رمضان التونسي... اختلاس بعض السعادات الصغيرة

الجمعة 22 أبريل 202201:16 م

تنطلق قرقعة الملاعق والشوكات مباشرة بعد صوت الآذان، تزامناً مع الابتهالات التي تبثّها القناة الوطنية الأولى. غالباً ما تكون هذه الابتهالات بصوت لطفي بوشناق، كما جرت العادة منذ سنين طويلة. ففي هذا الصّوت شيء ما يحيل إلى التدين والورع، صوت طويل النّفَس طول يوم الصّيام، هذا بالإضافة إلى أن بوشناق ارتبط بالحضرة والصوفية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

قبيل آذان المغرب، تتجه الأنظار إلى المطبخ. تدبّ فيه الحركة كما لا تدب في الأيام العادية. يصبح هذا المكان مألوفاً، يدخله الرجل على غير العادة، حتى في العائلات التّقليدية. يتشارك أفراد العائلة في إعداد الطعام، توضيب الطاولة وغيرها من الأعمال التي ستدوم شهراً كاملاً قبل أن تودع طي النسيان بقية العام.

بعد الفراغ من الأكل، "تبتلّ العروق" كما يقال وتتفتّح العيون. هنا يعود الحسّ الاجتماعي سيرته الأولى، فيتبادل المفطرون عبارات تودّد رمضانية، لعلّ أشهرها "صحّة شريبتكم!"، في إشارة ربّما لشربة الماء أو صحن "الشّربة" – الحساء- الذي يعدّ من الأساسيات. ونرسل لبعضنا بطاقات جاهزة على مواقع التّواصل الاجتماعي، بطاقات بذوق سيء، تكتب عليها عبارات لم يتثبّت منها أحد، قد تحمل أخطاء لغوية وتركيبية.

"البريكة" وامتحان العريس

"البريكة" عروس الطّاولة الرمضانية التّونسية. ورقة رقيقة من العجين، يتمّ حشوها بأشياء تختلف من حارة إلى أخرى. يمثّل البيض قلب البريكة التّونسية. بيضة متصلّبة أو نصف نصف، بحسب ميول الفرد. لهذه الأخيرة قصّة: فالبريكة ذات البيضة السّائلة امتحان صعب كان يمرّ به الخطيب في منزل خطيبته، عندما تتم دعوته للإفطار. ويتمثّل هذا الامتحان في افتراس "البريكة" دون أن يلوّث الطّاولة وفمه. أن يتحوّل إلى ما يشبه الثّعبان الّذي يمتصّ البيضة اللّزجة الميالة للسيولة، أمام عيون رقيبة لعلّها تتمنّى للعريس المستقبلي الإخفاق، فيتحوّل إلى مادة للسخرية والتندّر. وهو امتحان يفرز "البلْدي" الأصيل المتمكّن من أساليب "أولاد البلاد"، من أولئك الدخلاء القادمين من المناطق البعيدة.

جاء رمضان 2022  موعوداً بتعاسات كثيرة في تونس، بدءاً من أسعار السوق إلى عدم توفّر عدة مواد أولية، مثل الطحين والخبز والبيض والزيوت وغيرها كثير. لكن التونسي لم يسند ظهره لحائط الحزن والعطالة، بل واجه الحياة بوجه مكشوف وراح بصنّارته يصطاد بعض السعادة

عادات غذائية لعلها تساقطت بسبب غلاء الأسعار

الدّقلة: التّمر

تجدر الإشارة هنا إلى أننا لا نقصد بكلامنا "دقلة النّور" أو "سيدة التّمور" التي لا تنبت في العالم إلاّ في تونس والجزائر وليبيا. لا يمكن لأحد أن يدّعي معرفة "أصابع الضوء" تلك. لعلّها إشاعة، يقال إن هذه التمور الرفيعة يتمّ تصديرها مباشرة إلى بلدان الخارج قبل أن يراها التونسي. ينبغي طرح السّؤال على أحد أصحاب الواحات في الجريد التّونسي، بقبلّي أو بتوزر، ليؤكّد لنا وجودها فعلياً.

وبالرّغم من أنّ كلمة "الدّقل" أو "دقلة" كانت تعني في الأصل في اللغة العربية أسوأ أنواع النخيل، وترتبط بالخرافة المتحدثة عن ولية توضأت فنبتت تلك النّخلة في المكان الذي انسكب فيه ماء وضوئها، لذلك تمّت إضافة كلمة "نور" للدّقلة فأصبحت "دقلة النّور". الكلمة التي يرى البعض بأنّها مشتقة من كلمة "دجلة"، النهر العراقي.

لكننا هنا نقصد تمراً شعبياً آخر، والذي، منذ الثورة التونسية سنة 2011، صار في عداد الأمنيات، أمنيات الصّائم الذي يريد الاقتداء بأكل الأوّلين لهذه الثمار الّتي قال فيها النّبي "لا يجوع أهل بيت عندهم التّمر"!

السّلطة المشوية لمن استطاع إليها سبيلاً

Une image contenant assiette, alimentation, petit déjeuner, repas  Description générée automatiquement

تراجعت مكانة السَّلَطة المشوية أيضاً بعد أن تحوّلت كلّ مكوّناتها إلى سلع عنيفة الأسعار. من حبّات الفلفل المشّطة إلى الطّماطم النّادرة إلى زيت الزّيتون والتّونة والبيض، كلّها تفاصيل ما عادت تعني تونسيين كثيرين. نتركها ونمضي للطّابور أمام المخبزة. "الخبزة مرّة" و"ألتقط خبزي"، "نجري على الخبزة"... عبارات كان التونسي يخالها تعابير مبالغ فيها في الأمس القريب، كأنها اليوم تتحوّل إلى برامج سياسية يتمّ تطبيقها بحذافيرها. لا يفعل معظم التّونسيين سوى اللّهاث خلف خبز مفقود، يباع خلسةً أو "بالمعارف".

في المدينة العتيقة، يمدّ التونسي يداً لشاي "الشّواشين" السّعيد، يستنشق روائح العطّارين المنعش، ينصت للموسيقى المنطلقة من "مقهى المرابط"، يميل رأسه المثقل ويشتري سعادةً حتّى وإن عرضت في السوق السوداء

"الجواجم" واختلاس السّعادة

C:\Users\Slah\Desktop\157232428_182437907019167_2455916624155281574_n.jpg

صورة إشهارية لحلويات مركّزة تدعى "الجواجم"

دأب التّونسيون على الضّحك رغم كلّ شيء. فهو الشّعب الذي يأبى أن يظلّ تعيساً لوقت طويل. "شعب نبّار" كما يقال، يقلب التراجيديا إلى كوميديا ويضحك من آلامه عالياً. يستغل أي تفصيل للتشبث بالحياة. ما أكثر تعاسات التونسيين، تعرض في كلّ مكان وتأتيه من حيث لا يحتسب، إلاّ أنّ طبعهم المتوسّطي المتأثّر بعدّة عوامل ثقافية وتاريخية وجغرافية سرعان ما يسعفهم للخروج من أشدّ اللحظات حلكة.

من الواضح أن رمضان 2022 جاء موعوداً بتعاسات كثيرة في تونس، بدءاً من أسعار السوق إلى عدم توفّر عدة مواد أولية، مثل الطحين والخبز والبيض والزيوت وغيرها كثير. لكن التونسي لم يسند ظهره لحائط الحزن والعطالة، بل واجه الحياة بوجه مكشوف وراح بصنّارته يصطاد بعض السعادة.
في المدينة العتيقة، يمدّ التونسي يداً لشاي "الشّواشين" السّعيد، يستنشق روائح العطّارين المنعش، ينصت للموسيقى المنطلقة من "مقهى المرابط"، يميل رأسه المثقل ويشتري سعادةً حتّى وإن عرضت في السوق السوداء.

Une image contenant alimentation, dessert  Description générée automatiquement

خيمت الأزمة السياسية والاقتصادية في تونس على كلّ مكان، والرئيس اليوم لا يحسن بثّ الطمأنينة في النفوس، ويكاد يعلن حرباً مع كلّ خطاب. لا عدوّ واضح، مع أن الأعداء، كما لا يكفّ الرئيس عن القول، في كل مكان

حلويات "الجواجم" من تلك السعادات الصغيرة. حلويات مبالغ في تشكيلتها، لا تخلو من الشوكولا والبسكويت والكريما والفواكه والمكسرات، وقد تبثّ النّار في الأدرينالين ضربة واحدة. ولعلّ تسميتها تذكّرنا بالكلمة الشعبية "جوجمة" التي تعني الصخب، فهذه الحلوى تنتج صخباً في الرأس وفي كلّ الجسم، بعد تجربة نهارية مرّت بين الصوم والزحمة والعنف، ولعب نقص الكافيين والتبغ بالمشاعر.

انتبه: فيديو لإعداد الجواجم ــ حلويات مركّزة بطبقات كثيرة!

السعادة اختلاس أو لا تكون!

لم يعد الشارع التونسي في رمضان بخير! لك أن تلحظ ذلك في أوّل شارع يعترضك وفي أوّل مقهى بعد الإفطار، حيث يقلّ الكلام وتتكثّف غيمات الدخان، يطل من بينها وجه التونسي غارقاً في هاتفه أو شارداً خلف أفكاره أو متوتّراً في انتظار غده البعيد. لقد خيمت الأزمة السياسية والاقتصادية على كلّ مكان، كما أنّ رئيس اليوم لا يحسن بثّ الطمأنينة في النفوس، ويكاد يعلن حرباً مع كلّ خطاب. لا عدوّ واضح، مع أن الأعداء، كما لا يكفّ الرئيس عن القول، في كل مكان. الأعداء، مخاطبون في الكلمات التي يوجّهها هذا الرئيس بـ "هم"، وفي الحلق يقف السؤال التالي مثل شوكة: من المقصودون بـ"هم"؟ هل يمكن أن يكون الجار أو الجارة؟ الأقرباء؟ الأحزاب؟ النهضة؟ البرلمان؟ إنّهم في كل مكان إذن...

"يا حسرة!"

إنّها العبارة الأكثر شيوعاً في رمضان هذا. يردّدها التونسي أمام كلّ عادة انعدمت لأسباب خارجة عن مقدرته، أمام أغنية تردّدت من الماضي غير البعيد مثل "جنيريك" مسلسل رمضاني قديم. فحتى مسلسلات هذه السّنة جاءت لتعاضد الدولة في نشر التعاسة، لا شيء غير العنف بكلّ أشكاله، والاغتصاب والأمراض الاجتماعية، سباق حميم نحو نقل الواقع بحذافيره، بتعلّة أنّ الفنّ معبّر وفي وفاء كلب لهذا الواقع الأليم، الذي يحتاج التونسي اليوم أكثر من أي يوم مضى للتخلّص منه!

لكن لطالما كانت السعادة ثقافة متأصلة في الطباع التونسية وهي حتماً ستنتصر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard