انتظار الجنة

الانتظار والصبر يمثلان الاختبار الحقيقي الذي نعيشه جميعاً، وهما ما ابتليت بهما البطلة "نصرة"، عندما ظلت لسنوات تعطي دون أن تفكر بالمقابل، إذ تمنت وأملت وحلمت أن تعيش جنتها الخاصة على الأرض، وأن تمسك بها أيدي من تحب لتنهض من غفوتها، مثلما فعلت مع من أحبّت، لكنها فجأة  شعرت بالاكتفاء من انتظار تقدير لن يُمنح لها، إذ عليها أن تسرقه من الحياة عنوةً.

اختبر "النقشبندي" أيضاً لهب  الانتظار والصبر في حياته عندما ظل لسنوات يتنقل بين مكان وآخر، ينتظر أن يحقق النجاح الذي يستحقه وينشده. إذ صبر عندما افتقد حنان الأب صغيراً ووجد والدته مع شخص غريب، ثم اشتدّ  صبر على بلاده كي تمنحه التقدير الذي يريد،  كما   صبر إلى حين  ارتمى بين أحضان زوجته ‹صديقة› ليجد عندها جنته. لكن انتظاره لم ينته، حتى بعد الموت، مازال الشيخ ينتظر الحساب ليعرف أي طريق سيسلك، إذ تسأله "نصرة": هل أنت في الجنة؟ أخبرها أنه مازال ينتظر الحساب. جميعنا ننتظر والانتظار مر، والصبر أشد مرارة".

طريق النجاة "على حد الموت"

نظل طوال الطريق نبحث عن الملاذ، ورقة رابحة تحقق لنا ما نريده، ورقة تعوضنا عما فقدناه من سنوات عشناها بلا هدف، وهذا ما فعلته بطلة الرواية عندما اقتربت من سن الأربعين، ووجدت حياتها خاوية.  ذات الأمر  فعله "النقشبندي" أثناء حياته عندما أعلن عن موهبته مناجياً الله بصوته ليطرب قلوب العباد.

تطلب الكاتبة من  كل امرأة أن تبحث عن الملاذ، وأن تفتح  الجراح الدامية، وتسأل عن سبب الوجود، وكيف يكون الخلاص من الحياة التي تشبعنا ألماً وخذلاناً؟ في ذات الوقت  تكشف الكاتبة عن الروحانيات التي تتحرك ضمنها، موظفة سيرة "النقشبندي"، التي تخللها الإنشاد، وقراءة القرآن، والزهد الذي عرفه الشيخ بمعناه الحقيقي، دون أن ينسى نصيبه من الدنيا كما فعل والده.

تحث الكاتبة الشيخ النقشبندي على التمتع بلحظات العودة من الموت، تمنعه من التقيد بالعمامة، وترفض أن يحرم من المتع القليلة المتاحة، وتسأله عن سر صور بناته غير المحجبات

 تسعى الكاتبة عبر سيرة  المبتهل النقشبندي المتخيلّة ومعاناته إلى تعريفنا على معاناة البطلة، خالقةً  مزيجاً درامياً بين الواقعية والتخيل، بلغة شيقة تحذبنا   للحكاية  حد انصهارنا معهـ(ما)ـا، إذ نموت  مع البطلة، ونبعث من قبورنا مع النقشبندي، في محاولة لرصد هذا الوصل بين شخصين عاشا ألماً مديداً، لنطرح عندها سؤالاً، هل الحياة هي الأصل أم الموت؟ هل من الممكن أن يصبح الموت ممتعاً، وطريقاً للنجاة من كل الآلام؟

لم تضع الكاتبة إجابات على ما طرحته من أسئلة وجودية، ولكنها قدمت "الروشتة"،  دعوة لاستقبال المجهول بأذرع مفتوحة، علّ القادم منه أن يكون هو الحقيقة، وما نعيشه ليس سوى وهماً كبيراً، خصوصاً أن ذاك "المجهول" ليس مخيفاً بل يحمل إلينا التشويق والإثارة، مرشداً إيانا نحو ما لا تعرفه وما نخاف منه وما نتجنبه، إذ يمكن للموت  نفسه أن  يكون طريقك للنجاة، لكن، لا تعرف "نصرة" عند نهاية الطريق ما تختار؟ هل تعبر مع النقشبندي إلى دنيا الموت ؟ أم تقتنص فرصة جديدة لتعود للحياة وتحتضن أسرتها؟  تفكر ولا تجد هدى، وتسأل بغيظ: لماذا نحب الموتى؟

  فجأة، نجد أنفسنا نفكر مع "نصرة" : لماذا نضيّع فرصنا في الحياة؟، أمام هكذا سؤال، تتحرر الرواية من جنسها، هي ليست مجرد سيرة متخيلة لمنشد له قيمة تاريخية وحنجرة ذهبية، ولكنها دعوة للحياة والتساؤل. نداء لمواصلة المحاولة، والتمسك بالأحلام. فهل نستمع إلى جذبتنا ونهرول بين الشوارع، نبحث عن تلك الروح القادمة من الموت لتنقذنا، وتكون بوصلتنا لنرى قيمة الحياة… والأهم، هل نستحق فرصة أخرى؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard