لهم التسوق من إسطنبول وللشعب "الامتحان الإلهي"... يحدث في إيران

الجمعة 22 أبريل 202211:31 ص

أقوالهم لا تشبه أفعالهم؛ هذا هو حال الساسة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي أحدث مفارقة من هذا الشأن تسربت أنباء عن سفر زوجة رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف وابنته وصهره إلى تركيا لشراء مستلزمات المولود الجديد (حفيد الرئيس)، مما أثار ضجة واسعة النطاق داخل البلاد.

غرد الناشط الاجتماعي وحيد أشتري، المحسوب على التيار المحافظ الذي يسيطر على مقاليد الحكم في البلاد وأحد المتطوعين سابقاً للدفاع عن نظام بشار الأسد في سوريا، في تغريدة على تويتر: "وصلتني صور من عائلة ترتدي الحجاب (التشادور الإيراني)، قادمة من رحلة تركيا، تواجه مشكلة ما في قسم تسليم البضائع في مطار طهران، وذلك لكثرة السلع المستوردة.

وبعد تدخل طاقم المطار والسماح لهم، تبيّن أنها أسرة أحد المسؤولين حيث جلبت معها عربة الأطفال وحقيبة حمل المولود وسريراً وغيرها، مما يدل أنهم ذهبو لشراء مستلزمات المولود الجديد، وبعد المتابعة الجادة من المطار وشركة الطيران تبين أنهم كانوا كلاً من السيدة زهراء مشير (زوجة رئيس البرلمان)، ومريم قاليباف (ابنته)، وأمير رضا بحيرائي (صهره)".

وختم وحيد أشتري تغريدته مساء الثلاثاء 19 نيسان/أبريل: "أبارك للسيد قاليباف المولود الجديد، ولكن صدقوا أنه لا يمكن أن تجلسوا عالياً وتتحدثوا مع الشعب عن الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل ومنع استيراد الأجهزة المنزلية وإنتاج سيارات وطنية، من ثم تودعون أُسَرَكم لشراء مستلزمات البيبي حديث الولادة إلى تركيا".

حلال علی المسؤولين وحرام علی المواطنين

ومنذ لحظة نشر التغريدة تفاعل رواد منصات التواصل الاجتماعي مع هذا الحدث معظمهم استنكر هذا الفعل واعتبره متناقضاً تماماً مع حديث المسؤولين الإيرانيين الذين يطالبون الشعب التحلي بالصبر أمام ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية التي تتثاقل على المواطن على مدار الساعة دون توقف.

"أبارك للسيد قاليباف المولود الجديد، ولكن صدقوا أنه لا يمكن أن تجلسوا عالياً وتتحدثوا مع الشعب عن الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل... من ثم تودعون أُسَرَكم لشراء مستلزمات البيبي حديث الولادة إلى تركيا"

وبين ما طالب بعض السياسيين من التيار الداعم لرئيس البرلمان بتقديمه اعتذاراً للشعب، ذهب بعض الناشطين في منصات التواصل على استقالته من منصب رئاسة البرلمان، أما البعض الآخر أراد استقالته من نيابة البرلمان. ولكن أشارت تعليقات بعض الرواد أنه لن يحدث شيئاً، وسيبقى قاليباف رئيساً، حيث سبق وتسربت أخبار عن فساد اقتصادي أو أخلاقي للمسؤولين، لكن لم يحرك النظام ساكناً لعزلهم من مناصبهم أو محاكمتهم.

ابن الرئيس يعتذر

وسارع إلياس قاليباف، الابن البكر لرئيس البرلمان، عبر حسابه على إنستغرام بمنشور عنونه بـ"خطأ لا يغتفر"، أيّد بذلك سفر أخته وزوجها إلى تركيا دون أن يذكر تواجد والدته معهما، موضحاً "من المؤكد أن هذا السفر في ظل هذا الوضع الاقتصادي الذي يمرّ به الشعب هو خطأ، ولكن هذه الرحلة لم تكن لشراء مستلزمات المولود الجديد والأنباء التي نشرت تحمل أخطاء وتعظيماً للموضوع، كما كان والدي مخالفاً لهذا السفر ولكن دون جدوى. بدوري أعتذر من الشعب، ولا بد من أن يعتذرا"، في إشارة إلى أخته وزوجها.

وتوالت نحو سبعة آلاف تعليق تحت منشوره، معظمها توحي عن غضب شعبي واسع بين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين يعانون هذه الأيام من ارتفاع حاد لأسعار الإنترنت وتقييدها وقلة جودتها وفق خطة برلمانية برئاسة محمد باقر قاليباف.

وعن محاولة إلياس قاليباف لتبرير والده من سفر ترکيا وعدم ربط الموضوع به، جاءت التعليقات المتتالية تصرح على أن الرئيس الذي لا يستطيع أن يقنع زوجته وابنته بعدم شراء ماركات عالمية والسفر إلى خارج البلاد لا يحق له أن يتدخل في شؤون حياة المواطنين وحرياتهم الفردية وسن قوانينَ تخالف الرأي العام.

ووفق عادة إيرانية، تتولی أسرة العروس بتكاليف شراء مستلزمات المولود الجديد الأول، وهذا ما يدل علی أن البضائع المستوردة التي كانت موقع نقاش مع طاقم مطار طهران لكثرتها هي علی نفقة رئيس البرلمان وزوجته التي ذهبت لشرائها إلی ترکيا. هکذا عبر البعض علی أن محمد باقر قاليباف لم يمانع زوجته وابنته من السفر.

تناقضات تطال حياة مسؤولي الجمهورية الإسلامية

وفي بداية عام 2022، انتشر مقطع فيديو يسجل فيه الرئيس السابق لشرطة طهران، العميد مرتضى طلائي، أحد أبرز المقربين من الرئيس قاليباف، وهو يمارس الرياضة في نادٍ رياضي في كندا، مما أثار استياء الإيرانيين. وبدت الإشارات إلى هذه التناقضات الحادة بين حياة المسؤولين وأبنائهم وما يتفوهون به للشعب ويفعلونه في دهاليز الحكم تأخذ في تصاعد بعد الضجة التي أحدثتها رحلة زوجة قاليباف وابنته وصهره إلى تركيا.

وبين ما قام مستشارو رئيس البرلمان بالدفاع عنه في محاولة للفصل بين سلوك الأولاد والآباء، رد بعض النشطاء السياسيين والاجتماعيين بنشر مقطع فيديو يعود لفترة الانتخابات الرئاسية عام 2016 حيث يتحدث فيه المرشح قاليباف في مناظرات مع الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني موضحاً: "أيها الناس! وزير التعليم يجلب مستلزمات الرضع من إيطاليا. هل سيتعافی اقتصادنا؟ کلا!"، مستفسرين عن سر هذا التناقض الذي يعيشه المسؤولون الذين أطلقوا على أنفسهم ثوريّين جاءوا لنجاة الشعب من حكومة الرئيس روحاني الليبرالية المتآمرة والمتواطئة مع الغرب ضد الثورة الإسلامية الإيرانية وقيمها.

وضع معيشي متأزم والقادة يطالبون بالصمود

الاصطفاف الكامل للقوى وتناسق السلطات داخل إيران لم يأت بحلول إيجابية للشعب الإيراني من شأنها أن تخفف من معاناتهم كما ظن التيار المحافظ المسيطر اليوم على جميع أروقة الحكم في البلاد. وجلّ ما جاء به المسؤولون هو الحديث عن انفراجات قريبة على صعيد جميع الأزمات، ولكن لا يراها المواطنون سوى وعود أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة. وهذا ما زاد من غضب الشعب تجاه سلوك المسؤولين وأسرهم الذي لا يتناسب مع شعاراتهم الرنانة التي توحي بدعم الانتاج الوطني.

وعجزت حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي التي تتمتع بدعم شامل من مكتب المرشد الأعلى والبرلمان والسلطة القضائية والحرس الثوري عن إحياء الاتفاق النووي الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً اقتصادية واسعة ويرفع العقوبات. وإلى جانب إلغاء السعر الحكومي للدولار واتخاذ قرارات اقتصادية غير مدروسة، أرتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية في موائد الأسر خلال أول شهر من السنة الإيرانية الجديدة (نيسان/أبريل).

مطالبة الشعب بالالتزام بسياسة الجمهورية المناهضة لأمريكا والغرب، والدعم اللا محدود للإنتاج المحلي المتواضع بجودته وأسعاره الخيالية، جعل الشعب يرى شيئاً ويسمع شيئاً آخر؛ ترفٌ في حياة المتشبثين بالحكم ومقاومة من قبل الشعب

ومع هذا الوضع لم يتوان الرؤساء ومنهم الجنرال السابق في الحرس الثوري محمد باقر قاليباف، الصديق المقرب لقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي اغتيل على يد الولايات المتحدة بداية عام 2020، عن خطاباتهم حول ضرورة الصمود والمقاومة أمام العقوبات والالتفاف عليها وعدم وجوب التفاوض مع الدول العظمى مؤيدين ذلك عبر خطب صلاة الجمعة التي تتحدث عن أن الغلاء المعيشي هو امتحان إلهي وعلى المسلمين أن يتحملوا ذلك.

لا يحب المواطنون في إيران التدخل في خصوصية حياة الآخرين والحريات الفردية، بل إن تدخل نظام الثورة الإسلامية في حياة الشعب من خلال سن القوانين وتطبيقها بالقوة وحرمان معظم الشعب من حقوقه المشروعة الفردية وحقوقه العامة على مدى 43 عاماً بحجة تنفيذ الشريعة، ومطالبته الالتزامَ بسياسة الجمهورية المناهضة لأمريكا والغرب، وتقبيح الاستيراد والدعم اللا محدود للإنتاج المحلي المتواضع بجودته وأسعاره الخيالية، جعل الشعب يرى شيئاً ويسمع شيئاً آخر؛ ترفٌ في حياة المتشبثين بالحكم ومقاومة من قبل الشعب الذي يعيش نحو 12 مليون نسمة منه من أصل 85 مليون، تحت رحمة مؤسسة الإغاثة الحكومية (کُمیته اِمداد)، إضافة إلی الملايين من الأسر التي تساندها المؤسسات الخيرية الأهلية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard