رمضان "كئيب" من دمشق إلى إدلب

الثلاثاء 19 أبريل 202202:10 م

أصبح التوفير الاقتصادي خياراً لا بد منه على موائد الأسرة السورية، وينطبق ذلك على شهر رمضان من دون أي حلول من شأنها أن تخفف من معاناة الناس، سوى الحديث عن انفراجات قريبة على صعيد جميع الأزمات، ولا يراها المواطنون إلا عبر الصحف والجرائد أو في روايات تلفزيونية تكون أقرب إلى الخيال منها إلى القليل من الحقيقة.

"موائد لسد الجوع"؛ بهذه الجملة يعبّر خالد العبد الله، وهو رب أسرة مكونة من ستة أشخاص في مدينة دمشق، ويعمل موظفاً حكومياً في وزراة الكهرباء في النهار براتب 115 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 30 دولاراً أمريكياً، وسائق أجرة بعد انتهاء دوامه الأول، ومع هذا كله بالكاد يحصل على قوت عائلته اليومي.

يقول الرجل الخمسيني لرصيف22: "شهر رمضان هذا العام، يتزامن مع أزمة معيشية صعبة، فهناك نقص في المواد الأولية التي يُعتمد عليها في طهي أي وجبة رئيسية، والغلاء الذي لا يتوازى مع حجم دخل الفرد الشهري يُجبرنا على العمل ليلاً ونهاراً لتأمين حاجيات المنزل ولا نستطيع تحقيق الأمر".

أصبح التوفير الاقتصادي خياراً لا بد منه على موائد الأسرة السورية، وينطبق ذلك على شهر رمضان من دون أي حلول من شأنها أن تخفف المعاناة

يتحدث العبد الله عن أن فارق الأسعار بين رمضان الحالي ورمضان الماضي كبير جداً، ففي العام الماضي كان يشتري كيلو الدجاج الحي بخمسة آلاف ليرة سورية، أي بدولار ونصف، في حين وصل سعره اليوم إلى 11،500 ليرة سورية أي نحو ثلاثة دولارات، ويقول: "كيلو الأرز مع دجاجة واحدة يحتاج إلى 40 ألف ليرة، أي ما يعادل 15 دولاراً أمريكياً، عدا عن التكاليف الإضافية من سمن وغاز وتوابل، وتالياً استغنينا عن أكل اللحوم البيضاء والحمراء التي أصبحت تقتصر على ميسوري الحال فحسب، وأصبحنا نُعدّ الخضروات المطبوخة بنوع طعام واحد فقط على الإفطار، وهو أقل كلفةً مقارنةً باللحوم، فالطبخة الرئيسية بالخضروات تكلّف ما بين 10 و20 ألف ليرة أي ما يعادل ستة دولارات أمريكية".

كانت لأجواء سفرة رمضان التي تعودنا عليها طقوساً خاصةً، ولكن 60% من العائلات السورية لم تستطع إحياءها كما السابق، كعصائر الجلاب، والتمر الهندي، والعرقسوس، وأقراص المعروك بأنواعها المتعددة، والحلويات المخصصة لهذا الشهر، كالقشطيات والقطائف، فهي أصبحت من الكماليات مقابل تأمين جزء بسيط من الضروريات، حسب العبد الله.

سد الجوع

يبلغ الدخل الشهري لعموم الموظفين في القطاع الحكومي، في حدّه الأعلى 200 ألف ليرة، أي ما يعادل 50 دولاراً أمريكياً، وفي حده الأدنى نحو 98 ألف ليرة، أي 25 دولاراً أمريكياً. في المقابل، فإن العاملين في القطاع الخاص يبدون الأوفر حظاً، ولكن عملياً رواتبهم الشهرية الأكثر قيمةً قياساً برواتب القطاع الحكومي في سوريا، أصبحت غالباً لا تكفي بعد موجة ارتفاع الأسعار الجنونية الأخيرة في البلاد.

إذا أرادت عائلة عدد أفرادها خمسة أشخاص، تناول طبق المجدرة على الإفطار بشكل يومي طوال شهر رمضان، تحتاج شهرياً إلى 816 ألف ليرة طوال الشهر، إذ ستحتاج إلى البرغل، والعدس والبصل وزيت الزيتون واللبن، وإذا أرادت أن تأكل الخضروات من خلال تحضير صحن سلطة، ستبلغ تكلفة الوجبة الواحدة 27.200 ليرة، أي ما يوازي ربع دخل الموظف الشهري.

إذا أرادت عائلة عدد أفرادها خمسة أشخاص، تناول طبق المجدرة على الإفطار بشكل يومي طوال شهر رمضان، تحتاج شهرياً إلى 816 ألف ليرة، أي ما يوازي مجموعة 4 معاشات بحدها الأقصى للأجور وليس العكس

وفي حال أرادت العائلة ذاتها تناول إحدى الوجبات المعتادة سابقاً خلال الشهر الفضيل، مثل الشاكرية مثلاً، فإنها ستحتاج إلى نحو مليون و587 ألف ليرة شهرياً، أي ما يوازي 52.900 ألف ليرة كتكلفة للطبخة الواحدة، التي تدخل فيها اللحمة، واللحمة صارت كالذهب بالنسبة إلى غالبية السوريين، ويُشاهدونها في واجهات الملاحم القليلة التي صمدت للميسورين فحسب، من دون القدرة على شرائها طبعاً.

وحدة الحال

مشهد العجز عن تأمين المواد الأساسية لتحضير مائدة رمضان لم يتغير كثيراً بالنسبة إلى السوريين القاطنين في مناطق خارج سيطرة النظام السوري، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة 80 في المئة مع بداية الشهر المبارك، بسبب تراجع أسعار العملة التركية (المتداولة في شمال سوريا)، أمام الدولار الأمريكي، ما حرمهم من شراء أبسط المواد الأساسية لتحضير مائدة رمضان، وخلق حالة من الركود في عملية البيع والشراء في الأسوق.

استغنت صبحية الخطيب، وهي أم لسبعة أولاد ونازحة من حمص ومقيمة في محافظة إدلب، عن الكثير من المواد الأساسية التي كانت لا تفارق موائد الشهر الكريم من حلويات وعصائر وفواكه. حتى اللحمة أصبحت من الكماليات وتستعيض عنها بالخضروات بعدما تجاوز سعر كيلو لحم الخروف في إدلب 100 ليرة تركية، أي ما يوازي سبعة دولارات أمريكية، وسعر الفروج تجاوز الـ50 ليرةً تركيةً أي ما يوازي 3.5 دولارات.

تقول المرأة الستينية لرصيف22: "تحتاج العائلة إلى نحو 150 ليرةً تركيةً يومياً لإعداد وجبة الإفطار، وهذا يُعدّ مبلغاً كبيراً بالنسبة إلى مستوى الدخل المادي لمعظم العائلات، والذي لا تتعدى أجرة عملهم في اليوم الواحد 40 ليرةً تركيةً. أسعار الخضروات مرتفعة جداً والحجة لدى التجار في الأسواق أن معظم المواد مستوردة".

تحتاج العائلة في الشمال السوري إلى نحو 150 ليرةً تركيةً يومياً لإعداد وجبة الإفطار، وهذا يُعدّ مبلغاً كبيراً بالنسبة إلى مستوى الدخل المادي لمعظم العائلات

تتحسر الأرملة المنكوبة على "رمضان زمان" كما تصفه، من ازدحام الأسواق بمشتري وجبات الإفطار والسحور ولمّة العوائل على مائدة الإفطار المزدانة بالمناسف واللحوم والمكسرات والحلويات، والتي استُبدلت بطبق يسد الجوع من شوربة العدس أو الرز مع بصل، أو بالمجدرة أو البرغل، فموائد الخير التي كانت تُفرَش وتستقبل الجميع، تراجعت اليوم، بل اندثرت، لا سيما مع انحدار الوضع المعيشي، تقول.

يُلاحق الفقر والتعب كُل عائلة في سوريا ورمضان الذين كان كريماً في السابق لم يعد كذلك. صُبحية المنهكة من كُل ما جار عليها الزمان به في السنوات الماضية، تقف عاجزةً. تنظر إلى أطفالها يكبرون بشق النفس، ويأكلون وكأنهم مجبرون على ذلك. طبق واحد يتناولونه كُل يوم. يشتكون في سرّهم وكأنهم تعلّموا الصبر، أو ارتضوا أنهم خُلقوا للشقاء.

ويبلغ الراتب الشهري لعموم الموظفين في القطاع الحكومة المؤقتة في مناطق الشمال السوري، في حده الأعلى 2،400 ليرة تركية، وفي حد أدنى 1،300 ليرة تركية.

تخبط وعجز

انعكس استمرار ارتفاع الأسعار، خاصةً مع حلول شهر رمضان المبارك، على وجبات الإفطار والسحور للسوريين، والتي تحولت إلى موائد ووجبات متواضعة جداً غابت عنها الكثير من الأطباق والمواد الرئيسية، وتخشى شرائح واسعة من السوريين عدم قدرتها على توفير المواد الغذائية الأساسية.

يقول الخبير الاقتصادي عامر شهدا، لرصيف22: "الوضع الاقتصادي أثّر على نوعية الأكل. فمثلاً، العائلة التي كانت تشتري كيلو لحمة، أصبحت تستبدله بربع كيلو، أو تستبدل لحم الخروف بالدجاج"، مشيراً إلى "تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى في المحافظة ذاتها، وربما تقل في مناطق وترتفع في أخرى تبعاً للحي أو أجور النقل، وأغلب الباعة لا يضعون تسعيرةً لأن الأسعار في تبدّل مستمر وغالباً نحو الارتفاع، فلا يوجد ما يطمئن حول نسب التضخم المتوقعة طالما أن القدرة الاستهلاكية تنخفض كل أسبوع 15%".

يُلاحق الفقر والتعب كُل عائلة في سوريا ورمضان الذين كان كريماً في السابق لم يعد كذلك. صُبحية المنهكة من كُل ما جار عليها الزمان به في السنوات الماضية، تقف عاجزةً. تنظر إلى أطفالها يكبرون بشق النفس، ويأكلون وكأنهم مجبرون على ذلك

يُحذّر شهدا، من أنّ "الوضع المعيشي الراهن للسوريين سيزداد سوءاً، فالقرارات الحكومية الأخيرة غير كفيلة بمعالجة الوضع، ولم تأتِ بنتائج صحيحة، فالدوامة ذاتها نجدها تتكرّر عند كل متغيّر جديد، وتستمر لفترة بين الأخذ والردّ، لتخمد في النهاية أمام واقع تفرضه الأسعار المتغيّرة في اتجاه واحد صعوداً، ويتحمّل المواطن تبعات كل الأزمات العالمية، مضافاً إليها التخبط والعجز المحلي، الذي دائماً ما يزيد الطين بلّةً".

وسبق وحاولت السلطات السورية في مناطق النظام ضبط الأسعار، وذكرت حسابات الرئاسة السورية، في نيسان/ أبريل من العام الماضي، أن المرسوم رقم 8 للعام 2021، يحتوي على مجموعة "واسعة ومشددة من الضوابط والعقوبات التي تكفل تنظيم حركة الأسواق التجارية بما يجعل التلاعب بالأسعار، أو الغش في المواد، جريمة تستلزم الحبس والغرامة المرتفعة معاً، وهو خطوة تشريعية متقدمة لصون لقمة العيش، إذ تصل بعض العقوبات إلى حد الحبس سبع سنوات مع غرامات مالية كبيرة"، إلا أن لا شيء تغيّر بعد صدوره.

"وسط كل تلك الظروف، تتجاهل الجهات المسؤولة في مناطق النظام وخارجه الأزمات التي تسببت بها محاولة إلقاء اللوم على التجار، واتهامهم بأنهم من يقفون وراء معاناة المواطن السوري"، يختم شهدا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard