المستبدّون يقتلون ضحاياهم مرتين... لماذا قتل صدام حسين وزير الصحة؟

الجمعة 3 سبتمبر 202102:52 م

بعد سلسلة الحرائق التي طالت مستشفيات حكومية في العراق وأسقطت العديد من الضحايا الأبرياء في ردهاتها بسبب الإهمال والفساد الحكوميين، استذكر بعض العراقيين على صفحات التواصل الاجتماعي حزم صدام حسين في إدارة أمور الدولة. وانتشر مرة أخرى الحديث عن واقعة إعدام صدام لوزير الصحة العراقي السابق الدكتور رياض إبراهيم، في ثمانينيات القرن الماضي، على خلفية إهمال أدى إلى وفاة جرحى عراقيين.

ولكن هل كانت هذه الرواية الرسمية التي يبدو أنها لا تزال تقنع البعض بعد كل هذه السنوات حقيقية؟ وهل لا يزال للمستبدين سلطة على الأذهان والعقول حتى بعد وفاتهم تفوق سلطة ضحاياهم وإنْ كانوا أبرياء؟

المشاهد التالية ترسم صورة مستقاة من ألسنة شهود عيان كانوا قريبين من الأحداث، علّها تساعدنا في فهم كيف يُكتب التاريخ، أو لنقل ما يريد المستبدون أن يكون تاريخاً.

المشهد الأول

في مساء إحدى ليالي تشرين الثاني/ أكتوبر 1982، صحوتُ من نومي على صوت بكاء والدتي. خرجتُ مسرعاً إلى الصالة لأرى أمي وقد وضعت وجهها بين يديها وهي تجهش بالبكاء، ووالدي صامت يحدّق مذهولاً في اللاشيء. سألتهما: ما الخبر؟ ردّ عليّ والدي بصوت خفيض: اتّصَلوا من بغداد وقالوا إن عمك رياض ذهب لزيارة والديه. رددتُ عليه بسرعة الحائر المرتبك: يعني؟ نظر إليّ والدي وقال: ابني، والدا رياض توفيا منذ زمن طويل.

كانت علاقة أسرتي بوزير الصحة العراقي الأسبق الدكتور رياض إبراهيم تتعدى علاقة النسب العائلي من طرف والدتي. فقد كان صديقاً مقرّباً لوالديّ، وزائراً دائماً لمنزلنا في الكويت، كلّما حط فيها في زيارة رسمية أو خاصة، وكذلك كان الحال عندما كنّا نزور بغداد.

هذا الطبيب المتخصص في علم الأنسجة والأجنّة والحاصل على الدكتوراه من بريطانيا، والمفتون بأحلام القومية والوحدة والعروبة التي كان يرفعها حزب البعث استوزِر في عهد الرئيس أحمد حسن البكر وأثبت كفاءة مهنية في رفع مستوى القطاع الصحي في العراق آنذاك. ولا يزال العديد من الأطباء الذين عملوا معه يذكرون على صفحات التواصل الاجتماعي جهوده المتميزه وأخلاقه العالية في التعامل مع الموظفين أيّاً كانت درجاتهم الوظيفية.

أُعدم الدكتور رياض بعد خروجه من الوزارة بحجة سماحه باستعمال كلوريد البوتاسيوم الذي يقتل جرحى الحرب العراقيين. ومن المفارقات الغريبة أن الدكتور رياض، المتهم بالقتل العمد، كان قد حصل على جائزة شوشة عام 1979، والتي تمنحها منظمة الصحة العالمية، "للاعتراف بجهود العلماء أو الباحثين المعروفين أو الأشخاص المتفانين الذين ساهموا مساهمة ملموسة في النهوض بالصحة العامة".

د. رياض يتسلم جائزة شوشة الدولية عام 1979 من منظمة الصحة العالمية (الصور من أرشيف العائلة).

المشهد الثاني

صدام حسين ببزته العسكرية يترأس اجتماعاً لمجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة في أواخر عام 1982. يبدأ صدام بالحديث عن ضرورة المحاسبة والعقاب على الأخطاء مهما علت مكانة المخطئ الحزبية والقيادية.



ويتحدث صدام عن الوزير الذي أحيلت إليه مذكرة تقول إن هناك دواء يقتل جرحى الحرب وكان رد فعله ملاحظة على هامش الرسالة تقول "اطّلعت". تتغير ملامح الرئيس شيئاً فشيئاً وتلتهب نبرة صوته بحدة متصاعدة وهو يتهم هذا "الوزير في الدولة العراقية" بأنه قام بما تقوم به إيران على الجبهة من قتل للجنود العراقيين، وبأنه (أي صدام) لا يقبل شفاعة في حالات كهذه.

هل كانت الرواية الرسمية عن إعدام صدام حسين لوزير الصحة العراقي السابق الدكتور رياض إبراهيم، والتي يبدو أنها لا تزال تقنع البعض بعد كل هذه السنوات، حقيقية؟ وهل لا يزال للمستبدين سلطة على الأذهان والعقول حتى بعد وفاتهم تفوق سلطة ضحاياهم وإنْ كانوا أبرياء؟

تلمع عينا صدام ببريق غضب وهو يتهم هذا الوزير بأن له ارتباطات معروفة، وبأنه طابور خامس ولهذا أُعدم. لم يذكر الرئيس حينها شيئاً عن محكمة لأنه لم تكن هناك محاكمة. فقد قَتَل صدام الوزير بدون أية إجراءات قانونية، ولم يكلّف نفسه حتى عناء إنشاء محكمة صورية كالتي حكمت على القياديين العراقيين بالإعدام في مذبحة قاعة الخلد، قبل ذلك بثلاثة أعوام، بتهم ثبت مع الزمن أنها لُفّقت وبشكل شديد الركاكة والهزال.

شهادة العائلة

تقول السيدة عفراء سلطان أمين، شقيقة زوجة الدكتور رياض، لرصيف22 "إن العائلة لا تزال حتى الآن لا تعرف السبب الحقيقي لإعدام رياض. لقد ذهب وأخذ سرّه معه".

وتضيف أن الدكتور رياض لم يكن مرتاحاً من طريقة إدارة الأمور في فترته الأخيرة في الوزارة، فقد أثار حنق صدام يوماً حين تساءل في جلسة لمجلس الوزراء عن السبب وراء حصول وزارة الإعلام على ميزانية أعلى من ميزانية وزارة الصحة.

وتقول السيدة عفراء إن صدام ردّ عليه بغضب بأنه ليس من حقك أن تشكك في هذه القرارات. كان عدم الرضا هذا ينعكس على نفسية الدكتور رياض الذي كان يصطحب والد زوجته سلطان أمين في جولات للمشي خارج البيت خوفاً من رقابة الحكومة، ليبوح باستيائه من أسلوب إدارة الدولة.

وتروي أن والدها لم يكن يتكلم عن فحوى هذه المصارحة ولكنه قال لها يوماً إن رياض قال له "نحن خراف ولسنا وزراء". وبحكم طبيعة النظام الشمولية الصارمة، لم يكن هناك ما يسمى باستقالة للوزير لأنها قد تشي بعدم رضا عن قيادة الأمور في البلاد، وهو من الخطايا المهلكة. لذلك انتظر الدكتور رياض بصبر حتى أُعفي بإحالته إلى التقاعد في آب/ أغسطس 1982.

حينها، بدأ بالتجهيز لافتتاح عيادته، لتتم مداهمة منزله في الرابعة من فجر الـ25 من آب/ أغسطس 1982 ويُعتقل. تقول السيدة عفراء إن رياض أرسل رسالة إلى أسرته عن طريق بعض المسؤولين النافذين قائلاً لها: "لا تتوسطي عند أحد، فأنا بريء وسأخرج خلال أيام".

بعد هذه الرسالة بفترة قصيرة، أُعدم الدكتور بخمس طلقات نارية، وسُلّمت الجثة إلى أسرته مع شرط أن يُدفَن مباشرة.

صودرت أموال أسرة الدكتور رياض المنقولة وغير المنقولة، وعانت أسرته من ضغوط مادية ونفسية هائلة بعد إعدام الأب فجأة وتلويث سمعته علناً. اضطرت زوجته بعد سنوات من تحمل تلك المعاناة إلى أن تطلب لقاء مع صدام حسين لتطلب منه المعونة في تأمين حياة أفضل لابنتها وابنها.

حين يكون الحاضر سيّئاً ومحبِطاً، فهذا لا يعني بالضرورة أن الماضي كان مجيداً ومشرقاً. ولكن الذاكرة الجمعية، وفي سعيها إلى حماية نفسها المرتعشة من مواجهة الحقيقة، تجعل الهالة المحيطة بالزعيم أشد ضياء كلما ازدادت حلكة ظلام الحاضر

تقول السيدة عفراء إن صدام استقبل شقيقتها "بدموع التماسيح" وطلب منها أن يلتقي بابنتها وابنها في لقاء لاحق، ومنحها سيارة لاستعمال الأسرة وأعاد لهم بعضاً من حقوقهم.

شهادة عبد السلام أحمد حسن البكر

يقول السيد عبد السلام البكر، ابن الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر (تموز/ يوليو 1968- تموز/ يوليو 1979) إنه تعرّف على الدكتور رياض من خلال علاقته بوالده، كونه كان رئيساً للجنة الطبية العليا التي كانت تشرف على علاج الرئيس بحكم منصبه كوزير للصحة.

ويضيف السيد عبد السلام لرصيف22 أن علاقة الدكتور رياض الوثيقة بوالده استمرت حتى بعد استقالته من منصب الرئاسة عام 1979 وتسليمه إلى صدام حسين. ويشير إلى أن التفسير السياسي هو المرجّح في هذه القضية بسبب قرب الدكتور رياض من البكر حتى بعد خروجه من الرئاسة واستيائه من بعض القرارات.

يتذكر على سبيل المثال أن الدكتور رياض، في إحدى زياراته للبكر بعد استقالته، تحدّث بنبرة نقد عن سياسات الدولة وقال للبكر: "هل تتذكر يا سيدي كم من الأطباء أقنعناهم بالعودة إلى العراق؟ كلهم الآن غادروا البلد".

ويقول السيد عبد السلام: "كان جريئاً بالنقد وقد تكون (انتقاداته) وصلت إلى أسماع مَن هم فوق". وكان لا بد من إيجاد مبرر لما حدث فهم لا يستطيعون فقط أن يقولوا إنه تكلم أو عصى التوجيهات فاختلقوا الأسباب.

ويختم شهادته بالقول إن الدكتور رياض "لا يمكن له أن يقوم بعمل كهذا، فما هي مصلحته؟ كما أن هذا الدواء ليس مخصصاً لجرحى الحرب فقط بل أيضاً لمَن يُجرح بسكين أو بحادث سيارة".

كما استبعد السيد عبد السلام بشدة الرواية المتداولة عن أن الدكتور رياض اقترح على صدام التنحي عن الحكم لصالح عودة البكر للرئاسة لإنهاء الحرب مع إيران.

ولكن، هل يكذب الزعماء؟

حين يكون الحاضر سيّئاً ومحبِطاً، فهذا لا يعني بالضرورة أن الماضي كان مجيداً ومشرقاً. ولكن الذاكرة الجمعية، وفي سعيها إلى حماية نفسها المرتعشة من مواجهة الحقيقة، تجعل الهالة المحيطة بالزعيم أشد ضياء كلما ازدادت حلكة ظلام الحاضر. فبغير هذا سيضطر الناس إلى الاعتراف بأن الحاضر السيئ هو حلقة في سلسلة هزائم متصلة بعد أن فشلنا في بناء أنظمة تؤسس لمستقبل يحترم الإنسان ويرسي الديمقراطية والعدالة.

هكذا نرى الرأي العام يتعامل مع الزعماء السابقين بشيء من الإجلال والتصديق، فالزعيم لا يكذب بعرفه، وحتى إنْ كذب فإنه لا يفعل هذا علانية. ولكن التاريخ يقول لنا إن المستبدين لا يكذبون فقط، بل يوثقون كذبهم الذي يُستعمل كوسيلة للتخلص من كل مَن يشكون في ولائه لهم، ليخنقوا صوت ضحاياهم حتى بعد مواراتهم الثرى ويعيدوا كتابة التاريخ.

فالفيديو الذي يتحدث فيه "الشهيد صدام حسين" عن إعدام الدكتور رياض حظي حتى تاريخ كتابة هذا المقال بأكثر من مليون وثلاثمئة ألف مشاهدة، فيما تتبعثر الروايات التي تؤكد براءة الرجل من هذه التهمة على صفحات الإنترنت.

وتتكرر هذه الظاهرة في فيديو آخر لصدام حصد أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة يتحدث فيه عن المؤامرة المزيفة عام 1979 والتي تخلص فيها بوحشية من كبار القياديين الذين كان يشك في تأييدهم لتوليه الرئاسة.



يبقى صوت الزعيم هو المسموع تاريخياً ويخفت صوت الحقيقة. فعند البعض، حتى وإنْ كذب الزعماء ولفّقوا، فإنهم صادقون. فلو صدّقنا الحقائق وكشفنا تزييف الزعيم للتاريخ لاحترقت كل أوهام المجد والبطولة الزائفة التي يعتاش عليها البعض بين ركام الحاضر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard