ثقافة العافية... السعي المرضي خلف الصحة

الخميس 5 مايو 202203:00 م

كيفما التفتنا في العالم الافتراضي أو على أرض الواقع، نتعثر يومياً بدعوات وتعليمات تدلّنا على الطريق الأصح، من أجل بلوغ الصحة والعافية النفس-جسدية، وحسب الأخصائيين/ المدربين/ الـgurus ، أو مهما أردتم تسميتهم.

المهمة ليست بالسهلة، بل مشقة تتطلب توزيع جهودنا في اتجاهاتٍ عدة: اتباع حمية غذائية أو أخرى، استهلاك مواد "طبيعية" حصراً، التأمل واليوغا، تحميل تطبيقات الصحة والتطوير الذاتي، حضور ورشات عمل وتدريبات، تجريب علاجات الأعشاب والروائح، والذهاب في خلواتٍ جماعية باهظة الثمن من أجل الانكفاء مع الذات والطبيعة.

يختلف الأمر جندرياً، فإن كنا نتحدث عن امرأة، قائمة المهمات أمامها من أجل الوصول إلى "العافية" أطول، فهناك الاعتناء بالشعر والبشرة، الحفاظ على الوزن أو خفضه، واستهلاك الكثير الكثير من المستحضرات، ليبدو الأمر نهاية أشبه بعمل بدوام كامل أكثر من كونه سبيلاً للراحة والارتخاء.

الصحة كعارضِ مرضي

ليس من المستغرب أن يتحوّل الاهتمام بالصحة الى هاجس جماعي على النحو الذي نراه اليوم، فبعد قرون من مواظبة البشر على التفريط ليس بصحتهم فحسب، بل أيضاً بصحة الكوكب كاملاً، بدأوا يشعرون اليوم بالسخونة. وعليه، تفاقمت في الآونة الأخيرة مخاوف الأفراد بشأن صحتهم، وبنيت حولها ثقافة كاملة، هي "ثقافة العافية"، أو ما يعرف بـ Wellness Culture.

ليس من المستغرب أن يتحوّل الاهتمام بالصحة الى هاجس جماعي على النحو الذي نراه اليوم، فبعد قرون من مواظبة البشر على التفريط ليس بصحتهم فحسب، بل أيضاً بصحة الكوكب كاملاً، بدأوا اليوم يشعرون بالسخونة

يتجاوز المقصود بالعافية التمتع بصحة جسدية جيدة والخلوّ من الأمراض، ليشمل الصحة النفسية أيضاً والشعور بالرضا والتكامل الذاتي، وبتعريف آخر، ثقافة العافية هي سعي دائم خلف الصحة والسعادة، لكن دون بلوغ الهدف، فنظراً لهول الكارثة التي تتربص بالبشرية جمعاء، من البديهي أن تصاغ لها حلول جذرية ذات طابع كوني، لكن السوق قرّر خلاف ذلك.

بين بيع وهم السعادة والنجاح، وبيع المنتجات والمستحضرات والخدمات العيادية، يستثمر قطاع العافية ببؤس الأفراد وعجزهم، ويراكم على ظهرهم ثروات مقدرة بتريليونات الدولارات (فاقت 4.4 تريليون دولار في العام 2020 بحسب المعهد العالمي للعافية). زيادةً على ذلك، تنتهج معظم الشركات العاملة في هذا المجال نموذج المخططات والخدع الهرمية للايقاع بالأفراد من أجل العمل لصالحها، دون أن يتمكنوا يوماً من جني أي ربح. وعليه، يمكن إضافة الثراء، الى جانب الصحة والنجاح، من ضمن الأوهام التي يتاجر بها قطاع العافية ورواده.

ديستوبيا الجسد والعالم

يقع الأفراد في سعيهم للاحتماء من سموم الحياة العصرية وما يصحبها من قلق ضحية إغراءات ثقافة العافية ووعودها الكاذبة، وبحسب تعليماتها، فإن السبيل الوحيد لبلوغ حالة من التعافي والرضا هو عبر استراتيجيات ضبط الذات، إدارتها، تطويرها والتركيز على "الأنا" وعلاقتها مع العالم المسموم، وكأنه يمكن الهروب بـ"الأنا" من المستنقع الذي نحن فيه، أما كل ما عدا ذلك من مقومات الصحة والرفاه، بشروطها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، فيقع خارج نطاق مذهب العافية، الذي يختصّ حصراً بالفرد ويتناسى كل ما يحيط به.

إن كنت تعاني من الكآبة والاستلاب مثلاً، فثمة خطب فيك وليس في العالم الذي يقيس قيمة الأفراد بالأرقام. وإن كنت تعاني من أمراض وآفات، فالسبب هو أكلك للحم بدل الخضار، ولا ذنب في ذلك للنظام الصحّي أو سياسات الدولة المتقاعسة عن حماية صحة الفرد من الملوثات. وإن كنت تشعر بعدم الجدوى أو الكفاية الشخصية، فالمشكلة هي في تفكيرك السلبي، وليس بسبب استغلالك في وظيفة مرهقة ومحبطة لا تعود عليك بالتقدير أو حتى براتب كافٍ.

بين بيع وهم السعادة والنجاح، وبيع المنتجات والمستحضرات والخدمات العيادية، يستثمر قطاع "العافية" ببؤس الأفراد وعجزهم، ويراكم على ظهرهم ثروات مقدرة بتريليونات الدولارات، فاقت 4.4 تريليون دولار في العام 2020

تصف المؤلفة والناشطة السياسية باربرا ايرنرايخ في كتابها "أسباب طبيعية" ثقافة العافية بـ"الوباء"، المقاربة التي قد تبدو متطرفة في تشاؤمها، لكن ايرنرايخ ترى "أننا نقتل أنفسنا في سعينا لعيش حياة أطول وتجاهل حتمية الموت"، وتشرّح الكاتبة منظومة الأخلاق الطبية المتمحورة حول بلوغ "الذات الأفضل"- رغم عدم وجود هذه الذات- مبينة التفاوتات الطبقية والجندرية التي تكرّسها أدوات ضبط النفس.

"إن كنت شاباً بالغاً يشعر بعدم القدرة على تغيير العالم، أو حتى تخطيط حياتك المهنية"، تقول ايرينرايخ، "يمكنك على الأقلّ السيطرة على جسدك وما يدخله". لكن الجسد ليس آلة منظمة تتبع أوامر العقل وتعليماته بكلّ إخلاص، كما تشير الكاتبة التي صارعت السرطان وخرجت من تلك التجربة بخلاصة مفادها أن "على العلم أن يتبنّى نظرة ديستوبية تجاه الجسد، ليس بوصفه آلة حسنة التنظيم، بل موقع للصراع المستمر على المستوى الخلوي". الأمر نفسه يمكن قوله بالنسبة للعقل وتنظيمه الإدراكي والوجداني.

الرأسمالية هي الداء والدواء

تلقى مسؤولية بناء حياة صحية على عاتق الفرد وحده، ما يعفي الدول ومؤسساتها من التزاماتهم تجاه الأفراد والجماعات. أما نمط الحياة الذي تدعو إليه هذه الثقافة، والسعادة التي تروج لها، فتشوبهما النزعات الرأسمالية، التي رغم ادعائها التمحور حول الفرد ومصلحته الشخصية، فأكثر ما تهتم به في الحقيقة هو الحفاظ على الوضع الاجتماعي الراهن، بما يستدعي إذعان الفرد ولعبه لأدوار محدّدة مسبقاً.

هل نعتقد حقاً أنه يمكننا أن نعيش كأفراد معافين في ظلّ كوكب يوشك على الموت؟

ترتدي ثقافة العافية ثوباً روحانياً منسوجاً بتعاليم الرأسمالية وشعائرها المبنية حول تقديس مبدأ الإنتاجية، في تجاهل تام للاستهلاكية التي تختزنها. ويمكن هنا الاستعانة بمقاربة جيريمي كاريت وريتشارد كينغ، مؤلفي كتاب "بيع الروحانية"، الذي يضع تعريفاً لمذهب الروحانية الرأسمالية بوصفه "مهدئاً للصراعات الداخلية"، هذا المذهب يلبّي حاجة الرأسمالية لخلق ذات فردية مستقرّة ومتكيفة، وقوة عاملة ممتثلة لمتطلبات السوق وشراهته.

يتماشى هذا الطرح مع رؤية الأكاديمي رونالد بيرسر، وهو من أبرز نقاد مذهب الروحانية الرأسمالية، إذ يشير في كتابه McMindfullnes الى اقتصاد السعادة الفردية الذي بات ممتثلاً لأسس وقوانين النموذج النيوليبرالي الداعي إلى "مراكمة رأس المال البشري وتعظيم مكاسبنا في حقل الرفاهية والسعادة من خلال إدارة مواردنا الداخلية".

تنبثق هذه الظاهرة عن حركة "العهد الحديث" التي ظهرت في السبعينيات، إلا أن جذورها تمتدّ أبعد من ذلك بصورة ما، إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث انتشرت هذه الثقافة بين الأوروبيين، لكن تحت اسمٍ آخر هو "إصلاح الحياة". ففي ظلّ التطور الصناعي والحضري المطرد، شعر الكثير من الأوروبيين بالحاجة الى العودة لحياةٍ طبيعية وصحية، خصوصاً مع تراجع ثقتهم بالقطاع الطبي الذي يبغي الربح قبل كل شيء. لذا شرع الأوروبيون بتجريب علاجات وطرائق بديلة، كالأنظمة الغذائية النباتية أو النيئة والرياضات الخارجية والعريّ وارتياد المنتجعات الصحية، وقد ساهمت هذه الثقافة في التسويق للمعايير الجمالية المرتبطة بالجسد الصحي والسليم؛ فتمّ ربط صحة الرجل بعضلاته وصحة المرأة بنحفها. وهي معايير لا تزال سارية حتى يومنا هذا.

كانت هذه الممارسة حكراً على الطبقات الوسطى والبرجوازية، وبالرغم من تمرّدها على تبعات الثورة الصناعية وأسلوب الحياة الذي فرضته، إلا أن ثقافة "إصلاح الحياة" ما كانت لتوجد لولا الترف والثروة اللتين وفّرتهما الثورة الصناعية، كذلك الأمر بالنسبة للنسخة العصرية التي تركّز على إصلاح الذات التي أفسدها أسلوب الحياة المعاصر، أو بمعنى آخر الرأسمالية، باستخدام أدوات الرأسمالية نفسها.

أفراد معافين في كوكب ينازع

يمكن النظر إلى ثقافة العافية بوصفها فرعاً من فروع الطب البديل الذي يعجز عن إثبات فعاليته بالأدلة العلمية، لتبقى الوعود التي تقدّمها ثقافة العافية بوصفها رأسمالها الوحيد،  فحتى أولئك المنصاعون جداً إلى قيمها وتعاليمها، لم تتحقق أمامهم هذه الوعود المغرية والفاقدة للواقعية والصدق (التوازن الروحي، توفير المال، الشعور بالسعادة المعدي القادر على تغيير العالم... الخ)،فيا ترى هل نعتقد حقاً أنه يمكننا أن نعيش كأفراد معافين في ظلّ كوكب يوشك على الموت؟

واحدة من مفارقات هذه "الثقافة" أنها تفضي الى استمرار الشعور بعدم الكفاءة الشخصية التي أدّت الى نشأتها بالأساس، فالذات التي يصبو إليها أتباع مذهب العافية هي ذات مثالية خالية من الأمراض والشوائب والهفوات والخيبات والأفكار السلبية، أو باختصار كل ما يجعلها ذات واقعية، وحين تخفق مساعي هؤلاء في بلوغ النسخة المثالية للذات بقوة الإرادة والخلطات الطبيعية، تكون خيبتهم مضاعفة، وبدل التخلي عن حلم تحقيق الصحة المثالية، يتجه البعض إلى تكثيف جهوده عبر القفز من برنامجٍ الى آخر، ومن علاج بالطرطقة الى علاج بالزيوت الأساسية، ومن طريقة تأملية الى عشبة مهلوسة، في سعي محموم وهوسي لفكّ شيفرة السعادة والعيش المديد. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard