في انتظار تحرك "الخارجية"... صيادون مصريون في قبضة الحوثي

الأربعاء 20 أبريل 202204:59 م

ينتظر عشرون صياداً مصرياً مصيرهم، الذي تحدده إحدى المحاكم بمدينة الحديدة اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعد القبض عليهم قرب المياه الإقليمية اليمنية في 24 مارس/ آذار الماضي. ينتمون إلى محافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ الواقعة جميعها على ساحل المتوسط أو على مقربة منه، أثناء محاولتهم ممارسة الصيد بعيداً عن نطاق السلطات المصرية التي تسيطر على تنظيم عمليات الصيد داخل المياه الإقليمية، وتحظر الصيد لمدد طويلة خلال السنة، في وقت تكاد بعض الجهات الحكومية تحتكر نشاط المزارع السمكية، ولا يملك الصيادون مصادر دخل أخرى.

وتضاربت روايات أفراد من أسر الصيادين تحدثوا إلى رصيف22 حول ملابسات القبض على ذويهم والجهة المسؤولة عنه.

ويواجه الصيادون تهمة إختراق المياه الإقليمية لدولة اليمن. وعلم رصيف22 أن النائب ضياء الدين داود أجرى اتصالات مع وزارة الخارجية المصرية بشأن المركب وطاقمه، وأنه تلقى أنباء تفيد بأن أجهزة الوزارة تعمل على إعادة الصيادين. إلا أن أهاليهم أكدوا غياب التواصل بينهم وبين الجهات المعنية.

 علم رصيف22 أن النائب ضياء الدين داود أجرى اتصالات مع وزارة الخارجية المصرية بشأن المركب وطاقمه، وأنه تلقى أنباء تفيد بأن أجهزة الوزارة تعمل على إعادة الصيادين. إلا أن أهاليهم أكدوا غياب التواصل بينهم وبين الجهات المعنية

أول رحلة للخارج

والدة أحد الصيادين المعتقلين في اليمن، وتدعى هيام السيد، قالت لرصيف22: "ابني الوحيد مش عايزة غيره من الدنيا. قعد شهرين من غير شغل وهو اللي بيصرف على البيت بعد مرض أبوه". تعيش هيام وأسرتها في منطقة عزبة البرج في دمياط وهي قرية لا يمارس أهلها سوى حرفتي الصيد وصناعة المراكب، وكبر ابنها أسامة حمودة (21 عاماً) الذي ينتظر المحاكمة في اليمن حالياً، ولا يعرف مهنة أخرى، في وقت يضيق السبيل إلى ممارسة حرفته.

بحسب والدته، بدأ أسامة العمل في حرفة الصيد قبل تسع سنوات، ولم تكن الأسرة تسمح له بالسفر مع المراكب المغادرة للحدود الإقليمية المصرية لحداثة سنه. "لكن من شهرين معادش في شغل ولا فلوس في البيت، أصحابه قالوا له نأجر مركب ونسافر نصطاد بعيد عشان السمك في مصر قليل، وافقنا لأن خلاص معادش في فلوس في البيت".

قبل مغادرته، طلب أسامة من أمه الدعاء، وكرر الطلب نفسه في المكالمة الوحيدة التي جمعت بينهما قبل أيام قليلة من القبض عليه. تقول: "أسامة ابنى الوحيد على 4 بنات، كان قائل لي السرحة (مدة السفر للصيد) 20 يوم وهرجع يا ماما، لكن خرج ومرجعش، وعرفت خبر القبض عليه هو وزوج أخته اللي كان معه على المركب".

 أحمد طرابية البالغ من العمر 48 عاماً هو "ريِّس" مركب "نور البحار" المحتجز باليمن. تحكي زوجته هيام حمودة: "18 مارس (آذار) الماضي كانت آخر مكالمة بيننا. قال هنقعد 20 يوم وأرجع خلي بالك من نفسك والولاد. عرفت بعدها  خبر القبض عليه هو وباقي طاقم المركب. الدنيا واقفة خالص و ربنا عالم إحنا عايشين إزاي الفترة الأخيرة". وهي تأمل أن تتدخل السلطات المصرية كما فعلت من قبل، وتستعيد زوجها كي يربي معها طفلهما الرضيع. تقول: "مش عايزة غير يرجع بالسلامة عشان خاطر أولاده، ابنه لسه رضيع لم يكمل 6 أشهر".

أما محمد الشرايدي – 64 عاماً- فقد غاب عنه ابنه ومعيله الوحيد "مش عايز غير ابني، هو عائلي الوحيد. أنا وشقيقه المعاق ملناش غيره في الدنيا". ويواصل: "ابني ورث المهنة عني. أنا الوقت مبشتغلش و هو أول مرة يسافر اليمن، قبضوا عليه هو و زملائه بعد ما المركب عطل وبعتوا استغاثة، رد عليهم اليمنيين كانوا فاكرين هينقذوهم لكن سجنوهم".

رواية الأب يؤكدها سعد مايلو صاحب مركب "نور البحار" الذي كان على متنه الصيادون المعتقلون. يلفت مايلو إلى أن المركب لم يخترق القوانين اليمنية وكان على بعد 49 ميلاً من نهاية حدود المياه الإقليمية اليمنية. وأفادت اتصالاته بالصيادين، "هم منتهكوش القانون كانوا محتاجين المساعدة ومفيش مبرر للقبض عليهم". ولم يتسن لرصيف22 التأكد من هذه المعلومات.

 سعد مايلو صاحب مركب "نور البحار" الذي كان على متنه الصيادون المعتقلون، يلفت إلى أن المركب لم يخترق القوانين اليمنية وكان على بعد 49 ميلاً من المياه الإقليمية اليمنية "هم منتهكوش القانون كانوا محتاجين المساعدة ومفيش مبرر للقبض عليهم"

لماذا اليمن؟

ليست هذه الواقعة الأولى التي يُقبض فيها على صيادين مصريين بتهمة اختراق المياه الإقليمية لدولة أخرى أثناء سعيهم إلى الرزق. إذ شهدت الشواطئ المصرية، خاصة على ساحل المتوسط، شكاوى متكررة من ندرة الأسماك. ويرجع خبراء بيئيون هذه الندرة إلى ارتفاع نسب التلوث. وتشير بيانات أممية إلى أن مصر هي أعلى الدول تسبباً بتلويث المتوسط بالفضلات البلاستيكية التي تشكل 95% من مسببات التلوث.

برغم أن نسبة التلوث هي أقل في البحر الأحمر، تتسبب أنشطة السياحة وصرف مخلفات القرى السياحية فيه برفع نسب التلوث في المياه المتاخمة للحدود المصرية، كما تدفع أنشطة السياحة السلطات المصرية إلى فرض حظر على الصيد فترات طويلة، ما يجبر الصيادين على الخروج عن حدود المياه الإقليمية في البحرين. وكثيراً ما يُقبض عليهم في دول حوضي البحرين وليبيا وتونس والمغرب واليونان وقبرص وإيطاليا في المتوسط، واليمن والسعودية وإثيوبيا في البحر الأحمر.   

في سياق متصل قال لرصيف22 بكري أبو الحسن، شيخ الصيادين بمحافظة السويس: "سفر الصيادين لدول الجوار يعود إلى قلة الإنتاج في مسطحاتنا المائية، لعدة أسباب، أهمها التلوث، والصيد الجائر، وصرف مخلفات بعض القرى السياحية والشركات في البحرين من دون معالجة بيئية، مما يضر بالأسماك".

شيخ صيادي السويس: "سفر الصيادين لدول الجوار يعود إلى قلة الإنتاج في مسطحاتنا المائية لعدة أسباب، أهمها التلوث، والصيد الجائر، وصرف مخلفات بعض القرى السياحية والشركات في البحرين من دون معالجة بيئية، مما يضر بالأسماك"

50 مركباً في ثماني سنوات

قدّر أبو الحسن عدد المراكب التي تم احتجازها في دول الجوار: إريتريا، اليمن، السعودية، السودان، الصومال، تونس وليبيا، من 2014 إلى الآن بنحو 50، يراوح عدد الصيادين على متن كل منها بين 20 و25. مؤكداً الإفراج عن غالبيتهم "ولا يتبقى سوى مركبين محتجزين حالياً، وذلك بعد تدخلات السلطات المصرية وسداد الغرامات"، مطالباً بالتوسع في عقد اتفاقيات الصيد داخل دول الجوار طبقاً للاتفاقيات بينها وبين مصر. 

وأشار بكري إلى أن من تلك الدول مناطق ملتهبة بسبب حروب داخلية تجعلها غير قادرة على استقبال سفن من دون اتفاق رسمي، وهو ما يعرض سفن مصرية أو من أي دولة تتجاوز حدود تلك الدول، للمساءلة، موضحاً أن بعض الدول تكتفي نظمها القضائية بتوقيع الغرامة مع تخلية سبيل الطاقم والإفراج عن السفينة، وبعضها الآخر توقع الغرامة وتصادر السفينة مع الإفراج عن الطاقم، وبعضها (ومنها اليمن) نقرر في بعض الأحيان حبس أفراد الطاقم بعض الوقت. 

عن موقف المركب الأخير، أكد بكري أن الطاقم والمركب كانا على مبعدة من المياه الإقليمية اليمنية ولم يخترقاها، لكن إشارة استغاثة تلقتها القوات المسيطرة على الجنوب اليمني (قوات الحوثيين) جذبت الانتباه إليهم فقُبض عليهم وسحب المركب إلى ميناء الصليف، ثم جرى ترحيلهم إلى الحديدة التي باتت معقل الحوثيين.

 وذكر بكري أنه على علم ببدء التواصل بين وزارة الخارجية المصرية ونظيرتها اليمنية لإيجاد حل لوضع الصيادين "خاصة أن الصياد المصري ثروة مهمة للدولة المصرية".

وتعترف الحكومة المصرية بالحكومة الشرعية المدعومة سعودياً في اليمن، ولا توجد اتصالات معلنة بينها وبين قوات الحوثيين التي تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد، خاصة في الجنوب. وتكرر فشل المفاوضات بين الحكومة الشرعية التي تتواصل معها الحكومة المصرية من جانب وسلطات الحوثيين من جانب آخر، ما عمّق من مأزق الصيادين المقبوض عليهم، إذ لا تملك الخارجية اليمنية أي نفوذ أو تأثير في المنطقة التي يحتجزون فيها.

ويؤكد نقيب الصيادين أن دخول السفن إلى المياه الإقليمية لدول الجوار، يحدث أحياناً بسبب العوامل الجوية وجرف التيار، وأن بعض الدول تسمح - في تلك الحالة-  للسفن بالدخول من دون توقيع غرامات، لأن الأمر خارج عن إرادة طاقم المركب "وتقدير الموقف يختلف من دولة لأخرى".

في الوقت، أكد النائب البرلماني ضياء الدين داود تواصله مع الخارجية المصرية، وأنه يستعد لتقديم طلب إحاطة لوزارة الخارجية للتعرف على تطورات وضع الصيادين وخاصة مع ما يشاع بين أسرهم عن تراجع أوضاعهم الصحية والإنسانية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard