رمضان في اليمن... روحٌ منه حاضرة وإنْ غاب الكثير من طقوسه وعاداته

الأحد 24 أبريل 202210:40 ص

قبل أن يحين وقت الإفطار بقليل، يجلس أحمد بجانب والده وباقي أفراد عائلته متسمرين أمام شاشة التلفاز ليشاهدوا ويستمعوا إلى تلاوة القرآن بصوت أشهر القراء اليمنيين، محمد القريطي، الذي ارتبط صوته عند اليمنيين بشهر رمضان وبقرب موعد الإفطار.

أمامهم سفرة الطعام التي تحوي أطعمة يمنية من "اللحوح" (خبز رقيق من جريش الذرة) و"الشفوت"  (طبقات من اللحوح مغطى باللبن المخلوط بالنعناع والبهارات) و"السحاوق" (طماطم مفرومة مع فلفل أخضر وثوم) و"الحلبة الحامضة" (حلبة مع الليمون والسكر) مع "القشمي" (فجل) وعصير الزبيب والقديد (المشمش) وغيرها.

يعيش أحمد حالياً مع أسرته في ألمانيا، ويقول إنهم يحاولون قدر الإمكان استحضار الطقوس والعادات الرمضانية اليمنية علّهم يشعرون بأجواء رمضان ويستذكرون لحظاته الجميلة التي عاشوها من قبل في بلدهم والتي افتقدوها بشدة.

يقول أحمد لرصيف22 إن الدموع تسيل من عيون والدته ووالده كلما سمعوا تلاوة الشيخ القريطي، من شدة شوقهم لقضاء رمضان في اليمن، والذي صار كحلم يتمنون تحقيقه ولو مرة واحدة قبل أن يغادروا هذه الحياة.

لرمضان ذكرى خاصة عند كل اليمنيين ترتبط في أذهانهم بطقوس وعادات ظلّ بعضها موجوداً إلى الآن واختفى الكثير منها.

ذكرى رمضان في صنعاء

بعد غروب آخر أيام شهر شعبان، تكون العيون في كل أرجاء اليمن متجهة نحو الأفق، لترى ذلك الوليد الذي بالرغم من صغره إلا أنه قادر على قلب حياة الناس رأساً على عقب منذ لحظة مشاهدته، ويُستقبل بالمدفعية في صنعاء ومدن يمنية أخرى ترحيباً بقدومه، ويجوب الأطفال الشوارع وهم يهتفون:
أهلاً أهلاً يا رمضان
يا شهر التوبة والغفران
مرحبا شهر السعادة
مرحبا شهر العبادة
والشياطين الملاعين
صفدوا يا خير عادة

يذكر الحاج أحمد الحيمي (80 عاماً)، وهو أحد ساكني صنعاء القديمة، أن مدفع رمضان كان يُطلَق من على جبل نقم المطل على صنعاء من الجهة الشرقية ومن قلعته التي كان لا يصل إليها أحد غير حُراسها أو القاضي عبد الله العمري، كبير وزراء الأمام يحيى حميد الدين (في عهد الدولة المتوكلية). كان المدفع يُحشى بالبارود وخرق بالية من القماش ويُطلِق عند التيقّن من رؤية هلال رمضان ثلاث طلقات.

ويستمر المدفع طيلة رمضان، يطلق ثلاث طلقات عند السحور وثلاث أخرى عند الإمساك، وطلقة عند دخول وقت كل فريضة من الفرائض الخمس.

ويروي الحاج الحيمي لرصيف22 أن أكثر الأوقات إصغاء للطلقات هي وقت الإفطار، وكان الناس يتلقوها بفرح وبهجة.

وكانت صنعاء لا تخلو من الظرفاء وأصحاب الفكاهة الذين كان يزعجهم الصوم، ربما لظروفهم الصحية أو لعدم قدرتهم على التحمل، فينزعجون من مدفع رمضان عند الإمساك ويتبرّمون من الصوم وعاداته.

ومما يتناقله كثيرون من كبار السن الذين عايشوا تلك المرحلة مثلاً أنه كان هناك شخص يدعى الأنسي، كان نزقاً وكان يقول: لو كان رمضان مريحاً لما أقيم عيدٌ عقب مضيه. وقال له أحدهم إن رمضان كريم فرد عليه: خذه إلى بيتك وأرحني منه. وكان الناس يتناقلون فكاهة وسخرية الأنسي وغيره برحابة صدر، مقدّرين تبرمهم وضجرهم ومعاناتهم من الصيام.

وقت الإفطار

كان أغلب الناس يتناولون وجبة إفطار رمضان خارج البيوت وغالباً في المساجد. يروي الحاج حمود الأسطى لرصيف22: "قبل دخول المغرب، ترى الناس مزدحمين في المساجد متحلقين فيها متمتمون بذكر الله وقراءة القرآن، ووجوههم نحو القبلة. وكل واحد أعدّ ما يجرح به الصيام من فطور، فهذا أعدّ تمراً وذاك أعد فتة تمر، وهي الأكثر استحساناً، والبعض أحضر زبيباً ولوزاً. وآخرون أحضروا ‘الحلبة الحامضة’ مع الفجل و‘السحاوق’، وبعض الخبز الذي كان يُصنع في البيوت.

"مما يتناقله كثيرون من كبار السن أنه كان هناك شخص يدعى الأنسي، كان نزقاً وكان يقول: لو كان رمضان مريحاً لما أقيم عيدٌ عقب مضيه. وقال له أحدهم إن رمضان كريم فرد عليه: خذه إلى بيتك وأرحني منه"

"وقبل أن يفطر أي واحد منّا"، يتابع، "يلتفت إلى مَن حوله فيوزع عليهم ما عنده من فطور فيتبادلون زبيباً بزبيب وتمراً بتمر وقطعة رغيف بقطعة أخرى. والدعوات على كل لسان: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، تقبل الله صيامنا وصلاتنا واغفر لنا".

يُطلق المدفع طلقاته ويرتفع صوت المؤذن وصلاة المغرب، ثم تقام الصلاة. هذا في المغرب فقط ومَن يطيل بهم صلاة المغرب فلأهل صنعاء عليه اعتراض. وقصة "ما ربحناه في الفاتحة خسرناه في ولا الضالين" معروفة عند الكثيرين من أهل صنعاء، ومفادها أن واحداً غادر مسجد حارته إلى مسجد آخر لأن إمام الصلاة يقرأ الفاتحة تجويداً مطولاً، فلما ذهب إلى المسجد الآخر وجد أن الإمام يسرد الفاتحة سرداً، فأسرّه الأمر، ولكن عندما وصل الإمام إلى آخر سورة الفاتحة، أي "ولا الضالين" قرأها بالمد اللازم الكامل المطول، فعلّق المصلّي: "ما ربحناه في الفاتحة خسرناه في ولا الضالين"، وصارت مثلاً يُضرب عند إطالة الأمام للصلاة.

وفي قصة أخرى ذات دلالة على حب اليمنيين للتخفيف من صلاة المغرب، قال أحدهم: لماذا نزلت سورة الكوثر؟، وهي من سور القرآن القصيرة، فقيل له: لصلاة مغرب رمضان. وبعد صلاة المغرب ينفرط الجمع ويخرج الجميع من باب المسجد في ازدحام وعجلة كل يريد الوصول إلى بيته في أسرع وقت.

العشاء الرمضاني

العشاء الرمضاني في صنعاء له أهمية أكثر من غيره. القشمي والحلبة الحامضة أمران أساسيان وكذلك الشفوت والشربة، وهذه الأصناف يُبدأ بها عادة ثم يأتي دور أصناف أخرى، وتكون النهاية مع "الحلبة" و"السلته والفحسة" ( إدام طبيخ خضروات أو لحم مع الحلبة).

يقول المؤرخ والمحقق اليمني عبد الله الحبشي الذي قام بتحقيق الكثير من المخطوطات اليمنية القديمة، في مقال نُشر عام 1983، في مجلة الإكليل، التي كانت تصدر دورياً وتُعنى بتاريخ اليمن الفكري والحضاري، إن اليمنيين عرفوا منذ القدم أكلات خاصة بهم لم يشاركهم فيها أحد. وعلى رأس هذه الأطعمة "الحلبة" وهو أكل تفنن في طبخه أهل اليمن، وعُرف منذ وقت طويل، ويذكر الحبشي أن العلامة أحمد بن عبد الله بن إسماعيل وصف طريقة صنعه في القرن الحادي عشر الهجري، فقال في كتابه "نور الأبصار وشفاء خواطر الافكار": "الحلبة مشهورة في صنعاء وجوارها خصوصاً ‘كوكبان’ ومعتمدة صباحاً ومساء على الأطعمة واشتهرت وشاعت بأرضنا ولهم فيها اليد الطولى حتى ألفتها النفس، ويُختلف إحضارها اختلاف الصنعة فمنهم مَن يجعل على الحبوب الماء مرتين أو ثلاثاً حتى تزول عنها المرارة وتجفف وتطحن طحناً جيداً وتذر على الماء وتضرب حتى تظهر ‘اللعابية’ (الرغوة) منها فتسقى قليلاً بالماء وتوضع على الطعام بعد تقديمه ساخناً وكان البعض يضعها على السمن".

"غادر أحد أبناء صنعاء مسجد حارته إلى مسجد آخر لأن إمام الصلاة يقرأ الفاتحة تجويداً مطولاً، فوجد أن الإمام هناك يسرد الفاتحة سرداً، فأسرّه الأمر، ولكن عندما وصل الإمام إلى آخر سورة الفاتحة، قرأها بالمد المطول، فعلّق المصلّي: ما ربحناه في الفاتحة خسرناه في ولا الضالين"

هذه الحلبة هي سيدة الأطعمة عند أهل اليمن ولا زالت موجودة إلى الآن وقد تفنن الجيل الحالي في صنعها وأضاف إليها أشياء أخرى كالخضار والبيض واللحم وغيره. ويشير الحبشي إلى أن من شدة شهرتها أنه إذا أردت أن تعرف الرجل هل هو من اليمن أم لا فانظر إلى مائدته فإنْ وجدت فيها شيئاً من الحلبة فأعلم أنه من أهل اليمن. والحلبة وإنْ عُرفت في بلدان أخرى إلا أنها لا تُستعمل إلا في حلات نادرة وغالباً تُستخدم في الطبابة والمداواة لا غير.

ومن أشهر الأطعمة التي يتميز بها أهل اليمن أيضاً خبز "اللحوح"، وقد وصف صنعه أحمد بن عبد الله بن إسماعيل أيضاً فقال: "اللحوح طعام مصنوع بأرضنا من جريش الذرة وقد شاع وفشا بأرض اليمن وصنعته أن ينقع بالماء الحار ثم يرهك بالمراهك وهي معمولة دون الرحّا ثم يخمر جيداً وقد أثبتت له آلة مصنوعة من تراب الغضار والخزف مسطحة كآلة الكنافة المعروفة بالطوة من النحاس مركبة على شكل مخروط كالتنور، ثم يخرج وقد برز على وجهه ثقوب كبيرة غير نافذة وهي من غرائب الصنع ولا نعرف مخترعها وهي من أسهل الصنع في أرض اليمن، ويصعب على أهل الهند والعجم والروم لعدم معرفة قانون آلته المذكورة. ويُعمل بعد أن يبرد في صحون من الصيني أو غيرها ويُجعل عليه مخيض اللبن المنزوع الدُهنة المعدل بالأبازير كالكمون والنعنع".

ويشير الحبشي إلى انه لم يكن شائعاً تناول الفاكهة بعد تناول العشاء بل تناول قهوة القشر (قشور البن مع الهيل والقرفة) في فناجين مبخرة ببخور "المستكي السلطاني"، وتكون دلة الماء قد أُعدّت من عصر كل يوم مبخرة وبُردت في ما يسمى بـ"المشربية"، والمشربية نافذة ذات هندسة معيّنة خارجة من بناء البيت بارزة في أكثر طوابقه يتخللها الهواء وتكون عادة في الواجهة الشمالية من بيوت صنعاء الشهرية بارتفاعها وتميّز زخرفتها وهندستها.

الأطفال وليالي رمضان

يقول القاضي المتقاعد عبد الرحمن المعلّمي (65 عاماً) لرصيف22 إن الأطفال كانوا يفرحون بقدوم رمضان وما يكاد يحل حتى يخرجوا في الأماسي أفواجاً، بفوانيسهم الصغيرة يمرحون ويغنون. وكانت لهم أهازيج معيّنة يطوفون بها على أبواب البيوت ينشدونها ويسمونها "مسّاء". ومن هذه الأهازيج:
يا مَسْاء جيت أَمَسّي عندكم
يا مساء كثر الله خيركم
يا مساء جيت أمسي من خبان
يا مساء راجموني بالكُبان
يا مساء جيت أمسي من يريم
يا مساء بالغرارة والشريم
يا مساء جيت أمسَي عندكم
يا مساء زوجوني بنتكم
يا مساء جيت أمسَي من ذمار
يا مساء بالغرارة والحمار

يقول المؤرخ والمحقق اليمني عبد الله الحبشي إن من شدة شهرة الحلبة في اليمن أنه إذا أردت أن تعرف الرجل هل هو من اليمن أم لا فانظر إلى مائدته فإنْ وجدت فيها شيئاً من الحلبة فأعلم أنه من أهل اليمن

يجوب الأطفال الحارات والأزقة وأصواتهم مطربة ورقصاتهم مرحة وعلى صاحب البيت أن يدفع مقابل "المسّاية"، بقشة أو بقشتين (أقل من الريال وهي عملة نقدية في عهد الدولة المتوكلية)، ويا ويله إذا تجاهل الأمر ولم يدفع لهم، فقد ينتهون من أغانيهم وينتظرون الرد وهم يصرخون: "جواب وإلا صواب وإلا على الباب..."، وقد ينفّذون تهديدهم ويفعلون فعلتهم على الباب.

وكان لرمضان موسم ألعاب خاص به ينتظره الأطفال طوال العام. من هذه الألعاب لعبة "القاحِش" وهي لعبة لا تكون إلا في ليالي شهر رمضان. يصف زيد مُطاع (75عاماً) وهو من سكان الروضة القديمة، في ضواحي صنعاء، هذه اللعبة بقوله لرصيف22: "كنّا ونحن أطفال نقوم بصنع كرات أصغر حجماً من كرة القدم بقليل ويتم حشوها بـ‘الخرق’ (قطع الملابس البالية)، وتُغشى بالجلد. وينقسم اللاعبون إلى فريقين ومع كل واحد ‘حَمِيل’ (عصا من عود الأثل طولها أكثر من 75 سنتيمتراً، أسفلها معكوف أو كما يقال في صنعاء ‘خُمخُمِة من أسفله’، ويعيّنون هدفين، يسمى كل هدف ‘ولاج’، ثم يعمل كل فريق على  ضرب الكرات بهدف إيصالها إلى الولاج، وهي لا تختلف في شدتها وجلادتها عن كرة القدم حيث يصرف كل فريق جهوداً كبيرة للفوز وإحراز أكبر قدر ممكن من الأهداف".

وبما أن شهر رمضان يكثر فيه أكل التمر، كانت نواة التمر تُستخدم في عدة ألعاب منها لعبة "الزنب"، وفيها يقوم الأطفال بجمع نواة التمر ومن ثم في وقت اللعب يرصّونها فوق بعض ليعمروا بها أبراجاً تكون طويلة أو قصيرة بحسب مهارة الطفل، وكل واحد يبني عدة أبراج يُتفق عليها بالتساوي. ويمتلك كل لاعب نواة تمر كبيرة تسمى "منبل"، يضرب بها من مسافة بعيدة على أبراج النواة وما أصابه وسقط "يقمشه"، يعني يربحه، وهكذا إلى أن تنتهي الأبراج.

روح من رمضان

ظلت بعض المناطق والمدن اليمنية محافظة، إلى حد ما، على عدد من العادات والطقوس الرمضانية التي اشتهرت بها اليمن. مدينة صنعاء القديمة، ما أن تدخلها/ تدخلينها حتى تتغشاك روح من ذاك الزمن الجميل، تعود لك ذكريات رمضان الغابرة ويغمرك شعور بالمتعة والروحانية لا مثيل له. يُخيل لمَن يدخلها أنه أمام متحف مفتوح بكل ما فيه من حجر وبشر، فقد حافظت صنعاء القديمة على رونقها، وتمسك سُكانها بعادات وتقاليد أهاليها القدامى.

من ضمن طقوس وعادات رمضان التي لا تزال موجودة، تجد المشروبات والأطعمة التقليدية في الأسواق، وترى وتُعايش في جامعها الكبير روح رمضان من خلال جموع الناس المزدحمة في حلقات الذكر وتلاوة القرآن، وموائد الإفطار التي تعج بما لذ وطاب من مأكولات ومشروبات صنعانيه تقليدية.

وفي مدينة عدن أيضاً، تقوم مجموعة من الشباب بإعداد مائدة إفطار كبيرة على أحد شواطئها الجميلة، يحضره سنوياً المئات. وهذه السنة وصل العدد إلى أكثر من ألف شخص. ولا يقتصر الأمر على تناول وجبة الإفطار، بل يقومون بتنظيم مهرجانات وأمسيات رمضانية، يُحيون فيها ليالي رمضان، ويستذكرون من خلالها بعضاً من ذكريات الماضي، ويسترجعون روح رمضان التي افتقدوها في السنوات الأخيرة.

حالياً، ربما اختفت الكثير من عادات وطقوس رمضان في اليمن، بفعل الحرب والظروف الصعبة التي يعيشها اليمنيون، لكن روحاً من رمضان لا زالت حاضرة في قلوبهم، بالرغم من كل ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard