لماذا نخجل من دورتنا الشهرية في رمضان، ونتعامل معها كأنها أحد أسرار الأمن القومي؟

الثلاثاء 26 أبريل 202201:24 م

أحياناً نكون، نحن النساء، في المجتمعات العربية أكثر ذكورية من الذكور. نصنع لأنفسنا قضباناً من وهم لنُسجن خلفها، ونقيد ذواتنا بقيود إضافية وكأن قيود مجتمعاتنا الذكورية لا تكفي. والأسوأ أننا نورث بناتنا ثم حفيداتنا تلك القيود. وتستمر السلسلة.

رغم أن ابني (سبعة أعوام) لم يَصم من قبل، نعتني: "يا فاطرة... يا فاطرة". كان بإمكاني تجاهل مزاحه الطفولي، ولكنّي رأيت أنه كبير كفاية ليدرك معنى الرُّخَص الشرعية لإفطار رمضان، وبخاصة أنه مدرك للفرق بين الصائم والمفطر ومواعيد الإمساك والإفطار. أردت أنْ يتفتح عقله لأمور أعمق فيما بعد.

أخبرت طفلي، ببساطة، أن الله تعالى سمح للمريض والحامل والمرضعة والمسافر بالإفطار في رمضان. وشرحت له أنّ هناك جنيناً صغيراً في بطني وأنّي مريضة بسبب الحمل، وأحتاج لتناول أدويتي. وسريعاً، فهم ولدي الأمر ولم يعد يستغرب إفطاري.

أحياناً نكون، نحن النساء، في المجتمعات العربية أكثر ذكورية من الذكور. نصنع لأنفسنا قضباناً من وهم لنُسجن خلفها، ونقيد ذواتنا بقيود إضافية وكأن قيود مجتمعاتنا الذكورية لا تكفي

العادة الشهرية: أحد أسرار الأمن القومي

تلك الواقعة ذكرتني بسنوات مراهقتي، حين كان والدي مقيماً بمنزلنا قبل سفره لإحدى دول الخليج العربي. تذكرت كيف كنت أنا وشقيقاتي نخجل حين تأتينا دورتنا الشهرية ونتعامل مع الأمر كأنه أحد أسرار الأمن القومي. مثلنا مثل غالبية الفتيات في مصر، كل واحدة تتظاهر بأنها الأنثى الوحيدة التي تحيض على وجه الأرض، وأن عليها أن تواري عورتها وتخفي إثمها بعيداً عن أعين ذكور العائلة.

خلال شهر رمضان، تزداد معاناة إخفاء سر إفطارنا أثناء أيام الحيض، فبجانب تعاملنا مع الفوط الصحية على أنها أداة جريمة، نضطر للكذب حين يسألنا آباؤنا عما إذا كنا قد صلينا.

خلال شهر رمضان، تزداد معاناة إخفاء سر إفطارنا أثناء أيام الحيض، فبجانب تعاملنا مع الفوط الصحية على أنها أداة جريمة، نضطر للكذب حين يسألنا آباؤنا عما إذا كنا قد صلينا. نتظاهر بالصوم ونتسلل إلى المطبخ حيث تخفينا أمنا لتناول سندويشة أو وجبة خفيفة خلال النهار. وقد نستيقظ لتناول طعام السحور قبل الفجر رغم كوننا نعرف أننا لن نصوم في اليوم التالي، أو نتظاهر بالمرض والرغبة في النوم، ناهيك باضطرارنا للتوقف عن قراءة القرآن الكريم في رمضان لقرابة أسبوع. فغالبية المشايخ قالوا إن الحائض والنفساء لا تمسان المصحف حتى تتطهرا. وبالتالي، تتراكم الأجزاء ونعجز دوماً عن ختم القرآن.

بعد زواجي، لم أعد مضطرة للتظاهر، لكن نساءً كثيرات ما زلن مضطرات لذلك حتى أمام أبنائهن بدافع الخجل.

الكذب على الأبناء لإخفاء سر الحيض

كنت منضمة إلى مجموعة عبر تطبيق واتساب، تديرها طبيبة نفسية متخصصة في الطب النفسي للأطفال، بغرض الحصول على نصائح واستشارات تخص تربية أطفالي، لكن موقفاً حدث جعلني أغادر المجموعة.

سألتْ إحدى العضوات الطبيبة عن كيفية الإجابة على سؤال طفلها ذي التسعة الأعوام لها، وهو هل أدت صلاتها. وكان ذلك السؤال خلال أيام دورتها الشهرية. فوجئتُ برد الطبيبة التي تبدو عليها مظاهر الالتزام الديني الخارجي، وهي تطالبها بالكذب على ابنها، والدخول إلى غرفتها وإغلاق الباب بعض الوقت، وحين يسألها، تقول إنها صلت. تساءلتُ: لماذا لا تخبر ابنها أن يهتم بشؤونه وبترك شؤون الآخرين أو تخبره ببساطة أن هناك أياماً من الشهر لا تصلي فيها المرأة ولا تصوم؟

قبل أسبوع، قرأت منشوراً لسيدة في أحد أشهر مجموعات الدعم النفسي على فيسبوك، تحكي خلاله عن مشكلتها، وكيف أنها سيدة أربعينية مطلقة تعيش هي وولدها البالغ ثلاثة عشر عاماً مع والديها في شقة صغيرة، وأنها مريضة بداء السكري وارتفاع الضغط في الدم. وقالت إنّها تعاني كثيراً لاضطرارها إلى التظاهر بالصوم خلال أيام دورتها الشهرية لأنها تخجل من تناول الطعام أمام أبيها وابنها المراهق، ولا تجد خصوصية للاختلاء بنفسها لتأكل، بجانب اضطرارها للاستيقاظ لإعداد طعام السحور وتناوله مع الأسرة، إضافةً إلى إعداد طعام الفطور. وهي تعاني صحياً بسبب صومها الإجباري في وقت لا يجوز الصوم، ويتمزق خلاله رحمها ألماً.

شراء الفوط الصحية عار

قبل عدة سنوات، كانت معظم الصيدليات تبيع عبوات الفوط الصحية النسائية داخل أكياس سوداء أو مغلفة بأوراق الجرائد. كانت طريقة تعامل الصيدلاني مع هذه الفوط تشعرنا بأننا نشتري الممنوعات. لذا، كنت أخجل من شرائها من الصيدلية إذا لم يكن بداخلها صيدلانية، وليس صيدلانياً.

وفي الوقت الذي يسود فيه اعتقاد ذكوري عنصري بين الناس في مجتمعنا بأن أطباء النساء والولادة الذكور أكثر كفاءة من الإناث، تستمر غالبية النساء في الخجل من أمورهن الفسيولوجية الطبيعية، وعلى رأسها الحيض والنفاس، وكأنّنا نحن نساء، نحب جَلد الذات

أتساءل عن سبب تناقض مجتمعنا العربي في التعامل مع مسألة حيض النساء. ففي الوقت الذي تذاع فيه إعلانات الفوط الصحية النسائية على قنوات التلفزيون في العالم العربي، وتتكدس على رفوف العرض في رفوف السوبر ماركت، لا تزال الغالبية العظمى من الناس تتعامل معها كأنها عورة.

وفي الوقت الذي يسود فيه اعتقاد ذكوري عنصري بين الناس في مجتمعنا بأن أطباء النساء والولادة الذكور أكثر كفاءة من الإناث، تستمر غالبية النساء في الخجل من أمورهن الفسيولوجية الطبيعية، وعلى رأسها الحيض والنفاس، وكأنّنا نحن نساء، نحب جَلد الذات.

التظاهر بالصوم مشقة وتعذيب للمرأة

غالباً ما تقع في كل رمضان غالبية النساء المسلمات في الدول العربية، ولا سيما الفتيات غير المتزوجات، بتلك المعاناة التي تزداد بازدياد عدد الذكور في البيت، فتخجل المرأة من شرب رشفة ماء أو تناول بضع لقيمات. وإن فعلت، فيسيطر عليها الشعور بأنها تسرق أو تفعل إثماً أو ذنباً، رغم أنّ الشرع حلّل لها ذلك. وتستمر الأنثى في التظاهر بالصوم والاستيقاظ بإكراه للسحور مهما كانت مرهقة، وحتى لو لم تكن ترغب في تناول الطعام. بل يصل الأمر إلى حد جعلها تتوضأ، وتلبس ملابس الصلاة، لتبدو كأنها تصلي رغم كونها حائضاً.

إنّ التظاهر بالقيام بمناسك العبادة هو أمر مستهجن لم يرد في الشرع، وإمساك الحائض عن تناول الطعام والشراب مشقة كبيرة بمثابة التعذيب الذي لا يتفق مع روح الإسلام.

إنّ التظاهر بالقيام بمناسك العبادة هو أمر مستهجن لم يرد في الشرع، وإمساك الحائض عن تناول الطعام والشراب مشقة كبيرة بمثابة التعذيب الذي لا يتفق مع روح الإسلام

والغريب أنّ النساء اللواتي يجاملن الذكور في أيام عادتهن الشهرية في رمضان، لا يجدن مراعاة منهم عندما يقضين الأيام التي أفطرن فيها بعد شهر رمضان. وغالباً ما يأكلون ويشربون أمامهن، وربما تضطر النساء الصائمات لإعداد الطعام للذكور غير الصائمين

أغرب فتوى مغلوطة عن إفطار الحائض

خلال عام 2019، أثار الدكتور أحمد عمارة، استشاري صحة نفسية بالطاقة الحيوية، جدلاً واسعاً بسبب فتوى غريبة، إذ زعم أنه لم يرد في صيام الحائض نهي قرآني أو نبوي، وأنّ النساء المسلمات يخطئن بإفطار رمضان خلال أيام الحيض. وأعلن أنه لا يجوز للمرأة أن تفطر في رمضان خلال أيام الدورة الشهرية إلا إذا داهمها المرض في هذه الأيام. عندئذ، يمكن أن تأخذ بـ "رخصة المرض" فتفطر في هذه الأيام على أن تقضيها لاحقاً.

وتخالف تلك الفتوى الغريبة، التي أطلقها الخبير النفسي عبر يوتيوب، كل المتعارف عليه في الدين، إذ أقرّت دار الإفتاء المصرية حينذاك أنه من أحكام الحائض المجمع عليها سلفاً وخلفاً، أنها لا تصوم إذا نزل عليها دم الحيض، بل يجب أن تفطر ثم تقضي ما عليها من أيام بعد رمضان. وهذا التشريع النبوي فيه رحمة بالمرأة، وأكّدت دار الإفتاء وجوب إفطار المرأة في فترة حيضها إضافةً إلى امتناعها عن الصلاة.

لا أعتقد أن اللوم يقع على الذكور فقط في مسألة خجل المرأة من دورتها الشهرية، بل أيضاً يقع عاتقنا نحن النساء بسبب خجلنا من تكويننا الطبيعي، وإحساسنا الزائف بالدونية أمام الذكر الشرقي

وبالرغم من كونه طبيباً نفسياً، فإن حديث عمارة يتناقض مع رأي الطب، إذ يؤكد الأطباء على حاجة المرأة لشرب الكثير من الماء في فترة حيضها لتحافظ على توازن هرموناتها ولتقلل من احتمالات حدوث التهابات في منطقة الحوض. حتى أنه يُنصح بشرب ما لا يقل عن ثلاثة لترات من الماء يومياً خلال أيام الدورة الشهرية.

بعيداً عن واقعة فيديو الدكتور عمارة، لا أعتقد أن اللوم يقع على الذكور فقط في مسألة خجل المرأة من دورتها الشهرية، بل أيضاً يقع على عاتقنا نحن النساء بسبب خجلنا من تكويننا الطبيعي، وإحساسنا الزائف بالدونية أمام الذكر الشرقي. إضافةً إلى عقد الذنب التي أورثتها لنا التربية الخاطئة، والتي نتوارثها جيلاً بعد جيل، بجانب التدين الظاهري لغالبية مجتمعاتنا العربية رغم تفشي الجهل بالدين والعلم. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard