"السرايا الصفرا"... رحلة في عقول مرضى العباسية بين الماضي والحاضر

الخميس 12 مايو 202211:00 ص

تشغلني القراءة في علم النفس دوماً، تثير شغفي أن أتعرف على دواخل النفس البشرية، أن أحلل دوافع السلوكيات والأفعال، تدفعني إلى البحث حتى أفهم نفسي وغيري، وأصل إلى حياة أكثر توازناً.

عندما وقع في يدي كتاب "السرايا الصفرا" للكاتب محمد الشماع، والصادر حديثاً عن دار المصري للنشر والتوزيع، والذي استعرض فيه مذكرات الدكتور محمد كامل الخولي، مدير مصلحة الأمراض العقلية بالعباسية، في أربعينيات القرن الماضي، والتي سماها "40 عاماً في حراسة أصحاب العقول"، ونشرها في مجلة المصور، وجدتني أتحمّس لقراءته ومن ثم الكتابة عنه.

أهمية الثقافة النفسية العامة وتأثيرها في التاريخ الاجتماعي

أشار الشماع إلى سبب خروج تلك المذكرات إلى النور، والذي لم ينصبّ فقط على الدور الوثائقي، لأن تلك المذكرات موجودة في دار الكتب والوثائق، ولكن ما دفعه لنشرها، هو ربط المرض النفسي بالتاريخ الاجتماعي من جانب، ولإبراز الأهمية الثقافية النفسية العامة من جانب آخر، كما قدم دراسات تاريخية ونفسية مبسطة، ليفهم ما كتبه الخولي، وليعرض تعريفاً بسيطاً عن الأمراض النفسية التي ذكرها.

كما ألقى الضوء على كيفية تأثير المرض النفسي في تاريخ الأمة، من خلال رحلة في عقول مرضى العباسية، خاصة عندما حكى قصة إطلاق النار على سعد زغلول والمرض النفسي الذى عانى منه الجاني، ومرض الملك فاروق النفسي، وكذلك المرض الذي توارثته أسرة محمد علي، وحادثة اغتيال أمين عثمان التي كان وراءها أيضاً المرض النفسي، وغيرهم ممن رأى في نفسه نبياً أو من حسب نفسه أغنى رجل في العالم، أو من تلهفت يده لقتل الناس، قائلاً "أنا إيدي وقفت من قلة القتل"، والذي أجزم أنه ولي صاحب كرامات، والتي اعتقدت أنها ماري أنطوانيت، ومحسوبة السيدة نفسية وغيرهم.

لماذا سُميت بالسرايا الصفرا؟

عُرفت مستشفى قلاوون قديماً باسم البيمارستان، وكانت الوحيدة في مصر المخصصة لعلاج المجانين، وجاء كلوت بك إلى مصر، ونقلها إلى العباسية، التي كانت قصراً لأحد حكام الأسرة العلوية، أطلق صاحبه عليه "السراي الحمرا" لأن لونه أحمر، فلما التهمته النيران في حريق هائل، أزيل عنه اللون الأحمر وتم ترميمه وطلاؤه بالأصفر، فأصبح "السرايا الصفرا".

مستشفى العباسية

وفي كتاب الطب النفسي المعاصر للدكتور أحمد عكاشة، يحكي عن مستشفى قلاوون التي كانت ثاني مستشفى تقدم علاجاً للمرضى بعد مستشفى ببغداد، سابقة بذلك أوروبا التي كانت تحرقهم أو تسجنهم، كما احتوت مستشفى قلاوون على أربعة أقسام، هم الجراحة والأمراض الباطنية والعيون والأمراض العقلية، وتبعتها مستشفى الخانكة عام 1913، ثم المعمورة في الإسكندرية، وأخرى في حلوان.

إطلاق الرصاص على سعد زغلول

قدم الشماع تشريحاً اجتماعياً ونفسياً وتوثيقياً لحوادث تاريخية شهيرة، مثل حادثة إطلاق النار على سعد زغلول، وحكى عن الحركة الوطنية المنقسمة إلى حزبين، الوطني بزعامة مصطفى كامل، وحزب الأمة الذي قاده كبار الملاك والأعيان، وعن سعد زغلول عام 1924، الذي كان رئيساً للوزراء، منتخباً من الشعب في ظل الاحتلال البريطاني والملك فؤاد الأول، واللذين لم يرتاحا لتشكيل زغلول للحكومة، وكانت محاولة اغتياله يوم سفره إلى لندن 12 يوليو عام 1924 لتوقيع اتفاقية تنظم علاقات مصر بفرنسا، وقبل مغادرته لمحطة القطار، أطلق عليه عبد الخالق عبد اللطيف الدبشاني الرصاص الذي أصاب ساعده وصدره، قبل أن يقفز عليه الناس ويهموا بقتله لولا تدخّل رجال الشرطة.

كانت الأميرة دميمة التي يرجع نسبها إلى محمد علي، مدمنة للخمر والغناء بصوت بغيض، وكان يجب على الخدم أن يظهروا الإعجاب بصوتها. أطلقت هذه الأميرة الرصاص ذات يوم على جيرانها بحجة أنهم يسيئون إليها. من هذا الحادث بدأ محمد الخولي بحثه في الجنون الوراثي لأسرة محمد علي

ورغم زعم المتهم الذي كان يدرس الطب في برلين وقتها، أن البابا لما علم أنه المسيح، اضطهده، وأوزع له بقتل سعد زغلول، إلا أن أصابع الاتهام امتدت إلى رئيس الحزب الوطني والخديوي عباس حلمي الثاني، وبريطانيا وألمانيا، فبرغم أن القضية أشارت إلى أسباب سياسية للاغتيال، إلا أنها في النهاية توصلت إلى وجود خلل عقلي بعقل المتهم، وانتهت بإيداعه بمستشفى الأمراض العقلية بالعباسية.

جنون وراثي في أسرة محمد علي

كانت إحدى الأميرات (م. ن) التي يرجع نسبها إلى محمد علي، دميمة، مدمنة للخمر والغناء بصوت بغيض، ويجب على الخدم أن يظهروا الإعجاب بصوتها، أطلقت هذه الأميرة الرصاص ذات يوم على جيرانها زاعمة أنهم يسيئون إليها إساءات مجافية للذوق والآداب العامة، ومن هذا الحادث بحث الخولي في الجنون الوراثي لأسرة محمد علي، فوجد أن الأمير سيف الدين، الذي أطلق الرصاص على الملك أحمد فؤاد، كان مجنوناً أيضاً، إذ ضُبط يتحدث إلى نفسه وإلى الدمى العسكرية كأنهما فريقان، أحدهما منتصر والآخر منهزم. كان يعيش في دنيا الخيالات.

جنون الملك فاروق

أما الملك فاروق فكان مصاباً بمرض التقلب الانفعالي، والذي يعتبر نوعاً من الحالة السيكوباتية، إذ كان يضحك ضحكات جنونية مفاجئة، وبالبحث وراءه وُجد أنه عانى أيضاً من الشيزوفرينيا، أي الانفصام، وتفكيره غير سليم، وتصرفاته غير متجانسة، نفس المرض الذى عانى منه حسين توفيق، قاتل أمين عثمان.

مبنى السرايا الصفرا

اغتيال أمين عثمان

أما أمين عثمان الذي عمل وزير المالية في حكومة الوفد، فقد اغتاله حسين توفيق بثلاث رصاصات نارية، أطلقهم عليه فور دخوله عمارة منزله وطلوعه أول درجات السلم، وخرج الجاني سريعاً. وبعدما فحصه د. محمد كامل الخولي، وجده يعاني من الحالة السيكوباتية، نظراً لإنكاره في البداية الجريمة، ثم اعترافه بها، ثم معاودته الإنكار في المحكمة. لم ينسى الخولي جملته في الفحص: "كلهم فئران، ولا أحد يجرؤ على النظر في عيني".

وجاء في مذكرات الخولي أن المتهم يعاني من الحالة السيكوباتية بسبب شذوذ تصرفاته التي أقرّ بها والده، والتي تطابقت مع كلامه غير المتزن في التحقيقات.

مراحل الطب النفسي عبر العصور

كان الملك فاروق مصاباً بمرض التقلب الانفعالي، الذي يعتبر نوعاً من الحالة السيكوباتية، إذ كان يضحك ضحكات جنونية مفاجئة، كما عانى من الانفصام

كما استعرض الشماع مراحل الطب النفسي عبر العصور، فقديماً ذُكرت الاضطرابات العقلية في الأوراق البردية، وتم التعامل معها على أنها أرواح شريرة، مروراً بالعصور الوسطى التي عالجتها بالطقوس، الصلوات والقرابين. أما في بداية المرحلة الإنسانية فقد فك الطبيب الفرنسي فيليب بينيل الأغلال والسلاسل التي قيدت المرضى، ونشر الوعي عبر العلاج المعنوي، كما أطلق لقب "مريض" وليس "مجنون" على مرضى الاضطراب العقلي.

وجاءت المرحلة الثانية على يد الطبيب النمساوي سيجموند فرويد، ليقدم تشريحاً كاملاً عن النفس البشرية، ثم أسس في المرحلة الثالثة، العالم الألماني إيميل كريبلين، الطب النفسي الحديث وعلم الأدوية النفسية والوراثة النفسية، وصولاً إلى المدرسة الفسيوكيميائية التي اكتشفت العقاقير المضادة للفصام والاكتئاب والهلع والهيستريا والوساوس القهرية وغيرها.

فكاهة الخولي مقابل جدية الشماع

وبينما مال الخولي إلى عرض مذكراته بشكل أقرب للفكاهة وبأسلوب أقرب لرجل الشارع العادي الذي يسرد حكايات مرضاه بسلاسة، فلم يحلل الحالة النفسية بشكل متعمق، نظراً لقلّة اطلاعه وقلة الترجمة آنذاك. قدم الشماع تعريفاً جاداً لأمراض البارانويا، السيكوباتية، الشيزوفرينيا والبلاجرا. حيث يُعرف مرض البارانويا بجنون العظمة، ويتمثل في المريضات اللائي رأين أنفسهن ملكات على عروشهن، والمرضى الذين أدعوا النبوة والولاية والرئاسة.

يشعر مريض البارانويا بالكبرياء، ووفقاً لدكتور أحمد عكاشة، البارانويا اضطراب يجعل الفرد حساساً تجاه الهزائم، فلا يقبل الرفض، الإهانة أو الجروح، ويميل لتضخيم ذاته بشكل مفرط.

أما الحالة السيكوباتية فاتسمت بعدم اهتمام الفرد بالالتزامات الاجتماعية، وافتقاده للشعور بالآخرين، اتصافه بالعنف غير المبرر، اللامبالاة، الاستهتار في كل شيء، وعدم تحمل الإحباط، وسهولة تفريغ العدوان بالعنف.

في حين تميزت الشيروفرينيا (الفصام) بأنها مرض ذهاني نفسي بأعراض نفسية وعقلية، تؤدي إلى اضطراب وتدهور في الشخصية والسلوك، وتنطوي على انقسام أو انفصال العقل، وليس انفصال الشخصية كما يعتقد الكثيرون، ويُعرف بأنه اضطراب عقلي يظهر في الجهاز العصبي وكيمياء المخ.

وأشار أيضاً إلى مرض البلاجرا الذي ينشأ بسبب نقص أو سوء التغذية، فيؤدي إلى نقص مركب فيتامين B، وهو مرض مزمن وأعراضه تظهر على كل من الجلد والجهاز الهضمي والجهاز العصبي.

كل كتاب رحلة، وفي نهاية رحلتك مع "السرايا الصفرا" ستجد نفسك أطلعت على الكثير من الأحداث المؤثرة في التاريخ، والتي كان بطلها هو المرض النفسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard