محمد شريف الفاروقي... أكبر دجّال في تاريخ الثورة العربية الكبرى

الخميس 25 نوفمبر 202112:12 م

لقد كتب الكثير عن الثورة العربية الكبرى التي أطاحت بالدولة العثمانية سنة 1918، ومعظم المراجع العربية تتحدّث عن مظالم العثمانيين وتجاوزاتهم في الأشهر والسنوات التي سبقت إعلان الثورة، كأحد مفجرات تلك الثورة، ولعل أشهرها إعدامات جمال باشا في بيروت ودمشق ما بين 1915-1916.

ولكن هناك شخصية واحدة سقطت من جميع هذه الكتب، ربما سهواً أو عمداً، وهو الضابط العراقي الشاب محمد شريف الفاروقي، الذي أعطى الإنكليز معلومات مغلوطة وكاذبة خلال الحرب العالمية الأولى، ساهمت في توصلهم إلى تفاهم مع الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى.

المراجع البريطانية تعتبر الفاروقي دجالاً ماهراً استطاع أن يخدع رجال الاستخبارات البريطانية، أما العربية منها فمعظمها يقوم بتجاهله كلياً وذلك لتعظيم دور الشريف حسين.

المراجع البريطانية تعتبر محمد شريف الفاروقي دجالاً ماهراً استطاع أن يخدع رجال الاستخبارات البريطانية، أما العربية منها فمعظمها يقوم بتجاهله كلياً وذلك لتعظيم دور الشريف حسين

دمشق 1915

ولد محمد شريف الفاروقي، أو العمري، في مدينة الموصل سنة 1891، ودرس في الكلية الحربية في إسطنبول، حيث تخرج عام 1912.

خدم في الجيش الرابع، وعيّن مرافقاً عسكرياً للضابط العثماني فخري باشا، قبل تعيينه بدمشق مع مطلع الحرب العالمية الأولى، حيث انتسب إلى جمعية العهد السريّة، والتي كانت بقيادة الضابط المصري الشهير عزيز علي (الذي أصبح قائداً للجيش المصري في سنوات لاحقة، ثم سفيراً لمصر في موسكو في مطلع عهد الضباط الأحرار).

كان الفاروقي في دمشق عند قدوم الأمير فيصل بن الحسين في آذار 1915، ومن الممكن أن يكون قد اجتمع معه في دار آل البكري، مع مجموعة من الأعيان والقوميين العرب، ولكن لا شيء في الوثائق يُشير إلى ذلك. وقد ضمّت هذه الاجتماعات عدداً من الشخصيات السورية المعروفة التي لعبت دوراً بارزاً في البلاد، مثل رئيس الحكومة رضا الركابي والرئيس شكري القوتلي، ولا غرابة أن يكون الفاروقي قد دخل معهم على الأمير فيصل.

في إحدى هذه الاجتماعات، تحدث فيصل عن نية أبيه الشريف حسين إعلان ثورة عسكرية على العثمانيين، وقال إن مباحثات سرية للغاية تدور حالياً بينه وبين السير هنري مكماهن، ممثلاً عن الحكومة البريطانية، ولكنها لم تثمر بعد إلى أي نتيجة.

الانشقاق في مضيق الدردنيل

كان الفاروقي في الرابعة والعشرين من عمره يوم قال للإنكليز إنه مكلف بمفاوضتهم من قبل الشريف حسين، ولدلالة على صدق كلامه، أشار إلى مفاوضات الأخير السرية جداً مع هنري مكماهن، مدعياً أنه على علم بها وكل تفاصيلها

بعدها بأسابيع، نُقل شريف الفاروقي من دمشق إلى مضيق الدردنيل، للمشاركة في معركة جناق قلعة، ضد القوات البريطانية والفرنسية التي كانت تنوي احتلال العاصمة إسطنبول. وقد أدت هذه المعركة الأشهر في تاريخ الدولة العثمانية، والمعروفة باسم حملة جاليبولي في الغرب، إلى مقتل 250 ألفاً من القوات البريطانية والفرنسية، ما أثر كثيراً على معنويات لندن وباريس.

في 20 آب 1915، انشق الفاروقي عن الجيش العثماني ودخل سراً إلى معسكرات الإنكليز، مُدعياً أن في جعبته معلومات هامة قد تفيدهم في حربهم مع العثمانيين. نظراً لخيبة أملهم من هزيمتهم في حملة غاليبولي وإلى حاجتهم الماسة لانتصار سريع، استقبلته القوات البريطانية بصدر رحب، وقامت بإرساله إلى مركز قيادتها العسكرية في القاهرة، لمقابلة مدير المخابرات البريطانية في مصر، السير غيلبرت كلايتون، وقائد القوات العسكرية السير جون ماكسويل.

ادعاءات الفاروقي

كان الفاروقي في الرابعة والعشرين من عمره يومها، وقال للإنكليز إنه مكلف بمفاوضتهم من قبل الشريف حسين، ولدلالة على صدق كلامه، أشار إلى مفاوضات الأخير السرية جداً مع هنري مكماهن، مدعياً أنه على علم بها وكل تفاصيلها. كما قال إنه معتمد أيضاً من قبل جمعية العهد، ومكلف شخصياً من قبل عزيز علي المصري. وتُشير المراجع التاريخية أن لا عزيز المصري كان يعرف شريف الفاروقي يومها ولا الشريف حسين، الذي لم يلتق به حتى حزيران 1916، أي بعد عشرة أشهر من انشقاقه عن الجيش البريطاني.

وقد جاء في أقواله أن عدد المنتسبين إلى جمعية العهد من الضباط العرب في الجيش العثماني قد وصل إلى 10 آلاف شخص، علماً أن أعضاء جمعية العهد يومها لم يكن يتجاوز 53 عضواً، 42 منهم فقط كانوا من الضباط العرب. وقال إنه يوجد شيفرة سرية للتواصل بينهم، وعرض أن يقدمها إلى الإنكليز، وقال إن جميع هؤلاء الضباط على أتم الاستعداد للدخول في حرب عصابات مع الدولة العثمانية، ولكنهم بحاجة إلى دعم عسكري ومالي من الإنكليز، عارضاً أن يكون هو الناقل الأمين لتلك الأموال والأسلحة.

 اعتلى جميع ضباط الثورة العربية أرفع المناصب في مملكة الحجاز، أو في الحكومة العربية التي أقامها الأمير فيصل بدمشق نهاية العام 1918، إلا شريف الفاروقي الذي اختفى عن الأنظار

كما تحدث الفاروقي بإسهاب عن اجتماعات الأمير فيصل بدمشق، وقال إنه كان حاضراً فيها، كما أكد للإنكليز أن الجيش العثماني ضعيف للغاية ولا يمكنه الوقوف أمام قوى مشتركة من البريطانيين والعرب. أكد لهم أن النصر سيكون سريعاً، وقدم قائمتين، الأولى لشخصيات عربية والثانية لضباط عرب، قال إنهم جميعاً جاهزون للانشقاق عن الدولة العثمانية. وقد تبيين لاحقاً أن معظم الأسماء التي وردت في قائمة الفاروقي كانت لضباط عرب مفقودين أو متوفيين.

ولكن، وبحسب القول العربي: "الغريق يتعلق بقشة"، يبدو أن غيلبيرت كلايتون وجد في كلام الفاروقي هذه القشة التي بنى عليها تقريره إلى لندن، حيث أبرق لمرؤوسيه قائلاً إنه عثر على "كنز ثمين"، ووصف الضابط المنشق بأنه "روح الثورة في الجمعيات العربية السرية". وبناء على هذا التقييم الأعرج وهذه الأقاويل الكاذبة، صدرت تعليمات من لندن إلى مقر القيادة العسكرية في مصر لاستكمال المفاوضات مع الشريف حسين، والوصول معه إلى تفاهم سريع حول الثورة العربية، التي تم إطلاقها في 10 حزيران 1916.

أكاذيب فجرت الثورة العربية

ولكن الإنكليز أدركوا سريعاً أنهم وقعوا في فخ كبير. جميع الأسماء التي تحدث عنها الفاروقي لم تتقدم لحمل السلاح، ولم تنشق أي شخصية اعتبارية عن بلاط السلطان محمد رشاد الخامس، وكانت نتائج الأولى للمعارك لصالح العثمانيين، لا للبريطانيين أو العرب أبداً. وقد أدى هذا الأمر إلى إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة من الجيش البريطاني، فاقت كل التقديرات الأولية لتكلفة الثورة العربية، مالياً وبشرياً.

ولذلك، استغنى البريطانيون عن خدمات شريف الفاروقي في نهاية العام 1916، بعد تعيينه ولفترة وجيزة معتمداً للشريف حسين في مكة. وكانت حجة الاستغناء عنه هي علاقته الغرامية المشبوهة مع عشيقة إيطالية، التي قال الإنكليز إنها كانت تعمل لحساب المخابرات الألمانية.

عُثر على الفاروقي مقتولاً على طريق قريب من مسقط رأسه في الموصل في 24 تشرين الأول 1920. وقد قيل يومها أنه مات مقتولاً على يد إحدى مجموعات البدو، والأرجح أنه قُتل على يد الإنكليز نفسهم، انتقاماً وتشفياً

وفي التقارير البريطانية عن الفاروقي ادعاء أن المسؤولين البريطانيين أخطأوا تقدير المعلومات التي تقدم بها بسبب ضعف لغته الإنكليزية، وعدم وجود ترجمة دقيقة لأقواله، وهو أمر مستبعد طبعاً، وتغطية لفشل استخباراتي رهيب، كان مفاده أن شريف الفاروقي خدع مخابرات أكبر إمبراطورية في العالم، لم تكن الشمس تغيب عنها يومها.

الموت الغامض

اختفى شريف الفاروقي عن الساحة العربية، بنفس السرعة التي كان قد ظهر بها قبل سنة ونيف، ولم يُشارك إلّا في المعارك الأولى، قبل أن يغيب كلياً عن المشهد. جميع ضباط الثورة العربية اعتلوا أرفع المناصب في مملكة الحجاز، أو في الحكومة العربية التي أقامها الأمير فيصل بدمشق نهاية العام 1918، إلا شريف الفاروقي الذي اختفى عن الأنظار.

وكان ظهوره الوحيد هو ذاته الأخير، عندما عُثر عليه مقتولاً على طريق قريب من مسقط رأسه في الموصل في 24 تشرين الأول 1920. وقد قيل يومها أنه مات مقتولاً على يد إحدى مجموعات البدو، والأرجح أنه قُتل على يد الإنكليز نفسهم، انتقاماً وتشفياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard