الفول والطعميّة… وجبة الغلابة تتخلّى عن أصحابها

الأربعاء 16 مارس 202210:00 ص

عقارب الساعة تشير إلى الرابعة فجراً. يستيقظ محمد الحسيني، 24 عاماً، ويجر قدميه إلى خارج المنزل. الظلام دامس، والهدوء يحيط بالمكان، والشارع خال إلا من قطط الحي وبعض الكلاب. يُمنِّي نفسه بساعات النوم القليلة التي ستلي إنجاز الجزء الأخير من عمله اليومي. فقد قضى نحو خمس ساعات في تحضير قِدر الفول والسلطة الخضراء والباذنجان بأنواعه المختلفة. ثم فتح باب المحل الذي يستخدمه مخزناً وبدأ في وضع كل ما يحتاجه على عربة "التروسيكل" التي هي عماد رأس ماله الثابت. 

محلّ عمل الحسيني في أحد شوارع مدينة نصر (شرق القاهرة). اختار موقعه بعناية كونه ممراً يومياً للموظفين والعمال وطلاب المدارس وجامعة الأزهر القريبة. عدا أنه في جوار موقف ميكروباصات الحي، الذي يربط سكانه بمناطق عدة في القاهرة والجيزة حيث مقار أعمالهم أو مدارسهم.

 يعمل الحسيني في مهنته التي ورثها أباً عن جد منذ قرابة سبع سنوات، التزم خلالها بيع سندوتشات (شطائر) الفول والمشهيات التي تجاورها عادة (السلطة والباذنجان) من دون زيادة تذكر، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة وجد نفسه مضطراً إلى زيادة الأسعار تدريجياً؛ لكن الأسابيع الأخيرة حملت له تحدياً لم يعد يجدي الهروب من مواجهته، حتى أن الحكومة المصرية وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات غير مألوفة لحل أزمة سندوتش الفول.

 اختار الحسيني لعربة الفول قطعة أرض خلاء في أحد شوارع مدينة نصر (شرق القاهرة). اختار موقعه بعناية كونه ممراً يومياً للموظفين والعمال وطلاب المدارس وجامعة الأزهر القريبة

سؤال الفول و"العيش"

 منذ عقود اعتمد المصريون من أبناء المدن على الفول والطعمية (الفلافل المصنوعة من الفول) كوجبة رئيسة في يومهم. يعتمد عليها الموظفون في الإفطار، وتلجأ إليها الأسر الفقيرة كوجبة تتكفل مع الأرغفة الطازجة أو المقددة بالإشباع أطول فترة ممكنة. وفي رمضان، يضمن الفول في السحور ساعات صيام هادئة من دون شعور مضنٍ بالجوع الشديد، نظراً لبطء عملية هضمه وبقائه مدة أطول في الجهاز الهضمي. عدا أنه يشكل مع العدس أرخص مصادر البروتين في قوائم الطعام.

بحسب بيانات غرفة الحاصلات الزراعية في 2021، وصل استهلاك المصريين من الفول إلى 450 ألف طن سنوياً بعدما  كان 700 ألف طن في 2019. ولكن ليس معروفاً إذا كان هذا الانخفاض راجعاً إلى زيادة الأسعار جراء ارتدادات جائحة كورونا.

وتستورد مصر 85% من احتياجاتها من الفول، وتنتج محلياً ما يغطي 15% من الاستهلاك. وتلجأ إلى تصدير الفول (البلدي) الذي يعد من أجود وأغلى أنواع الفول في العالم، وتستورد للاحتياج المحلي، وتحصل على عملة صعبة من فرق السعر. إلا أن اشتعال الحرب الروسية على أوكرانيا ونزيف العملة الصعبة وارتفاع أسعار الحبوب، ومنها البقول، دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار وقف تصدير الفول المحلي والعدس والذرة والزيوت والقمح مدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، أملاً في تغطية الاحتياج المحلي إلى حين استقرار الأسواق.

 منذ عقود اعتمد المصريون من أبناء المدن على الفول والطعمية كوجبة رئيسة في يومهم. يعتمد عليها الموظفون في الإفطار، وتلجأ إليها الأسر الفقيرة كوجبة تتكفل مع الأرغفة الطازجة أو المقددة بالإشباع أطول فترة ممكنة

يأتي القرار بعد ارتفاع كبير في أسعار الغذاء محلياً على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية. وشملت الزيادات سلعاً كثيرة، منها الفول والدقيق والسكر والبيض وزيت الطعام والمسلى النباتي المصنع من الزيوت المهدرجة، والذي يلجأ إليه الفقراء كبديل رخيص للزبدة والسمن، على الرغم من أضراره الصحية التي تبدأ بانسداد الشرايين وتصل إلى السرطان. 

لكن هذا ليس القرار المفاجئ الوحيد الذي اتخذته الحكومة خلافاً لمنهجها الذي يعطي الأولوية لتصدير الحاصلات المرتفعة الجودة واستيراد بدائل أرخص وأقل جودة للسوق المحلية، والاستفادة من فرق العملة الصعبة. ففي ظل أزمة خبز منتظرة نتيجة نقص واردات القمح وارتفاع أسعاره دولياً، أصدرت وزارة التموين والتجارة الداخلية في 15 مارس/ آذار، قراراً مفاجئاً عادت فيه إلى إلزام المزارعين توريد كميات محددة من القمح تبلغ 12 إردباً للفدان حداً أدنى، مع حظر بيع الكميات التي تزيد على ذلك الحد إلا بتصريح من الوزارة. وهذا ما يعيد الدولة إلى احتكار الحاصلات الزراعية بغية تغطية الاحتياج المحلي إلى الغذاء أطول فترة ممكنة. 

ومن المنتظر أن يثير هذا القرار أزمة بين مزارعي القمح الذين يمتنعون عادة عن توريد القمح للحكومة ممثلة في وزارة التموين والتجارة الداخلية، بسبب انخفاض سعر الشراء الذي تدفعه الحكومة مقارنةً بالسعر الذي يحصلون عليه من الشركات الخاصة. تشتري الحكومة طن القمح من المزارعين بنحو 5400 جنيه، في وقت بلغت  أسعار القمح عالمياً 8300 جنيه للطن.

كما أصدرت وزيرة التجارة والصناعة نيفين جامع في اليوم نفسه قراراً توقف بموجبه تصدير الزيوت والفريك (حبوب قمح) والذرة ثلاثة أشهر بهدف توفير احتياجات السوق المحلية من الغذاء.

 أصدرت الحكومة قراراً مفاجئاً ألزمت بموجبه المزارعين توريد كميات محددة من القمح، مع حظر البيع لغيرها من دون تصريح مسبق. ما يعيد الدولة إلى احتكار الحاصلات الزراعية بغية تغطية الاحتياج المحلي إلى الغذاء أطول فترة ممكنة

أزمة للبائع و"الزبون"

أمام العربة ترتفع الصيحات الغاضبة، بعدما فوجئ الزبائن بالأسعار الجديدة للسندوتشات، وكان رد الحسيني عليهم: "ما أنا واحد منكم، هو أنا بيه يعني؟". ويقول لرصيف22: "اصحى من الفجر على أكل عيشي، الأسعار اللي بتزيد في الخامات مقدرش أتحملها أنا" ثم يعلق ساخراً: "دا الحكومة نفسها بتقول كدا. مش الحكومة (يلمز ساخراً)... مشيها الحكومة، طلعت في التلفزيون وقالت أجيب لكم منين؟ طيب أنا الغلبان أجيب لكم منين؟ دة مش جشع حضرتك، أنا صحيح واقف في الشارع بس بادفع أرضية (رشاوى)، وبشتري خامات بتغلي كل يوم، وكمان معايا مساعدين، أنا مش هقف أخدم علي الناس كلها".

بائع فول: الفول والطعمية وجبة الغلابة بقت غالية عليهم؟ أيوة أنا عارف بس هعمل إيه؟ زمان كانت العيلة تفطر بـ10 جنيه، دلوقتي عشان تجيب فطور زمان على الأقل هتدفع 25 جنيه. الحكومة نفسها بتقول أجيبلكم منين

برغم ذلك يطمئن الحسيني إلى أن عمله ربما لن يتأثر كثيراً. يقول: "خلي بالك أنا بيجيني ناس راكبين عربيات من اللي بيسموها فارهة، وكمان فيه عمال وأفراد أمن، كل الناس بتاكل فول، دي حاجة بتجري في دم الشعب المصري، الفول والطعمية وجبة الغلابة بقت غالية عليهم؟ أيوة أنا عارف إنها بقت غالية بس هعمل إيه؟ زمان كانت العيلة تفطر بـ10 جنيه بالعيش بالبتنجان والفول والطعمية والبطاطس، دلوقتي عشان تجيب فطور زمان على الأقل هتدفع 25 جنيه، ما هو العيش بقى غالي، والزيت والبطاطس والفول، كل حاجة بقت غالية، وفي الآخر الحكومة هتطلع تقولنا أنا لو عندي هديكوا، بس أجيب منين... طيب إحنا نجيب منين؟".

 جاءت كلمات الرئيس عبدالفتاح السيسي التي يشير إليها الحسيني في أكثر من مناسبة، أبرزها تعليقه الذي أشار فيه إلى عزم حكومته تخفيض الدعم المقدم لرغيف الخبز، والذي لا يتجاوز 2.4% من إجمالي الموازنة العامة للعام المالي 2021 – 2022.

 لم يختلف الأمر كثيراً لدى محمد العشري، صاحب عربة فول في حي عين شمس، وهو من الأحياء التي تضم أسراً أسد فقراً من قاطني مدينة نصر. يبدأ العشري عمله في الرابعة فجراً. ويتساءل: "هو ازاي وليه الحرب في أوكرانيا وروسيا تؤثر علينا احنا هنا؟ أمّال لو احنا اللي بنحارب كنا أكلنا تراب؟".

اعتاد العشري على شراء شيكارة الفول (10 كيلوغرامات) مقابل 250 جنيهاً (17 دولاراً أمريكياً تقريباً)، لكن "بين ليلة والتانية سعرها نط وبقي 375 جنيه" يضيف مستغرباً.

بائع فول: أنا مش متوحش والله؛ غصب عننا يا ناس

بحسب تصريحات غرفة الحاصلات الزراعية، ارتفع سعر طن الفول المستورد من تسعة آلاف إلى 10 آلاف جنيه، فيما ارتفع سعر الفول البلدي (المحلي) من 14 ألفاً إلى 15 ألفاً للطن.

 ويزيد العشري: "قولي أنا إزاي مزودش الأسعار عليك أنت المواطن؟ ما هي زادت عليا أنا كمان، والزيت خلال الشهور اللي فاتت زاد سعره حوالي 180 جنيه، والعيش كمان زاد سعره، طيب هو بالعقل ازاي أسعار السندوتشات ما ترتفعش؟".

 ويوضح أنه اضطر إلى زيادة سعر السندوتش من 2.5 جنيه إلى ثلاثة، ويعرف أن تلك الزيادة التي تبدو بسيطة تمثل عبئاً على الزبائن. ويعلّق: "زمان كنت اعطي الزبون مع السندوتشات باذنجان، دلوقتي مقدرش اعمل كدا. الباذنجان غالي، يا دوب حتتين الطرشي (مخللات) كفاية".

ويؤكد بأسى: "أنا مش متوحش والله؛ غصب عننا يا ناس، أنا بدفع إيجار وعمالة وخامات، بشتغل بليل في البيت عشان أحضر شغل اليوم، وبفتح المحل من الفجرية واستنى فيه لحد الساعة 4 العصر، بعدها أروح أنام ساعتين واصحى أنا وأم العيال نبدأ نحضر شغل بكرة، وننام على الساعة عشرة واليوم خلص عشان ابدأ دوامة جديدة". 

الفول "ضرورة"

 في سياق متصل، يقول أحمد الباشا، رئيس شعبة الغلال والحبوب بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن أسعار الفول المستورد "تزيد بشكل أسبوعي"، إذ بلغت نسبة الزيادة حتى الأسبوع الماضي (الأسبوع الثاني من مارس/ آذار) نحو 15% مقارنة بأسعاره نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

 ويضيف أن سعر الكيلوغرام من الفول المستورد في الأسواق المحلية يراوح بين ثمانية وتسعة جنيهات وبعد أن يأخذ دورته المعتادة في التجهيز والشحن وغيرهما من الخطوات اللازمة يصل إلى المستهلك مراوحاً بين 10 و13 جنيهاً.

 ماذا عن أسباب الزيادة؟ يجيب الباشا: "الإنتاج المحلي من الفول لا يصل إلى 15% من المطلوب لتغطية متطلبات السوق، لأنه في عداد السلع الاستهلاكية الضرورية التي يعتمد عليها كل بيت، فيما تعتمد مصر على استيراد الفول من الخارج بنسبة كبيرة تصل في بعض الأحيان إلى 85%".

"نجيب منين"؟

 بينما ينهمك الحسيني في إعداد طلبية السندوتشات، يقول أحمد حسين العامل في أحد المصانع: "كل حاجة بتزيد جت على الفول والطعمية؟ بس احنا قلنا زي ما الريس قال ‘الحاجة الغالية متشتريهاش’. طيب مش هنشتري لحمة اللي بقت بـ200 جنيه [للكيلو] ولا الفراخ اللي بقت بـ 40 جنيه، طيب الفول والطعمية؟ لامؤاخذة يعني احنا بنعتبر الفول والطعمية وجبة مش بس حلوة؛ لأ دي زي ما تقول كدا بتكلبش المعدة متحسش بالجوع بعدها على الأقل 5 ساعات".

زبون سابق: "حلول ايه هو احنا هنقدر على الحكومة يعني؟ لا، اتفقت أنا ومراتي تصحى الصبح تعملي سندوتشات زي العيال، لكن كل يوم أدفع 15 جنيه فطار؟ هو انا بكسب كام 15 جنيه في اليوم؟

 اعتاد حسين وزملاؤه شراء الإفطار من عربة الفول. بقول: "كنا بنجيب فول وطعمية وسلطات وبتنجان بحوالي عشرة جنيه وبـ 2 جنيه عيش وكدا زي الفل" الآن صارت الوجبة نفسه تكلفهم ثلاثة أضعاف ذلك المبلغ "مبقاش في فول بجنيه؛ أقل كمية بـ3 جنيه. والطعمية القرص اللي كان ببريزة (10 قروش) حالياً بقت بجنيه (10 أضعاف السعر)، وكل واحد ياخذ له قرصين كدا بنتكلم في 6 جنيه، وبخمسة جنيه بطاطس، وزيهم عيش، يعني الفطار اللي كان بـ10 جنيه بقى بـ20 جنيه ومش مدلع نفسك".

 هل ثمة حلول بديلة؟ يرد حسين: "حلول ايه هو احنا هنقدر على الحكومة يعني؟ لا، تتشطر على الحكومة اللي في البيت، اتفقت أنا ومراتي تصحى الصبح تعملي سندوتشات زي العيال، سندوتشين جبنة وخيارة وطماطم واليوم هيتقضى، لكن كل يوم أدفع 15 جنيه فطار دة يبقى افترا (افتراء)، هو انا بكسب كام 15 جنيه في اليوم؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard