فيلم "مجنون فرح"... من خلال الحب والرغبة، يروي أزمة الهوية والانتماء إلى بلدين

الاثنين 25 أبريل 202209:21 ص

يأتي هذا المقال ضمن تغطية رصيف22 لمهرجان الفيلم العربي- برلين (الفيلم) بدورته الثالثة عشر، والتي تُقام ما بين 20 إلى 26 من نيسان/ أبريل 2022.

يعرض فيلم "مجنون فرح"، لمخرجته ليلى بوزيد في إطار مهرجان الفيلم العربي في برلين، وهو روائي طويل من إنتاج مشترك تونسي فرنسي.

يروي الفيلم حكاية أحمد، وهو شاب جزائري الأصل يعيش مع عائلته في إحدى ضواحي باريس في مسكن اجتماعي متواضع مع والده الصحافي السابق وأمه التي تعمل في منازل المسنين ورعايتهم وأخته الشابة الحرة. 

تنطلق أحداث الفيلم مع بداية العام الدراسي الأول لأحمد في الجامعة، حيث يلتقي بفرح، ويلفته حديثها بالعربية على الهاتف. يدرس هو وهي الأدب العربي المقارن في جامعة السوربون العريقة، وتغوص معهما أستاذة المادة في الشعر العربي القديم وفي تحليل الغزل والحب والرغبة فيه. تبدأ التناقضات التي يعيشها أحمد في الطفو على السطح بسبب تعرفه إلى جانب يجهله تماماً من الثقافة العربية. 
تتعرف فرح الشابة القادمة للدراسة من العاصمة التونسية إلى أحمد، وتطلب منه أن يعرفها إلى (مدينته) باريس. نكتشف أن أحمد لا يعرف المدينة، لأن عالمه محصور بعالم الضاحية التي يعيش فيها، عالم ضيق، لا يتوقف فيه الآخرون عن مراقبته ومراقبة أخته، ويدفعه أقرانه للتدخل في حياتها ومحاولة عرقلة قصة الحب التي تعيشها، ولكن الأخت تدافع عن حقها في الاختيار بشجاعة في ظل عجز أحمد وقلقه الدائم من نظرة الآخرين. 
رغم أننا في الوهلة الأولى أمام فيلم يتناول موضوعة الحب والرغبة فإن موضوعه الأساسي هو أزمة الهوية التي يعيشها الشباب العربي المسلم من جيل المهاجرين الثاني.
رغم أننا في الوهلة الأولى أمام فيلم يتناول موضوعة الحب والرغبة فإن موضوعه الأساسي هو أزمة الهوية التي يعيشها الشباب العربي المسلم من جيل المهاجرين الثاني.
يبدو أحمد ضائعاً ممزقاً، لا يعرف كيف يوفق انتماءه إلى عالمين، يشعر أنه يعيش في تناقض مستمر، يبدأ من بيئته المحيطة ولا ينتهي في جامعة السوربون، مروراً بأزمات الرغبة الجنسية والعادات والتقاليد رغم أننا خلال الفيلم نكتشف أنه لم يزر الجزائر يوماً وأن معرفته بتفاصيل ثقافة بلد أصوله ضحلة للغاية. تبدو فرح التي تربت في بلد عربي أكثر انسجاماً مع نفسها، ولا تعاني من تناقض، وتبدو الأسئلة التي تراود أحمد محسومة بالنسبة لها، فهي تنتمي للبيئة الشرقية ولكنها تتبنى تماماً نمط حياة غربياً. 
لا يبدو الفيلم معنياً بمناقشة مسألة الدين بقدر ما هو معني بمناقشة الموروث والعبء الهائل الذي تفرضه المجموعة على المنتمي إليها في إطار رسمته بحجة الحفاظ على الهوية. واللافت أن أصدقاء أحمد يكررون في الفيلم سخريتهم وحتى تحذيرهم له من أن يتغير بمجرد أنه أصبح يداوم في الجامعة، وتمر تعليقات كثيرة عن تحوله إلى باريسي، حتى مشهد المواجهة مع صديقه الذي يتهمه بالتحول إلى (رجل أبيض). 
لا يبدو الفيلم معنياً بمناقشة مسألة الدين بقدر ما هو معني بمناقشة الموروث والعبء الهائل الذي تفرضه المجموعة على المنتمي إليها في إطار رسمته بحجة الحفاظ على الهوية
تستطيع شخصية وحيدة في الفيلم إيجاد أجوبة للأسئلة التي يعايشها أحمد ويعاني منها وهي شخصية الأب، إلا أن كآبته وانسحابه من الحياة وشعوره بأن وصوله إلى فرنسا كان نهاية حياته، تجعله عاجزاً حتى عن رؤية الصراع الذي يعشيه الابن المعذب. ولكن استنجاد أحمد به في النهاية يجعله يكشف له الآلام التي يكابدها بدوره ويفتح لنا باباً لفهم شخصية الأب المزعجة بسلبيتها معظم الفيلم. 
بعد كثير من التردد، يدعو أحمد فرح إلى العشاء في منزله، وفي مشهد محوري في الفيلم، يتغير إيقاع كل شخصيات العائلة، تفرح الأم لأن ابنها دعا فتاة عربية، يتحدث الأب لأول مرة عن نفسه لأن الحديث عن تونس بلد فرح يعيده إلى الحديث عن الجزائر والصحافة. وأثناء الحديث يمدح أحمد أخته ويعبر عن إعجابه بشجاعتها في مواجهة مجتمع ضاغط يراقبها، فوجود فرح يجعله عموماً ألطف وأرق. 
تعالج المخرجة فيلمها برقة وأناقة، خاصة المشاهد التي تجمع أحمد بفرح وحدهما، مشاهد تكشف هشاشة بداية الحب، وصعوبة استكشاف الجسد مع الآخر، ومحاذير تجاوز الخطوط التي رسمها المجتمع. كل ذلك في إطار بصري جميل وموسيقى تصويرية عالية الحساسية. كما توفق المخرجة في خيارها للبطل، إذ يؤدي الممثل سامي عوطالبالي دوره الصعب باقتدار، وتعتمد الممثلة زبيدة بالحاج عمر على عفويتها لأداء دور فرح. إلا أن المشهد الصعب الذي تترك فيه فرح أحمد يفلت منها، إذ يبدو إيقاع الممثلة فيه مرتبكاً وتصعيد الأداء أقل من الدرجة المطلوبة لمشهد مماثل. 
تعالج المخرجة فيلمها برقة وأناقة، خاصة المشاهد التي تجمع أحمد بفرح وحدهما، مشاهد تكشف هشاشة بداية الحب، وصعوبة استكشاف الجسد مع الآخر، ومحاذير تجاوز الخطوط التي رسمها المجتمع.
يتميز الفيلم بقلة الأحداث وسير القصة البطيء نسبياً للمَشاهد، بسبب العالم الداخلي الغني المقدم لشخصية أحمد وقدرة الممثل على إدخالنا إلى هذا العالم لنستكشفه فيما يستكشف البطل الأدب العربي، إذ تشكل القصائد الجريئة التي يتعلمها وكتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر" الذي تهديه إليه فرح، نافذة يطل منها على جانب لم يعلم بوجوده في الثقافة العربية. واللافت أنه عندما يناقش مفاجأته مع صديقه المقرب، يشعر الأخير أن كيانه ووجوده مهددان، ويحاول إقناع أحمد بأن اختيار هذه القصائد مقصود لتشويه صورة العرب. 
لا يمكن لمن يعيش في فرنسا اليوم ألا يشعر بضرورة معالجة موضوع أزمة الهوية التي يعالجها الفيلم، ولا سيما في ظل خطر التطرف الذي يحوم حول الضواحي والذي في لحظة ما قبل عدة أعوام تحول إلى كارثة حلت بعائلات شباب وضبوا حقائبهم فجأة وغادروا للقتال في صفوف داعش في سوريا. إن النظر إلى مسألة الهوية من زاوية تحليلية عميقة، والتفكير بجوانبها الطبقية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الدينية، ضرورة يفرضها انغلاق المجتمعات المهاجرة على نفسها وانعزالها. وقد نجح الفيلم في اختراق هذا العالم وأنسنة شخصياته وطرح الأسئلة التي تواجهها بجرأة وتعاطف في آن واحد.  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard