عن سعر صحن الفتوش في رمضان، السباق الانتخابي اللبناني وكل هذه الانكسارات

الأربعاء 13 أبريل 202203:59 م

على سطح أحد الأبنية المطلة على بحيرة صغيرة، جلسنا، مجموعة من الجنسيات العربية المختلفة، نتهافت على "شاورما الدجاج" الرخيصة بعض الشيء. بدأ الحديث عن أفضل محل لبيع الشاورما، كل في بلده، لنصل إلى الحديث عن من أين أتينا؟ ولماذا وصلنا إلى هنا؟ وعن بلداننا التي تهجّر الواحد تلو الآخر، وتضعه في ملجأ في سجنٍ أحياناً، أو عليه أن يبقى ليختار أن يموت "على البطيء"، كما كانت جدتي تقول لي...

الموت على "البطيء" يشبه هذه الشاورما إلى حد ما؛ يضعونك على هذه الأسياخ رغماً عنك، بعد أن يقطّوعك إلى قطع صغيرة وتُشوى ليوم كامل خاضعاً لسوق العرض والطلب، وفي النهاية سيأتي المنقذ الذي سيحصل عليك مطهياً... المفارقة ليست جميلةً بعض الشيء، أو إطلاقاً، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر أن هذا هو تماماً ما شعرنا به أنا وزملائي على سطح البناء هذا.

منذ زمن أسبق بقليل لـ"استراحة الشاورما" هذه، وأنا أسأل نفسي أين نذهب بكل هذه الانكسارات؟ أين نذهب بانكسار انتخابات في عام 2018 لم تفلح حتى في أخذ العبر؟ أين نذهب بانكسار ثورة أو انتفاضة أو سمِّها ما شئت، أخذت أكثر مما أعطت؟ أين نذهب بانكسار 4 آب/ أغسطس وانعدام الأمان؟ حقيقة لا أعلم.

الموت على "البطيء" يشبه هذه الشاورما إلى حد ما؛ يضعونك على هذه الأسياخ رغماً عنك، بعد أن يقطّوعك إلى قطع صغيرة وتُشوى ليوم كامل خاضعاً لسوق العرض والطلب، وفي النهاية سيأتي المنقذ الذي سيحصل عليك مطهياً... المفارقة ليست جميلةً بعض الشيء، أو إطلاقاً

كل ما أعلمه أنني قبل فترة ليست طويلةً، قررت أن أنسلخ عن الواقع انسلاخاً تاماً، وأن أعيش في فقّاعتي الخاصّة، My own bubble. ولم أعد معنيّةً بشيء، لا بسنين النضال ولا بقصص الدواء ولا بسعر الصرف ولا البنزين ولا قصص النساء حتى، ولا بشيء يمت إلى الواقع بصلة.

أردت وأريد كل يوم أن أقطع الصلة مع هذا الواقع، وألا أعود إليه. أن أنسى أنني جزء منه. البارحة جلست مع صديق جديد أخبرني بأنه لا ينتمي إلى أي مكان، وذلك لشدة سفره منذ الصغر مع والديه، وأخبرني بأنه لا يشعر بحسّ الوطنية في أي مكان. على العكس، لديه جواز سفر جيد من بلد يحترمه وهذا كل ما يريد. أردت أن أكون مكانه للحظة... لا ليس للحظة، بل طوال العمر المتبقّي كله. لا أريد أن أنتمي إلى مكان مجبول بالخيبات، إلى مكان مليء بالانكسارات الشخصية و"الوطنية".

لا أريد أن أنتمي إلى مكان مجبول بالخيبات، إلى مكان مليء بالانكسارات الشخصية و"الوطنية".


هنالك تلك الصحيفة الصفراء، حيث تركت "وطنيتي"، يكتب كل سنة ناشرها عن سعر صحن الفتوش في رمضان، وارتفاع هذ السعر عن العام الفائت. كل سنة، المقال نفسه بأسعار جديدة. لا عرفنا كيف نخفض سعر صحن الفتوش هذا، ولا عرفنا أن نتكب مقالاً أفضل عما هو أبعد من صحن الفتوش هذا. تعبت حقاً من هذه الانهزامية، وتعبت من أن نكون ورقة نعوة واحدة نُدخل فيها جميعنا أسماءنا، لنكون محور الكون وجزءاً من القصة.

تعبت لأنني أعلم أن لا سعر صحن الفتوش سينخفض، ولا أحد سيكتب مقالاً أفضل يعيدني إلى الواقع.

ثم أردت أن أعمم انكساراتي وأبكي على الأطلال أكثر، فتذكرت أن الانتخابات القادمة بعد فترة، وتذكرت مدى حزني أو غضبي أو خيبة أملي، لم أعد أعلم. حقيقةً، لا أريد أن أعلم شيئاً عن وجوه الناخبين والناخبات (اللواتي بالمناسبة عددهن قليل جداً وكأن الانتفاضة لم تكن كافيةً لتثبت دور النساء). لا أريد أن أعلم شيئاً عن اللوائح وخاصةً لوائح "المجتمع المدني"، الذي يعدّ نفسه جسر إنقاذ لنا جميعاً، وهو "ليس قادراً على أن ينقذ نفسه" من تشرذمه وذكوريته وإستراتيجيته المملة، لا بل تكيتكاته المعروفة مسبقاً.

سأنسى صحن الفتوش، وهذه الانتخابات "المشرّفة"، وسعر الصرف، وأموال أهلي في مصرف الحي، وهذه الدكانة التي نعيش فيها... لأنني اليوم أكثر من أي وقت آخر لا أريد أن أنتمي إلى أي شيء

سأنسى صحن الفتوش، وهذه الانتخابات "المشرّفة"، وسعر الصرف، وأموال أهلي في مصرف الحي، وهذه الدكانة التي نعيش فيها... لأنني اليوم أكثر من أي وقت آخر لا أريد أن أنتمي إلى أي شيء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard