شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
عام بعد تقنين القنّب الهندي في المغرب... المزارعون حائرون

عام بعد تقنين القنّب الهندي في المغرب... المزارعون حائرون

حياة

السبت 23 أبريل 202203:29 م

بعد مرور سنة على مصادقة الحكومة على مشروع قانون تقنين استخدام القنّب الهندي لأغراض طبية وتجميلية، يجد مزارع هذه النبتة البسيط نفسه في حيرة من أمره، ويتساءل عن جدوى هذا القانون الذي طال انتظاره لعقود، وحمل معه في البداية آمالاً للمنطقة (منطقة الريف، شمال المغرب)، وسكّانها، إذ كان من المفترض أن يخرج مزارع الكيف من دوامة الخوف والتضييق إلى ممارسة عمله علناً، من دون اعتقالات أو متابعات قضائية، ليضمن من خلاله قوته اليومي.

لم يُقدَّر لهذا المزارع الخروج من هذه الدوامة، بل أضيف إليها الترقب والانتظار، وتساؤلات عن مشروعية نشاطه الفلاحي، وعن نوعية البذور المخصصة للزراعة، وعن الرخص التي ستحرص الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنّب، منحها للمزارعين، كما نص على ذلك القانون 13.21.

في ظل التنزيل البطيء لمراسيم قانون التقنين، إذ صادق المجلس الحكومي مؤخراً على المادة الرابعة من القانون، والتي تم بموجبها تحديد مناطق زراعة القنّب الهندي، في الأقاليم الثلاثة؛ الحسيمة، وشفشاون، وتاونات، يتساءل المزارعون والناشطون في المنطقة عن موعد المصادقة على مرسوم إنشاء الوكالة التي ستسهر على نشاط الزراعة، وكمياتها، ونوعية الحبوب.

مشروع مكسور الأجنحة

يصف إلياس أعراب الناشط الحقوقي في صنهاجة السراير (شمال المغرب)، حالة المزارع بعد تقنين استعمالات القنّب الهندي، بالترقب والانتظار، وعزا الأمر إلى أن السكان لم يفهموا بعد مضامين مشروع التقنين.

وتابع المتحدث نفسه في حديثه إلى رصيف22، أنه لا أحد تواصل مع السكان، باستثناء بعض المجهودات الفردية لأبناء مناطق زراعة الكيف، الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن حقوق الفلاح البسيط، وفي مقدمتهم جمعية أمازيغ صنهاجة الريف وتنسيقية أبناء بلاد الكيف.

من جهة أخرى أكد المزارع محمد بوصامت، أن وضعية الفلاح لم تتغير إطلاقاً، منذ إصدار قانون الاستعمالات المشروعة للقنّب الهندي، لا من حيث الوضعية القانونية ولا من حيث سبل العيش.

ويرى بوصامت، أن "الغرض من هذا القانون لم يكن لصالح الفلاح، بل لتحقيق مكتسبات أخرى للدولة". ويتابع: "لو كان لصالح الفلاح لرأينا تنزيلاً حقيقياً، ولتمّ تعديل القانون حسب ما تقدمنا به، من داخل تنسيقية أبناء بلاد الكيف".

يشار إلى أن المزارعين قدّموا في إطار التنسيقية تعديلاً لمشروع القانون 13.21، إلى المجالس الدستورية وقبّتَي البرلمان.

يرى المتحدث ذاته، أن المزارع لا تهمه مضامين المشروع، بقدر ما تهمه غايته منه، ولا إستراتيجيات الدولة، أو تصورها من خلال هذا القانون؛ "مكيهموش واش الدولة غتصنع الأدوية من هاد النبتة بقدر ماكيهمّو شنو غياكل" (لا يهمه إذا ما كانت الدولة ستصنع الأدوية من هذه النبتة بقدر ما سيأكله)، بعد غياب طويل للدولة عن المنطقة.

ورأى المزارع الشاب، أن القانون مشروع مكسور الأجنحة، لأنه لن يُخْرِجَ مناطق زراعة القنّب الهندي من جحيم الفقر، ولن يرفع عنها التهميش، في ظل غياب البرامج والورش التنموية.

موسم بطعم الخوف

يبدأ موسم زراعة القنّب الهندي، مطلع شهر شباط/ فبراير إلى نهاية شهر نيسان/ أبريل، وذلك حسب طبيعة المناخ؛ فإذا كان المناخ رطباً بارداً، تتم الزراعة في أواخر شهر كانون الثاني/ يناير أو شباط/ فبراير.

لكن زراعة بذور القنّب خلال هذا الموسم، لم تتحكم فيها طبيعة المناخ، بل قانون "القنّب الهندي" الذي لم تتضح رؤيته بعد لدى هؤلاء المزارعين.

في هذا الصدد، كشف إلياس أعراب، أن الفلاح ظل طوال فترة الحرث متردداً، ويتساءل عن نشاطه: هل أصبح قانونياً أم لا؟ وعن رخص الزراعة، وعن الوكالة المانحة إياها، وعن كيفية تجميع القطع الأرضية الصغيرة وإحصائها وتمليكها؟

"رُمي بالفلاح في زوبعة كبيرة، وتُرك يصارع وحده الأسئلة التي لم يجد لها جواباً بعد، منذ تنزيل القانون، ليعود إلى ممارسة نشاطه كما في السابق، لكن مع كميات مضاعفة من الخوف، والعقوبات الصارمة التي استقدمها القانون الجديد"، يضيف أعراب.

فيما أشار المزارع محمد بوصامت، إلى أن المزارعين، شرعوا في زراعة بذور الكيف، منذ شهر شباط/ فبراير المنصرم.

وفي ظل غياب تنزيل بقية مواد القانون 13.21، خصوصاً المادتين الخامسة والسادسة، إذ تنص الأولى على "منح رخص زراعة القنّب الهندي وإنتاجه في حدود الكميات الضرورية لتلبية حاجيات أنشطة إنتاج مواد لأغراض طبية وصيدلية".

مزارع القنب الهندي في المغرب ظل طوال فترة الحرث متردداً، ويتساءل عن نشاطه: هل أصبح قانونياً أم لا؟ وعن رخص الزراعة، وعن الوكالة المانحة إياها، وعن كيفية تجميع القطع الأرضية الصغيرة وإحصائها وتمليكها؟

فيما لا يمكن أن تُمنح رخصة زراعة أصناف القنّب الهندي وإنتاجه، والتي تحتوي على نسبة من مادة رباعي هيدروكانابينول (THC) المخدرة، تتجاوز النسبة المحددة بنص تنظيمي، إلا لفائدة أنشطة الصناعة الدوائية والصيدلية. حسب المادة السادسة.

اختار المزارع عدم التخلي عن زراعة البذور المحلية، أو ما يُسمّى "بالزريعة البلدية"، ولجأ البعض إلى البذور الهجينة أو "الرومية".

من جهة أخرى، يوضح شريف أدرداك، الباحث في اقتصاد القنّب الهندي، لرصيف 22، قائلاً: "إذا تمعّنا في القانون 13-21، نجد أن الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنّب الهندي، هي الجهة الوحيدة المخوّل لها تنزيل زراعة القنّب الهندي الصناعي والطبي. ولم يتم لحدود الساعة تنصيب مجلسها الإداري، ولم يتم تعيين مديرها العام، كما لم يتم تخصيص مقر لها، من دون أن ننسى الموارد البشرية".

ويضيف المتحدث نفسه: "أمام هذا الوضع، ومع بداية الدورة الزراعية للكيف، فإن أغلب المزارعين هيأوا أراضيهم لزرع نبتة الكيف المحظورة"، مؤكداً أن الكيف (القنّب الهندي)، بالنسبة إلى سكان صنهاجة وغمارة، مصدر عيش أساسي، في ظل غياب استثمارات عمومية وخاصة بالمنطقة، تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة والعيش الرغيد.

زيت الكيف رائج في الأسواق

في الوقت الذي يعيش فيه مزارع الكيف، حالةً من الارتياب بسبب نوعية البذور الصالحة للزراعة بعد التقنين، ينتعش نشاط تجاري في أسواق المدن الكبرى، إذ يتم عصر بذور الكيف وتحويلها إلى زيت، لاستخدامات تجميلية للشعر والبشرة، أمام الملأ، ومن دون مراقبة للشروط الصحية، ولمصدرها.

ويرى إلياس أعراب الناشط الحقوقي، والباحث في مجال الأعشاب الطبية والعطرية، أن الأمر يُعدّ من بين الإشكالات التي ستواجه ملف التقنين، والتي حذرنا منها مراراً، حسب قوله.

أغلب المزارعين هيأوا أراضيهم لزرع نبتة الكيف المحظورة"، مؤكداً أن الكيف (القنّب الهندي)، بالنسبة إلى سكان صنهاجة وغمارة، مصدر عيش أساسي

ويضيف: "نحن بدورنا نتساءل عن المسؤول عن هذا الانتشار المهول لبذور الكيف في جميع المدن، وكيف يسمح بتقطير زيت الكيف وبيعه، من دون أي مراقبة أو تحاليل تؤكد أنه خالٍ من المادة المخدرة (THC)".

 وإن "كانت هذه البذور هي نفسها المخصصة للاستعمالين الطبي والصناعي، أي أن نسبة (THC) الموجودة فيها، تُقدر بأقل من 0،2%، فنحن نتساءل كيف تم استيرادها، ومن منح الرخص، والوكالة المكلفة بذلك لم تنشأ بعد؟"، وفق المتحدث نفسه.

هنا يبقى مزارع الكيف بعيداً البعد كله عن الاستفادة من أنشطة تحويل القنّب الهندي، المنتشرة في الأسواق، أو في التعاونيات الموجودة في العرائش وتطوان والدار البيضاء وأكادير، حسب أدرداك.

السياحة نشاط بديل؟

مع تراجع الإقبال على الحشيش، وغياب تنزيل برامج تنموية اقتصادية، كان على شباب المنطقة وأبناء المزارعين، البحث عن بديل آخر غير زراعة القنّب. وضمن هذه الأنشطة نجد الإرشاد السياحي، نظراً إلى الخصوصية الجبلية التي تتميز بها جبال الريف.

محمد بوصامت، واحد من هؤلاء الشباب، الذي حرص على التعريف بالمنطقة، لكنه يتساءل: "هل الإرشاد السياحي سيوفّر لقمة الخبز؟".

يجيب بأن الإرشاد السياحي وحده غير كافٍ، ومردوده هزيل جداً، إذا لم تتوفر البنى التحتية، كدور الضيافة أو المنازل المحلية المجهزة للاستقبال، ويشدد على أن المنطقة بحاجة ماسة إلى هذه البنى للنهوض بالمجال والتعريف بالمنطقة.

نتساءل عن المسؤول عن هذا الانتشار المهول لبذور القنب الهندي في جميع المدن المغربية، وكيف يسمح بتقطير زيت الكيف وبيعه، من دون أي مراقبة أو تحاليل تؤكد أنه خالٍ من المادة المخدرة (THC)

ويتابع قائلاً إن الإرشاد السياحي، لا يمكن عدّه بديلاً بل مكملاً، لأن النشاط لا يزال في بدايته، ولأن البرامج السياحية والمشاريع التي تقدمت بها جمعية "تدغين للسياحة والثقافة"، لم تتلقَ أي دعم، ليبقى معها مسلسل التهميش سارياً.

في المقابل، يرى شريف أدرداك، أن السياحة الجبلية في مناطق زراعة الكيف (جبال الريف)، عرفت نشاطاً مميزاً خلال السنوات الأخيرة، بفضل تضافر جهود الفاعلين المدنيين الذين ساهموا في التعريف بالمنطقة، وفي امتهان مجموعة من الشباب لهذا النشاط، الذي يدرّ عليهم دخلاً محترماً، في ظل تراجع مداخيل الحشيش الذي لم يعد عليه طلب كما في السابق.

ويؤكد أدرداك، أن "السبيل الوحيد لتنمية المنطقة، هو إخراجها من عزلتها الجغرافية، عن طريق ربطها بالشبكة الطرقية الوطنية، وتحسين الولوج إليها، وإنشاء بنى تحتية اقتصادية واجتماعية"، وضرورة "قطع الطريق على "البزنازة" (تجار الحشيش)، لمنعهم من الوصول إلى مراكز القرار مثل البرلمان، والجماعات (البلديات)، حتى لا يستمر نفوذهم في المنطقة، فأغلب المزارعين أضحوا عبيداً لهؤلاء "البزنازة"، لأنهم بكل بساطة يُعدّون الفاعلين الاقتصاديين الوحيدين في بلاد الكيف، بعدما تخلت الدولة عن دورها وتركت المزارعين بين سندان "البزنازة" ومطرقة رجال السلطة والمياه والغابات"، وفق أدرداك.

حسب المتدخلين والكثير من أبناء المنطقة، فإن الهيئات غير الحكومية ستستمر في الدفاع عن الفلاح البسيط، متمسكةً بمطالبها، بالرغم من التقنين، وأهم هذه المطالب تنمية مناطق الزراعة، والعفو الشامل عن مزارعي الكيف المتابَعين في قضايا بسبب نشاطهم. إلى جانب الحفاظ على بذور الكيف المغربي الأصيل (الزَرِّيعة البلدية)، وعدم الاستغناء عنها في سبيل بذور هجينة مستوردة، فضلاً عن تخصيص مناصب شغل لأبناء المزارعين، وتشييد مراكز تكوين فلاحي للمزارعين وأبنائهم، وتوطين الشركات في الأقاليم التي مُنحت حق الزراعة.

Website by WhiteBeard