سوريا غداة العهد العثماني... "ولاءات متضاربة" داخل "الحركة القومية العربية"

الجمعة 22 أبريل 202210:03 ص

في ختام تأريخه للاثنين وعشرين شهراً (تشرين الأول/ أكتوبر 1918- تموز/ يوليو 1920) التي تولّت في أثنائها الحكومة العربية السلطة على سوريا، في عهدة الأمير فيصل بن الحسين الهاشمي الحجازي، ينتهي الكاتب جيمس ل. غيلفين، في كتابه "الولاءات المتضاربة، القومية والسياسة الجماهيرية في سورية مع أفول شمس الإمبراطورية" (1999)، إلى إثبات أمرين: أولهما أن المدة هذه، وحوادثها التي روتها الأربعمئة صفحة السابقة من كتابه، أسهمت في إرساء إطار الدولة-الأمة (أو الدولة الوطنية، "القومية")، وأدخلت مجتمع الجماعات السورية في هذا الإطار، طوعاً أو كرهاً، وحملت السوريين على الجمع بين مناهضتهم الدولة والسلطة وبين انتسابهم المعلن أو المضمر إلى جماعة سياسية واسعة ومشتركة.

والأمر الثاني أن حوادث العهد الفيصلي آذنت بقيام ثورتين كبيرتين، وقريبتين زمناً، هما الثورة السورية الكبرى، ثورة جبل العرب الدرزي قبل أن تعم مناطق سوريّة أخرى، في 1925-1927، على سلطة الانتداب الفرنسي، وثورة فلسطين الكبرى (1936-1939)، التي انفجرت رداً على الكتاب الأبيض البريطاني في شأن الهجرة اليهودية.

وقرينة غيلفين، المؤرخ، على اتصال نسب هذه الحوادث، واشتراكها في عوامل قد تكون متقاربة، هي انخراط بعض قادتها البارزين، على شاكلة عبد القادر سكر ورمضان شلاش وأحمد مريود وغيرهم، فيها كلها وجميعاً. وربما على مثال سياسي وأيديولوجي واحد، على ما لا يصرّح غيلفين. ولكنه يلمح، حين يذهب إلى أن الفصل الفيصلي من الحركات الوطنية والاستقلالية العربية، وهو افتتح ما يسميه "سياسة وطنية شعبية في الشرق الأوسط العربي استمرت، على صورة أو أخرى، إلى يومنا هنا" (ص. 394-396/ شاهد معدّل الترجمة من الطبعة الصادرة عام 2021 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر/ لبنان، ترجمة عمرو الملاح).

النُّخب والعامة

ويدل "يومنا هذا" على ما يتجاوز أثره اشتراك بعض القادة في حركات سياسية وعسكرية تجمعها سمات "عائلية". فهي اتصلت قواها السياسية والاجتماعية والأهلية، وبرامجها، وجغرافيتها، وتوالت أوقاتها بين حدين تاريخيين هما الحرب العالمية الأولى والحرب الثانية، وصبغتها بصبغتها العوامل التي رسمت ملامح حقبة ما بين الحربين العالميتين:

1) فدَخَلَ تعميم الدول-الأمم الغربية، الأوروبية والأميركية، أشكال اجتماعها أو عمرانها السياسية والاقتصادية والثقافية على "المعمورة" طوراً جديداً "عمّق" توسع رأسمالية القرن السابق وإمبرياليتها وحداثتها،

2) وبلغت العولمة الأولى، التي باشرت مسيرها في الربع الأخير من القرن التاسع، ذروتها في أثناء "التعبئة العامة" التي شهدتها الدول المتحالفة والمتحاربة،

3) وخرجت الإمبراطوريات القارية (الأوروبية)، الوسطى (ألمانيا والنمسا) والشرقية (روسيا) والجنوبية (السلطنة)، والتي تسلّطت على العلاقات الدولية طوال القرنين السابقين، من الحرب "الكبرى" متصدّعة ومُخلية محلها غالباً لدول-أمم استأنفت أبنية تاريخية متفاوتة التماسك،

4) وولّد انقسام المجتمعات والشعوب والدول والأقوام والجماعات، على نفسها وبعضها على بعض، مثالات جديدة من النظم السياسية والاجتماعية، وأجّجت منازعات الدول والشعوب، وغذّت استقطاباتها الداخلية والخارجية، وسرّعت نازعين عالميين ومتناقضين إلى التجانس وإلى التفاوت والتباين.

والمؤرخ الأميركي يحمل العموميات التي تقدّمت للتوّ على محمل الجد. فموضوعته، أو ما يطرح على البحث والتقصّي إثباته أو نفيه والأغلب الجمعَ بين نفيه وإثباته على صورة مركّبة، يختصرها في مواضع كثيرة من عمله. فيقول: إن النخب التي دعت إلى قومية عربية جامعة، ثم اضطلعت بأعباء الحركة القومية العربية التي تمثلت، أول ما تمثلت، في الحكومة العربية الفيصلية بسوريا، ليست إلا الشطر الفوقي والجزئي من الحركة الوطنية والاستقلالية التي شغلت حوادثها ووقائعها الاثنين والعشرين شهراً "العربية". فهي دور أو وقت أول من أدوار أو أوقات سيرورة ينبغي أن تبلغ تمامها المفترض في "دولة-أمة"، أو، في صياغة أخرى، في دولة وطنية.

أما الشطر الثاني، أو الدور الآخر من هذه السيرورة وفيها، فهو الشطر الشعبي، أو العامي (نسبة إلى عامة الشعب)، في مقابلة النخب وعلى خلافها. فالعامة تحتية، ولا تقتصر على شبكة ضيقة، شأن النخب، يكاد يسبق تعريفها تعارفها والتقاءها وتفاعل حلقاتها. والعامة عصيّة على الجمع والتوحيد. وهي كثيرة المصالح ومتنازعة. ويقتضي جمعها إعمال التحكيم والتركيب و"السياسة" في جماعاتها وكتل مصالحها. وتسعى السياسة العامية، أو الشعبية (في مصطلح المؤرخ)، على صورتها المثالية، في بلوغ موازنة جامعة ودقيقة، على قدر الإمكان، بين منازع ومصالح ومصادر متفرقة، على أضعف تقدير، ومتباينة ومتناقضة على أقواه.

"الفكرة" الجوهرية

وعلى هذا، ثمة حركتان قوميتان متنازعتان ومختلفتان، أو على وجه الدقّة ثمة حركتان سياسيتان: واحدة قومية، حملت لواءها نخب الأعيان وكبار الموظفين والضباط العثمانيين السابقين وملّاكي الأراضي وشيوخ العشائر، وأخرى وطنية أنشأتها أو ارتجلتها، وفي سياق الحوادث، "طوائف" صغار تجّار الأسواق في المدن، وقبضايات الأحياء، وعلماءٍ- تجّار، وأئمّة مساجد ومدرّسين، ولاجئين من الأرياف الجائعة والمضطربة، ومسرّحين من الجندية...

ويتستر الكلام على حركة قومية عربية واحدة ومتجانسة، نشأت عن يقظة العرب (عنوان كتاب جورج أنطونيوس "يقظة العرب"، 1939، المرجعي) ومقاومتهم التتريك وانبعاث هويتهم، أو عن الإحياء الإسلامي الوهابي ثم العثماني، أو عن فتوحات محمد علي باشا الأرناؤوطي المصري في النصف الأول من القرن التاسع عشر- وهي كلها صيغ توحيدية وفكرية أو "روحانية" جوهرية- يتستر هذا الكلام على انقسام الحركة السياسية، ومنازعاتها الداخلية وانقساماتها التي بلغت في أحوال كثيرة حد الاقتتال، ولم تعف عن التخوين والتكفير.

في العهد الفيصلي، أثناء حكم الأمير فيصل لسوريا، دمجت اللجان (الوطنية والدفاع) شبكة علاقات فاعلة و"مضمرة" وسابقة، مثل القرابة والجوار والحرفة والعلم الديني، في هيكل عام يتخطاها إلى الإطار الوطني، السوري، وأمست الأسواق والمساجد "معامل" التعبئة السياسية

وتناولُ المسألة القومية-الوطنية على وجه التقصّي التاريخي، السياسي والاجتماعي والثقافي، ردٌّ عملي وإجرائي، إذا جازت العبارة، على تواريخ شائعة، معظمها كُتب بالعربية وكتبه كتّاب عرب. ويأخذ المؤرخ الأميركي على هذه التواريخ- وكثرتها إما مذكرات، وإما دراسات جامعية يتذرّع بها مناضلون، أو عائدون من النضال، إلى تسويغ انخراط سياسي معاصر- اقتصار مادتها الأولى ووثائقها ومراجعها على كتابات متعلّمين مثقّفين (على معنى مهنيّ)، وعلى أفكار هذه الكتابات ومصطلحاتها.

ففي أعقاب سبعين عاماً على المرحلة الفيصلية، في عدّ عكسي تقريبي من 1990 إلى 1920، لا يزال كتّاب التاريخ المعاصرون، حين ينكبّون على دراسة أصول الحركات القومية والوطنية الحديثة، يولون عنايتهم عدداً قليلاً من أفراد النُّخب المحلية. ويخصّون هؤلاء بصفة التأسيس ودور الريادة والدعوة (ص 26-31). ويدور الخلاف في المسألة هذه على تعريف ما يؤرّخ له: هل هو البدايات الفكرية لتيار فكري أقام على هذه الصفة (ما وسعه الأمر)، وعلى حِدةٍ من المنازعات السياسية والاجتماعية (إذا جاز ذلك)، أم إن ما يؤرّخ له هو واقعة تاريخية عريضة وفعلية صنعتها مجتمعات برمتها، في ظروف دولية وإقليمية ووطنية محلية موصوفة؟

والحق أن التأريخ الذي يتخذ "الفكرة" الجوهرية محوراً ونواةً، ليس فكرياً خالصاً، فهو سياسي واجتماعي على رغمه. وحين يستعيد غيلفين هذا الوجه من التأريخ ومن التاريخ، معاً، يتناول الحيثيات أو الإنّيات السياسية والاجتماعية. وهو يستعيده من باب الجماعة الفيصلية التي تحلّقت حول الشريف الهاشمي المكي والحجازي، ووافت والده الشريف حسين حين دعا إلى "ثورته العربية"، البريطانية البواعث والتخطيط والتوقيت والقوة، في 1916. وواكبت هذه الجماعة المؤلفة من "كبراء" الطبقات الغالبة والسائدة في عصبياتها و"الملّاكة"، ومن أعيان البيروقراطية الإدارية والعسكرية والعلمية العثمانية، في شقيها المدني والديني، الجيش العربي، القبلي والنظامي المنشق، ودخلت في ركابه، وعلى ميسرة قوات أللنبي البريطانية، دمشق، ونادت بها عاصمة لمملكة عربية موعودة ومتخيّلة.

وورث الفريق الفيصلي تاريخاً عروبياً وعربياً قريباً. وانتقل معظم أفراده من حركة إحياء ثقافي ولغوي، لابسها تجدّد سلفي إسلامي وربما سبقها في تركيا والهند، إلى مطالبة عملية ومصلحية بحصّة من المناصب الإدارية، وببعض السلطة في الولايات وعلى مستوى السناجق والمديريات والنواحي. وتولى المطالبة هذه مَن عادت عليهم "التنظيمات" وثمراتها الاقتصادية والقانونية والتعليمية، بعوائد ظاهرة. فرفعت مكانتهم، ووسّعت دوائر أنشطتهم وعلاقاتهم، ورفدتهم بعوامل أقدرتهم على تجديد العوائد والمكانة والعلاقات وفرصها.

ائتلاف هش

وحملت ظروف التكوين هذه النّخب من المتنوّرين، على ما يسمّيهم الكاتب، المترجّحين بين الانتماء إلى النظام وبين الخروج الجزئي عليه، على انتهاج طريق العمل السري. فأنشأوا جمعية "العربية الفتاة" وجمعية "العهد" و"المنتدى الأدبي". واستمالت الأولى، بين 1909 و1918، في أول أمرها طلبة عرب من غلاة القوميين، يدرسون في معاهد جامعية عالية بباريس. وغلبت فئة الضباط (30 في المئة من عديدهم) على المنتسبين، وتلتهم فئة المهنيين (22 في المئة)، ودعت الروابط العصبية يبن الأسر الدمشقية، وكثير منها يتزوج في أسرة عراقية وفلسطينية وأردنية وحجازية ويزوّج بناته في الأسر المشرقية، إلى تأييد الثورة العربية الهاشمية. ويتقدّم هذا الداعي "القرابة العقائدية" بين السوريين والمكّيين.

فما أن انسحبت فلول القوات العثمانية من الولايات العربية الشمالية حتى استولى أعضاء "العربية الفتاة" الفيصليون على المناصب والوظائف والمرافق. ورقّي مَن كانوا "محتسبي" الجمعية، أي الصف الثاني من الأعضاء والمرشحين إلى العضوية الناجزة، إلى رتبة "المؤسسين" الأولى. وتقاطر على الانتساب، وعلى المناصب التي يسوغها ويتيحها، جمهور من الفئة الاجتماعية هذه. فأنشأت لجنة "الفتاة" الإدارية حزب الاستقلال العربي، وفتحت أبوابه على مصاريعها في وجه الطامحين والأنصار، وغضّت النظر عن تعاونهم القريب زمناً مع الجهاز العثماني، من غير استثناء شطره العسكري والأمني.

"حين دخل ثلاثة آلاف من رجال العشائر إلى حلب، في تموز/ يوليو 1920، ودخل عشرة آلاف منهم إلى دمشق، عشية معركة خان ميسلون، خاف أهل المدينة الوافدين ‘قدر خوفهم (من) الفرنسيين’"

ولم يتأخر انفجار المنظمة الأم ("الفتاة")، وفرعها الجبهوي (الاستقلال) إلى شظايا وشراذم متحاربة. وتعدّدت عوامل الانقسام بين خلاف على الملكية والجمهورية، وتنافس السوريين وبطانة فيصل من الحجازيين والعراقيين والفلسطينيين على المناصب والعطايا، والقبول باتفاق فيصل وكليمنصو أو رفضه أو المطالبة بانتداب أميركي. وكان الانقسام، على هذه المعايير، وهذا النحو، علامة جليّة على هشاشة الائتلاف الضمني الذي حلّق حول فيصل، و"الثورة العربية" الشريفية والمكية الحجازية من قبل، تكتّلاً رخواً من أعيان العصبيات المدينية والقبلية، وذوي الرّتب العسكرية العالية، والمهنيين الجامعيين، والعلماء المجدّدين، وأولاد شيوخ طوائف الحرف والطرق الصوفية.

وفي المرات كلها التي اختَبَرَت فيها حادثة "كبيرة" تماسكَ الدولة والمجتمع "الوطنيين"، تكشف "الكيان" المحدث والمرقَّع عن شروخ يستحيل رقعها. هذا ما جرى أثناء حوادث على مثال مجيء لجنة كينغ-كراين الأميركية لتقصّي آراء الوطنيين المحليين في الانتداب والاستقلال، أو الإعلان عن معاهدة سان ريمو، أو انسحاب القوات البريطانية من "سوريا الطبيعية" إلى العراق و"أزمة الاستبدال"، أو تقارب فيصل وكليمنصو وفيصل-وايزمان، أو الكشف عن البنود السرية في اتفاق سايكس-بيكو، أو هجوم بعض أهالي حلب على اللاجئين الأرمن وإرداء قتلى فيهم، أو حملة تطويع جنود في الجيش العربي، أو الإجراءات الاقتصادية غداة انهيار العملة المصرية...

تناسل المنظمات

والمثل الذي تقدّم للتو على انفجار جمعية "العربية الفتاة" حال ارتطامها- في الشهر الأول من 1919، ولما تمر أربعة أشهر على "فتح" الجيش العربي عاصمة الأمويين (في لغة العصر و"ذاكرتها" التاريخية والأسطورية)- بالمصالح العملية والأحكام السياسية الملحة، يصلح هذا المثل أنموذجاً لأشباهٍ له كثيرة طبعت بطابعها المنعطفات الكثيرة على طريق إنشاء الدولة-المجتمع.

والشطور الثلاثة التي تخلّفت عن خطوة فيصل الديبلوماسية، ولّدت أحزاباً وحركات سياسية. فخرج من حزب الاستقلال العربي، وهو فرع عريض على نواة مؤسسي "العربية الفتاة" الضيقة وعلى محتسبيها، الحزب الوطني السوري. ونصبُ مطالبته إقصاء "الغرباء"، بطانة فيصل "القومية" المشرقية والعربية، عن المناصب "الوطنية" السورية. وارتأى فيصل تقليص دور حزب الاستقلال وإنشاء النادي العربي محله. وخرجت من الحزب الوطني ومن الاتحاد السوري "المصري"، من غير أن تنضم فعلاً إليهما واقتصر أمرها على مماشاة جزئية لهما، جماعة كبيرة أنشأت، في الثلث الثالث من 1919، منظمة جماهيرية، اللجان الشعبية، المدنية، ولجان الدفاع الوطني، العسكرية، في وقت لاحق. (واستعاد "الخبراء" الإيرانيون في سوريا، منذ 2012-2013، الاسم العسكري، وأطلقوه على متطوّعين علويّين محليين وعلى بعض المنشقّين عن الجيش السوري الذين رجعوا عن انشقاقهم).

وانصرف النادي العربي إلى إقامة حفلات شاي واستقبال في صالونات عائلات الطبقة الأولى (عشر عائلات) والطبقة الثانية (خمسون عائلة، على ترتيب فيليب خوري). ودعا إلى المحاضرة في "نهضة الأوطان"، ورعى ندوات مدرسية تزكّي "القيم الوطنية (القومية)". ونظّم تظاهرات وحملات عرائض أوكل إليها التوسط بين نخبة النخب القومية وبين قيادة شعبية وعامية جنينية. والتحقت جماعات من الشبان والفتيان العاميين بالتظاهرات وحملات العرائض التي بادر إليها النادي العربي. إلا أنهم خرجوا على "اعتدال" التظاهرات والحملات، وعلى إنشائية لغتها الخطابية، و"تهوّروا" في هتافاتهم وهاجموا مواقف وآراء حكومية، صدر بعضها عن فيصل نفسه، وأعربوا عن معارضتهم سياسة الأمير الديبلوماسي والساعي في مهادنة الفرنسيين. فسُمّوا "المتهوّرين"، وهم طليعة سلالة خلف بعضها بعضاً، وورثت التطرُّف عن التهوّر، والمغامرة عن التطرّف، والفوضى عن المغامرة، والتخريب عن الفوضى...

وذرّت الخلافات داخل النادي العربي وفي "الشارع". وغلبت كفّة اللجان الشعبية على كفة النادي، ومن ورائه الحكومة وفيصل. فعلى خلاف النادي، وأنشطته "الاجتماعية"، والمقتصرة على العائلات الميسورة وأبنائها وبعض بناتها، وسياسة الأعيان القائمة على المنافسة بين الأسر (ص122)، نسج "المتطرّفون" صلات، يصفها المؤرخ بـ "العضوية"، بأهالي دمشق. و"الأهالي" (وليس السكان) هم جماعات: أهل الأسواق، وأهل الحارات، وأهل الحرف، وأهل العلم... وإذا قيل أن حسن الخراط (قبضاي من حي الشاغور بدمشق، قاتل الفرنسيين في 1920 وفي 1925) انخرط في لجنة حيّه الشعبية، كان معنى ذلك أن شطراً كاملاً من حي الشاغور مشى وراء قبضايه.


حسن الخراط

"لما هاجم المسلحون الفرنسيين في سوريا، وهم على حالهم من التدافع، قلعة حلب، وقع انفجار في مستودع السلاح، في 21/7/1920، فقتل 500 إلى 600 مدني، وقَتَلَ نهبُ مخزن السلاح في دمشق نحو 100 سوري، وجرح نحو 120 إلى 200"

ويذهب غيلفين، في ضوء الملاحظة على "الأهل" و"الحي"، إلى أن أعضاء الجناح الشعبي أو العامي من النادي "نشروا لوناً خاصاً من القومية العربية في سوقي الحميدية ومئذنة الشحم، وفي أحياء الشاغور وباب سريجة والسويقة". ودعوا إلى بذل النفس في سبيل استقلال ناجز لا يقيّده إشراف أو انتداب ولا حماية (ص 115- 116). وعلت مكانة التعبئة العسكرية، وتمويل المتطوّعين والتسليح، على ما عداها. وعارض فيصل، وهو شاور نوري السعيد في ضبط النادي العربي، نهج اللجان هذا. فقدَّم "العلم" على "السياسة"، و"الأخوّة" على "الحزبية". وعدَّ السياسة والحزبية انحرافاً عن طريق الثورة العربية (الشريفية) والحكومة العربية (الفيصلية).

وشق الخلاف على الاستقلال- وهو خلاف على كيان الدولة-المجتمع، وعلى حدوده وجماعاته وروابطه وجواره وهيئاته وإدارته- الجماعات كلها. ولم تخرج اللجان الشعبية وحدها من النادي العربي، ومن عباءة الحكومة والائتلاف الذي يؤيدها ويهيمن عليها. فحرّض على الحكومة فريق من رؤساء تحرير بعض الصحف (خير الدين الزركلي وتوفيق مفرج وحبيب كحالة)، هم أعضاء بارزون في النادي العربي. وباشروا، منذ ربيع 1919، أي قبل المبادرة إلى إنشاء اللجان الشعبية، تنظيم جماعات سرية مناوئة لفيصل وفريقه. وسمّوا جماعتين، أو عصابتين منها، "الكف الأسود" و"القضاء المُبرم". ويلوّح الاسمان بأعمال انتقامية تتوسل بالابتزاز والمصادرة، ولا تعف عن القتل. ووُزّع في دمشق بيان يدين فيصل بتقسيم العالم الإسلامي، وبمهادنة الإمبريالية والاستعمار، بينما يقاتلهما الترك العثمانيون والكماليون في الأناضول القريبة ويبلون في قتالهما.

القيادة الشعبية

والمقارنة الحربية، أي حين ينشئ مصطفى كمال، على مشارف حلب، ومن شتات الجيش العثماني، قوة عسكرية متماسكة أملت على القوات الفرنسية الجلاء عن الشريط الأناضولي، وعلى الحلف الأوروبي الغربي إبطال سلخ كيليكيا وأورفة وديار بكر وفان عن تركيا (ولا يُغفل هذا المأساتين اليونانية والأرمنية)، غداة فصل المنطقة الساحلية عن "الداخلية" الشرقية السورية وعشية زحف الجيش الفرنسي على المنطقة الشرقية، هذه المقارنة ليست مسألة ثانوية. فهي صدى هيمنة قضية الدفاع عن الاستقلال الموعود على الحياة السياسية، وتكتلاتها وعلاقاتها.

ولما كانت "الدولة" العربية المتخلفة عن السلطنة ركاماً من أبنية إدارية، ومرافق معاشية ومالية واقتصادية ودينية، ومواصلات، متصدّعة، على خلاف الدولة العثمانية التي ورثها الكماليون، آلت قضية الدفاع عن الاستقلال، وعن "الدولة" السورية و"الشعب" السوري، إلى أيدي الفريق الشريفي، وطاقمه الحاكم وأجنحة المنظمات السرية ونوادي الدعوة، وإلى جماعات اللجان الشعبية، ولجان الاتحاد الوطني، والجمعيات الأهلية المحلية، والنازحين الفلاحين والبدو من البوادي والأرياف...

وتصدّت "البلاد" السورية المتفرّقة، وتصدّى "الأهالي" السوريون المتفرّقون، لمهمات تحصيل الاستقلال، والدفاع عنه، وإرسائه على دولة مجتمعة وشعب ومجتمع موحدَيْن ومتماسكين، وذلك في آن واحد، ومن طريق مهمة أولى هي بناء جيش وطني وشعبي. والحق أن نمطاً جديداً من القيادة المحلية نهض على أنقاض الأبنية الإدارية والاجتماعية والإقليمية في بعض أنحاء سوريا ومدنها، وأبرزها حلب. فأقدم صغار التجار والعلماء والتجّار-العلماء والقبضايات واللاجئون الجدد إلى المدينة على انتخاب لجنة عليا، توّجت لجان الأحياء والأسواق ومندوبي الجمعيات المهنية والعائلية. وتولّت اللجنة العليا وظائف حكومة ظل أو حكومة موازية.

فَجَبَتْ الرسوم، والتبرّعات من الموسرين، وجهّزت من المتطوّعين ميليشيا درّبتها وسلّحتها وألبستها زيّاً نظامياً واحداً، وسيّرت دوريات وفّرت الحماية والأمن في الحارات والطرقات والأسواق والمرافق العامة، ووزّعت من المؤن التي اشترتها أو صادرتها حصص إغاثة على المحتاجين. ولكن هذا العمل، وهو دور أو وقت فوق ما هو سياقة أو سيرورة متصلة ومتكاملة، بعث منافسة "رجالات" الحكومة والنادي العربي.

فدعا ياسين طه الهاشمي، رئيس ديوان الشورى الحربي في الحكومة العربية، إلى تجنيد 12 ألف متطوّع للدفاع عن سوريا، غداة انسحاب القوات البريطانية في أيلول/ سبتمبر 1919، وأمر بتسريح الجيش العربي، الفيصلي و"النظامي" (ومعظمه قبلي حجازي وشرق أردني). ونزع سلاح بعض وحداته، المعروفة بولائها الشخصي لفيصل. وأنشأ، في غياب فيصل، المشارك في مؤتمر الصلح وحواشيه، هيكلاً عسكرياً سمّاه لجنة الدفاع الوطني، واشترط على المجنّدين موالاته هو حصراً. (وتتمة المغامرة هي خطف البريطانيين الضابط العثماني الكبير، ونفيه إلى فلسطين بعد حل تشكيله، وانتقاله إلى العراق حيث ابتدأ سيرة سياسية جديدة).

وحذا بعض الأعيان حذو ياسين الهاشمي. فتولى فخري البارودي، وهو من "العربية الفتاة" في أثناء الحرب، ونسيب البكري، من الأسرة المعروفة، تجنيد 300 متطوّع، ولم يفارق تجنيد بعضهم الورق الذي خُطّ عليه، وسلّح محب الدين الخطيب بعض أقربائه من العلماء والعامة. وحشد ياسين كيوان وحمدي جويجاتي مقاتلين قاتلوا في ميسلون. وغلب على تجنيد الأعيان سراياهم الخاصة طابعٌ مشهدي ومسرحي. وخاف بعضهم بعضاً، وتوجّس شراً من استعمال الجند في العدوان عليه. فانفرد واحدهم بالتجنيد لمصلحته، وجعل ميليشياه جيشاً خاصاً وتابعاً "للسيد".

فخري البارودي

ولمّا حاول كامل القصّاب، أحد أقطاب القيادات العامية ومقدَّم حي القيمرية وداعية إنشاء اللجنة الوطنية العليا، إرساء البناء العسكري على قاعدة منظّمة ومشتركة، أحبط زملاؤه مسعاه. وأخفق مسعاه الآخر في إحلال اللجنة الوطنية العليا، المنتخبة، محل المؤتمر السوري العام، "البرلمان" المولود من مزيج من الترجيح والمفاوضة. وحمل فيصل على اللجنة، وشق صفوفها، واصطنع "معارضة موالية" من ضباط الجيش العربي والمدرّبين، وعزم على نفي أمثال كامل القصّاب.

العصابات و"الحروب"

وتحدّرت من اللجنة الوطنية العليا (أو اقترنت بها)، ومن مؤتمرها العام في الأسبوع الثالث من كانون الثاني/ يناير 1920 ولجنته الإدارية، ثلاثة أحزاب: الاتحاد السوري، والوطني السوري، والديمقراطي. وتنافست الحكومة واللجنة على التبرعات، على نحو ما تنافستا على التطويع والتجنيد، وعلى الإغاثة. وفي العام الثاني من عهد الحكومة العربية، والثلث الأخير من 1919، انتشرت حروب العصابات في الأرياف وضواحي المدن. وسبق انتشارها انهيار الأمن والاقتصاد. وكثر الفارّون من الخدمة، والمسرّحون، واللاجئون، وأبناء العشائر الجائعون.

فأملت اللجنة الوطنية العليا، و"ولدها" لجان الدفاع الوطني، "إشعال" غرب سوريا، على قول كامل القصّاب، في وجه القوات الفرنسية، وتنسيق هجمات محمود الفاعور على رأس عشائر الفضل، وأحمد مريود على رأس أكراد قطنا وشركسها وبعض عشائر الفضل من أهلها، وكامل الأسعد في مقدمة عشائر جبل عامل، وصالح العلي الجبلي العلوي، والتأليف بينها في جيش من "مئة ألف مقاتل". ويخلص المؤرخ الأميركي من سرد حلقات هذا الفصل من تاريخ سوريا السياسي والاجتماعي و"الفكري"، إلى إبراز موضوعته أو مقالته في نشوء صورة سياسية جديدة، وطنية عامية وشعبية "ديموقراطية"، في ثنايا الحركة الاستقلالية و"القومية" العربية والسورية.

فيذهب إلى أن اللجان (الوطنية والدفاع) دمجت شبكة علاقات فاعلة و"مضمرة" وسابقة، مثل القرابة والجوار والحرفة والعلم الديني، في هيكل عام يتخطاها إلى الإطار الوطني، السوري. وأمست الأسواق والمساجد "معامل" التعبئة السياسية في العهد الفيصلي. فمن وجه، "نزل" تعاطي العموم، أو عامة الناس، الشؤون العمومية، وهذا تعريف السياسة المدنية، من الطبقات العليا، أو النُّخب، إلى العوام، وانتشر أو انبث في نسيج المجتمع وأوردته.

ويفترض النزول والانتشار العموميان ضعف الحواجز التي ترفعها الأبنية التقليدية في وجه تداول البشر والأفكار والسلع والمعلومات والانفعالات والمعتقدات... ويفترض ضعف قيود الجماعات على الأفراد، وتحكّمها فيهم وفي استوائهم أفراداً وآحاداً. ويلاحظ المؤرخ الأميركي، من وجه آخر يلازم الوجه الأول، أن الأشكال والأبنية والممارسات العامية و"الجديدة" من لجان وانتخابات و"تنسيقيات" (على تسمية لاحقة ومعاصرة) ومنشورات وصحف وتظاهرات وعرائض وتجنيد محلي، لم تحل دون استئناف الأبنية السياسية والاجتماعية الأهلية، والعائلية والبلدية، غلبتها ومراتبها على اللجان والهيئات، من تموينية أو شرطية أو عسكرية أو إفتائية فقهية...

وغلب الترجّح بين الوجهين- الوجه الناجم أو الناتج عن تكوين عمومية مشتركة وسائلة يتولى الأفراد أو الآحاد تدبيرها وإدارتها، والوجه المقيم على غلبة الأبنية "الجميعية" والمحافظة على انفصال أجسامها ودمج اجتماعها ومعاشها ومعتقداتها وحربها وسياستها في كلٍّ وجميع- على الحوادث والوقائع التي تعاقبت في أثناء الأشهر العتيدة. ويؤدي الترجّح غالباً إلى تعليق نضوج الإجراء وإتيانه ثمرته الموعودة والمرجوّة.

كبح سيرورات

فإجراءٌ مثل تجنيد المتطوّعين في سرايا محلية، وضم السرايا المحلية في هيكل مشترك وتوحيدها في إمرة قيادة عليا ومنبثقة عن السرايا، مثل هذا الإجراء الذي حمل كامل القصّاب على توعّد الجيش الفرنسي بهزيمة مدوّية على يد مئة ألف مقاتل "من الدنادشة والحوارنة والدروز والعلويين (في) صفوف حزبكم الديموقراطي" (ص 177)، خسر فاعليته المأمولة، وتحطّم على صخور التنافس بين أسرتي الرفاعي والأتاسي في حمص، وعشيرتي بني خالد والأحسنة، وحلف آل الدروبي مع عشائر ولد علي والعقيدات والموالي، وخصومة آل الجابري وآل الشعباني في حلب، واستقلال الكماليين وأنصار الحزب الديموقراطي عن اللجان...

وإجراء آخر، مثل جمع التبرّعات وتمويل النّواة الإدارية منها، قسَّم القائمين به بين أنصار التبرّع القسري وأنصار التبرّع الطوعي، ثم بين المطالبين بصرف شطر منها إلى هيئة الإشراف عليها وبين الذين يرون وقفها على إعالة المجنّدين والمحتاجين. وبعض اللجان تاجر بالسلاح، إما لمصلحة المتطوّعين وإما لمصلحة خاصة. وحين دخل ثلاثة آلاف من رجال العشائر إلى حلب، في تموز/ يوليو 1920، ودخل عشرة آلاف منهم إلى دمشق، عشية معركة خان ميسلون، خاف أهل المدينة الوافدين "قدر خوفهم (من) الفرنسيين". فغلقوا أسواقها، وخزّنوا سلعهم، وردّوا أبواب بيوتهم، على قول عبدالرحمن الجبرتي في معرض تاريخي آخر هو استيلاء محمد علي الأرناؤوطي على مصر.

ولما هاجم المسلحون، وهم على حالهم من التدافع، قلعة حلب، وقع انفجار في مستودع السلاح، في 21/7/1920، فقتل 500 إلى 600 مدني، وقَتَلَ نهبُ مخزن السلاح في دمشق نحو 100 سوري، وجرح نحو 120 إلى 200. ودعا قادة المنظمات "الشعبية" أهالي دمشق، في 21 تموز/ يوليو (1920)، إلى التجمُّع في محطة البرامكة، قبل المسير إلى خان ميسلون، حيث ارتأى العميد يوسف العظمة قطع الطريق على القوات الفرنسية الزاحفة على دمشق، لبى الدعوة إلى القتال سبعمئة مسلح من 1700 متطوّع، هم البقية الباقية من الجيش الجرّار الموعود.

ومآل "الحركة القومية العربية"، في ختام عهد الحكومة العربية الفيصلية، إلى هذا المصير، وقياساً على المقدّمات الأيديولوجية والتاريخية-الاجتماعية (السوسيولوجية) التي قدّم بها جيمس ل. غيلفين لتأريخه الدقيق والمفصّل- هذا المآل لا يعقل تماماً، لا في ذاته ولا في صلته بالحاضر، غداة قرن تام (وسنتين) على حدوثه وانقضائه. ويعود ذلك ربما إلى عسر تشخيص العلاقة بين وجه الحوادث العمومي والفردي، وسيرورة العمومية المزدوجة، وبين وجهها الجميعي المحافظ.

فما يتناوله تأريخ "انهيار" العلاقات العصبية والأهلية، وانخراط الطبقات العامية في حياة سياسية عامة، ونهوض مرافق تداول وتبادل مشتركة، ونشوء أبنية إدارية واقتصادية وثقافية جامعة وحديثة، وتبلور مصالح وقضايا وأهواء تتخطى الجماعات المحلية- لا شك في صحته وحقيقته. ولكن ما يقصر عن التعليل ويضعفه أو يشل نفاذه وإحاطته، أمران: الأول هو تصوير سيرورة العمومية (والفردية) على نحو يغفل القيود الداخلية عليها، ومصادر هذه القيود من معتقدات ومصالح ومعايير وسيرورات تعلّم وتأديب كثيرة، والآخر هو تناول تحديث الأبنية الجميعية على وجه يقلّل من مواربتها واحتيالها على التحديث الداخلي والتلقائي.

وما يسمّيه المؤلف "حركة قومية عربية"، منقسمة الولاءات والمذاهب والأفكار والقواعد والمناصرين، ليس حركة وطنية قاصرة، أو ناقصة، أو غير مكتملة. وقياسها على مثال سابق، لا جدوى منه، على وجهي المعرفة والعمل. فهذه الحركة أنجزت فعلاً غايات مضمرة، أو معلقة، قائمة في صلب أبنية المجتمعات أو الجماعات التي تولت حوادث الحركة ووقائعها. وافتراض هذه الغايات، على مثال "تام" وناجز، أو تقديرها قبل تحقيقها وإهمال الوقائع واطراح معانيها منها، يقود غالباً إلى استيلاد مخلوق عجيب التكوين.

والحركة "القومية" المفترضة لم تشأ بناء دولة-أمّة، على خلاف زعمٍ معياريٍّ ونمطي. والأرجح أنها حشدت بلادها وأهاليها، وديراتها وعصبياتها، في سبيل إنشاء حلف أو ائتلاف (كشكولي) يتسلط أحد مكوّناته على المكوّنات الأخرى بالقهر (على مثالٍ عراقيٍّ وسوريٍّ ويمنيّ...)، أو تتساكن المكوّنات وتعوم في فضاءٍ من غير جاذبية (على مثال الجامعة العربية ولبنان...)، على ما نشهد منذ الحرب العالمية الثانية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard