هدوء نسبيّ... ماسبيرو خارج المنافسة في انتظار موجة احتجاجات جديدة

السبت 16 أبريل 202205:10 م


تنتهي الموسيقى المميزة للفقرة اليومية للشيخ الشعراوي، ويبدأ عرض قراءة لا تتجاوز ست دقائق من القرآن بصوت أحد كبار القراء المصريين، ثم فقرة من التواشيح الدينية تمتد حتى يقطعها صوت مدفع الإفطار ويليه أذان المغرب. ثم تتوالى المسلسلات في القناتين الأولى والثانية، فيما تعرض القنوات المحلية الست برامج متواضعة الإنتاج، معبرة عن مناطق وقضايا محلية في الأقاليم الجغرافية التي تغطيها في مناطق القناة والدلتا (شرقها وغربها) والصعيد (شماله وجنوبه) والقاهرة الكبرى.

كان هذا هو برنامج رمضان التلفزيوني منذ افتتاح التلفزيون المصري في الستينيات حتى سنوات قليلة تلت انطلاق الفضائيات الخاصة على استحياء في العام 1998، في وقت كانت أجهزة الاستقبال غير منتشرة على أسطح البيوت المصرية بسبب ارتفاع ثمنها. وطوال هذا العقود كان "ماسبيرو" ملكا متوجاً وحيداً، لا ينافسه أحد، لكن المنافسة جاءت مع مطلع الألفية الجديدة، وحاول الصمود إلى أن جاءت 25 يناير 2011، لتتسبب خيارات قياداته في خسارة ثقة الجمهور. وتوالت الخسائر وتراجع معها اهتمام الدولة بما يقدمه المبنى العتيق، ليصبح ماسبيرو في السنوات العشر الأخيرة جثة مثقلة بالأزمات، تجثم على قلب الضفة الشرقية لنيل القاهرة.


تراجع عمدي؟

توارى ماسبيرو عن المنافسة، واقتصر تأثيره على بعض القنوات الجديدة التي تعتمد إعادة بث الإنتاج القديم، في استثمار لرصيد النوستالجيا. وظلت قنوات ماسبيرو زمان المبثوثة فضائياً وعلى يوتيوب، إضافة إلى الإنتاجات التاريخية للإذاعة المصرية.

وعلى الرغم من توقف إنتاج البرامج الخاصة الجديدة وتقليص الاعتماد على الخبرات والكفاءات الصحافية من خارج المبنى، ظلت ميزانية ماسبيرو تحقق عجزاً شهرياً يصل إلى 40 مليون جنيه، حسب تصريحات حسين زين، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام (لديه صلاحيات وزير الإعلام) أمام لجنة برلمانية.

حاول ماسبيرو الصمود إلى أن جاءت 25 يناير 2011، لتتسبب خيارات قياداته في خسارة ثقة الجمهور. ثم توالت الخسائر، ليصبح ماسبيرو في السنوات العشر الأخيرة جثة مثقلة بالأزمات، تجثم على قلب الضفة الشرقية لنيل القاهرة

في الشهادة نفسها، أكد زين أن الهيئة تحقق عوائد تصل إلى مليار جنيه سنوياً عبر شركاتها ومؤسساتها التابعة، ومنها ماسبيرو.

في مطلع العام الجاري، بدأت تظاهرات واحتجاجات العاملين في مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المعروف باسم "ماسبيرو"، احتجاجاً على تدني الأجور وتأخر صرف المستحقات المالية، مطالبين برحيل حسين زين، الرئيس المعين للهيئة الوطنية للإعلام عن منصبه.

بحسب تصريحات المحتجين الإعلامية في وقت بداية الاحتجاجات، فإن العاملين في ماسبيرو لم يتقاضوا مستحقاتهم المالية منذ سنوات، إضافة إلى هزال الرواتب وتأخر صرفها. ومع تغيير نمط العمل في المبنى بموجب قرارات رئيس الهيئة الوطنية، بات على العاملين الحضور يومياً والبقاء في المبنى سبع ساعات على الأقل، ما منعهم من العمل في وظائف أخرى كانت تدر عليهم دخلاً يعوضهم عن تأخر صرف مستحقاتهم في وظائفهم الأساسية. ورأى المحتجون في تصريحات صحافية أن تلك القرارات التي اتخذها رئيس الهيئة تستهدف دفعهم إلى ترك العمل من خلال الاستقالة أو طلب إجازات من دون راتب، حتى تتوفر النفقات.

استمرت التظاهرات عدة أيام وسط تجاهل إعلامي، ومحاولات فاشلة لاحتوائها من خلال الحلول الأمنية، إلى أن انتبهت إحدى القنوات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين التي تبث من الخارج وتحظى بقدر من المشاهدات في الداخل، لتطرح احتجاجات ماسبيرو أخيراً على أجندة البرلمان الذي استدعى رئيس الوطنية للإعلام للرد على التساؤلات.

استمرت التظاهرات عدة أيام وسط تجاهل إعلامي، ومحاولات فاشلة لاحتوائها من خلال الحلول الأمنية، وبعد زوبعة أثارتها إحدى القنوات المحسوبة على الإخوان، انتبه إليها البرلمان واستدعى رئيس الوطنية للإعلام للرد على التساؤلات

في وقت يسجل ماسبيرو خسائر سنوياً وصلت إلى أربعة مليارات جنيه في العام المالي 2015- 2016 وتزايدت حتى بلغت ستة مليارات في العام المالي 2019- 2020، وبلغ مجموع الخسائر التراكمية في نهاية العام 2019، 42 ملياراً، بحسب بيانات برلمانية.

وقال ياسر عمر، وكيل لجنة الخطة والموازنة في البرلمان السابق (2015- 2020) إن سوء إدارة الهيئة الوطنية للإعلام هو المتسبب في خسائر ماسبيرو المتراكمة، وإن الهيئة تتقاعس في تقديم خطة واضحة لتطوير ماسبيرو.

في الآن نفسه، تؤكد الهيئة الوطنية للإعلام ترهل الكيان الإداري وزيادة عدد الموظفين في ماسبيرو وتعتبره السبب الكامن وراء الأزمات، وترى أن رواتب العاملين هي السبب في غياب أية فرص لتطوير العمل في المبنى.

وتجددت المظاهرات مراراً على مدار الأشهر الثلاثة الماضية، وتوقفت مع حلول شهر رمضان، رغم أن العاملين لم يتلقوا أية ردود بشأن أسباب احتجاجهم، وعلم رصيف22 من خلال عدد من العاملين أن موجة جديدة من الاحتجاجات قد تبدأ بعد نهاية رمضان مع استمرار تاخر صرف الرواتب والمستحقات.

للعاملين نظرة أخرى

تقول المذيعة هالة فهمي، التي تقود الاعتصام داخل ماسبيرو: "الأمور بدأت تأخذ منحنى خطيراً وغاضباً، منذ عدة شهور عندما اعتمدت إدارة المؤسسة على خطة لتطفيش (تسميم أجواء العمل لإكراه العمال على الاستقالة) العاملين بالمؤسسة بشكل ممنهج، تارة من خلال اعتماد أجهزة البصمة لإثبات الحضور والانصراف، وتارة بتركيب كاميرات مهمتها تصوير كل العاملين أثناء حضورهم للعمل. وقتها بدأت في الاعتراض ورفضت التصوير، لأنه ليس من الممكن أن تجبرني كمذيعة على الحضور في مقر العمل والمكوث فيه سبع ساعات يومياً، ثم أطل على الشاشة لجمهور برنامجي بوجه باهت وعقل مرهق، وهو ما يثبت أن جميع الإجراءات والقرارات التي اتخذتها إدارة هذه المؤسسة العملاقة ليست ذات رؤية حكيمة، وإنما مجرد قرارات عشوائية، من دون حتى التفكير في عواقبها، ثم في بدء يناير/ كانون الثاني من العام الجاري، بدأت حالة من التذمر في صفوف العاملين لحرمانهم من مستحقاتهم وترقياتهم منذ ست سنوات كاملة، فقررتُ عدم الانضمام لهم إلا عندما أشعر بجديتهم، وكان التنكيل بهم على يد أفراد أمن المبنى سبباً في تصعيد الاحتجاج ومن ثم انضمامي إليهم".

المذيعة هالة فهمي: مطالب العاملين لا تتوقف عند استرداد المستحقات المالية، وإنما تمتد إلى تطهير المؤسسة من الفساد ومحاسبة المتهمين به، "خاصة أن هناك دلالات عدة على وجود خطة ممنهجة لبيع تراث ماسبيرو"

وتوضح فهمي لرصيف22 أن مطالب العاملين لا تتوقف عند استرداد المستحقات المالية، وإنما تمتد إلى تطهير المؤسسة من الفساد ومحاسبة المتهمين به، "خاصة أن هناك دلالات عدة على وجود خطة ممنهجة لبيع تراث ماسبيرو لجهات محددة، كما حدث مع التراث السينمائي المصري، وهو ما تم فعلاً مع إنتاج القنوات المتخصصة التي أسسها وزير الإعلام السابق صفوت الشريف". كما يطالب المحتجون بإعادة هيكلة المؤسسة "فكرياً وإدارياً" لوضعها على خريطة المنافسة واهتمام المشاهد، وأخيراً المطالبة بتشكيل مجلس أمناء لإدارة المؤسسة يُختار أعضاؤه "من ذوي الخبرة لكافة المجالات الفكرية والعلمية".

وكانت فهمي في عداد مؤسسي تيار "اتحاد أبناء ماسبيرو" الذي طالب بتطهير المؤسسة الإعلامية السيادية من الفساد واحتجوا على بث الأخبار الكاذبة من القنوات التلفزيونية والإذاعية التابعة لماسبيرو إبان الثورة المصرية، ونشروا وثائق كثيرة حول الفساد والتربح وإهدار المال العام في وزارة الإعلام المصرية في الفترة السابقة على ثورة 25 يناير 2011. كما كانت فهمي في طليعة المحتجين على حكم جماعة الإخوان المسلمين خلال عامي 2012 و2013.   

وتردّ فهمي على اتهام البعض لها بالعمل لصالح بعض التيارات المعادية للنظام المصري – في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية-، وتقول: "طبعاً تلك الاتهامات باطلة وساذجة، ومن يحاول محاربتي بها لا يعرفني جيداً ولا يعرف تاريخي، فدعيني أقول أولاً إنني لا أسيِّس قضيتنا، فأنا أتكلم عن بديهيات حقوق العاملين وهي استلام مستحقاتهم المتأخرة، وعن مستقبل المؤسسة التي كانت يوماً تشارك في الدخل القومي لمصر، وأصبحت مهملة بشكل يفوق الوصف. وأخيراً، هل يعلم من يكيل تلك الاتهامات لي أن برنامجي ‘الضمير’ تم وقفه إبان حكم جماعة الإخوان المسلمي منذ أغسطس/ آب 2012، وعاد بعد رحيلهم؟".

وتؤكد أن أياً من المسؤولين لم يتواصل معها ومع زملائها المحتجين "لا بالتهديد والمطالبة بإنهاء الاعتصام، ولا بالرغبة في التوصل لحل الأزمة"، وتضيف: "هناك حالة واضحة من التجاهل للاحتجاج والمحتجين ومطالبهم العادلة، أما الحديث عن بيع المؤسسة فهو مرفوض، والأفضل هو بحث تطويرها وحل أزماتها. لا يمكن أن يكون البيع كلمة مفتاح حل كل مشكلة تقابل أي مؤسسة أو شركة مصرية، خاصة إذا كانت في أهمية ماسبيرو".


البرلمان على الخط

يذكر أن فور بدء الاحتجاج، تقدمت نائبة بالبرلمان المصري ببيان عاجل لرئيسه المستشار حنفي جبالي، وكذلك وزير المالية محمد معيط، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام، لمحاولة إيجاد حل جذري للأزمة، وذلك في بداية يناير/ كانون الثاني الماضي، إلا أن هذا التحرك الذي جاء بعد ثلاثة أيام من بدء الاحتجاجات، لم يجد صداه ولم يساهم في حل الأزمة حتى الآن.

ورد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، حسين زين، في بداية يناير/ كانون الثاني الماضي كذلك، بأن الاحتجاجات انتهت، وأن "هناك قلة حاولت أن تستغل غضب بعض العاملين من وضع نظام جديد لنظام العمل داخل الهيئة، وتطبيق نظام البصمة، ولكن العاملين بماسبيرو لم يتماشوا معهم"، إلا أن الاحتجاجات مستمرة حتى الآن.

في فبراير/ شباط المنقضي، ومع استمرار الاحتجاجات، طالب عدد من نواب تنسيقية الأحزاب والسياسيين بتشكيل اجتماع لجنة القوى العاملة بمجلس النواب لمناقشة الأزمة، وهو ما حدث بالفعل، إلا أن الاجتماع لم ينجح بسبب ضعف تمثيل وزارة المالية والهيئة الوطنية للإعلام، فيما اتهمت النائبة أميرة صابر الجهتين بعدم الجدية في حل الأزمة والاستهانة بالنواب.

أزمات ماسبيرو لا تتوقف عند احتجاج العاملين فيه للمطالبة بحقوقهم، وإنما يواجه أيضاً أزمة مالية كبيرة. فثمة شركة واحدة وهي شركة "صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات" قدرت خسائرها بنحو 170 مليون جنيه منتصف صيف 2015، وهي من الشركات التي كانت تحقق أرباحاً عالية من مبيعات إنتاجها الموسيقي والدرامي قبل أن تحتكر شركة المتحدة للخدمات الإعلامية إنتاج الأعمال الدرامية خلال السنوات الاربع الاخيرة.

وكان رأس مال شركة صوت القاهرة البالغ 64 مليون جنيه قد تراجع بعدما حققت خسائر متلاحقة تبلغ 151 مليون في يونيو/ حزيران 2014. وكانت خسائر الشركة من حقوق طبع وتوزيع التراث الغنائي المملوك للإذاعة والذي كانت تحتكره (يتضمن أغنيات كبار المطربين ومنهم أم كلثوم وفايزة أحمد وآخرون) وراء خسائر متلاحقة منيت بها الشركة.

وفي بيان للهيئة الوطنية للإعلام للسنة المالية 2018/2019، أعلنت الهيئة بلوغ الخسائر سبعة مليارات جنيه، بزيادة بلغت 318 مليوناً عن العام السابق، أما رصيد القروض، فقد بلغ تسعة مليارات ونصف، تقريباً، بزيادة 4% عن العام السابق. وقدرت وزارة المالية عام 2019 الخسائر المتوقعة للهيئة الوطنية للإعلام "ماسبيرو"، خلال العام المالي الجديد 2019/2020، بـ7.4 مليار جنيه.

وفي بيان برلماني، قالت جليلة عثمان، وكيلة لجنة الثقافة والإعلام والآثار في مجلس النواب المنتهية ولايته عام 2020، إن القيادات الحالية في الهيئة الوطنية للإعلام واتحاد الإذاعة والتلفزيون "غير مؤهلة" للنهوض بأداء الهيئة وآداء ماسبيرو، و"غير قادرة على إحداث أي تطوير"، وإن الهيئة الوطنية للإعلام تسببت في مزيد من التراجع بسبب "قراراتها المتضاربة"، ورغم ذلك لم يطرأ أي تغيير على آلية اختيار القيادات في ماسبيرو أو الهيئة الوطنية للإعلام التي تملكه وتديره، ويعين قياداتها بقرار جمهوري يوافق عليه البرلمان.  

وترى أستاذة الإعلام، الدكتورة ماجي الحلواني، أن ماسبيرو يحتاج إلى رؤية شاملة وخطة عاجلة للإصلاح والتطوير الفني والفكري، وإدخال تقنيات جديدة تناسب العصر، وتساهم في جعل المحتوى المقدم أكثر جاذبية للمشاهد، "خاصة أن الكوادر البشرية موجودة. علماً أن التلفزيون المصري هو الذي قدم النخبة الأهم والأفضل من الإعلاميين والإعلاميات التي ظهرت في تاريخ مصر، ولا يمكن أن يكون البيع أو الاستغناء عنه هو الحل لأزماته، خاصة مع دوره التاريخي في مساندة الدولة المصرية في كل معاركها السياسية طوال تاريخه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard