نتعلّم الرقصَ أولاً ثم نطير... بين الدبكة ورقصة المولوية

الاثنين 6 يونيو 202205:39 م

تحيلنا الدائرة، والرسم الدائري على الأرض، في الإنثروبولوجيا، إلى دلالات التسوير والحماية ‏والتحريم، وكل تسوير تقديس. فالدائرة –وفق معجم الرموز- أمتن الأشكال الهندسيّة وأكثرها قوة ‏ومناعة. في هذا التشكيل بمعانيه، تطالعنا رقصة المولوية أو رقصة الدراويش، وبالمثل الدبكة، ‏وهي رقصة شعبية في بلاد المشرق واليونان. غير أن المُلفت في الرقصتين، حيث روح ‏الجماعة تسود، هو اتجاه حركة الدوران المتعاكس في الأصل والتأسيس‎.‎

جماعة تتناغم مع الطبيعة والكون في طوافها

المولوية رقصة صوفية أسس لها ووضع قواعدها المتصوفة، واشتُهرت ‏بأداء الحركة الدوارة حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ، حيث يدخل الدراويش ويدورون ‏عكس عقارب الساعة ثلاث مرات، برمزية دوران الآدميين "حول الذات وسرّ الذات ونور ‏الذات". والرقم ثلاثة للدورات يشير إلى مراحل التقرب إلى الله، بما هي طريق العلم والمعرفة، ‏وطريق الرؤيا، وطريق الوصال أو المشاهدة‎.‎

أما فيما يتعلق باتجاه الدوران عكس عقارب الساعة، فيوحي بأنه عكس الزمان الفيزيائي بالتعبير ‏الأنطولوجي، وهذه إشارة إلى تخلص المتصوفة وتحررهم من قيود الزمان، وولادتهم من جديد ‏بعودتهم إلى مصدر انبعاثهم‎.‎

يقول الرومي: "إن الأرواح التي تكسر قيد حبس الطين والماء تكون سعيدة القلب، فتصبح ‏راقصة في فضاءات عشق الحق لتكون كالبدر في تمامه". إذاٌ، هذا الرقص سبيل لتجاوز الذات ‏الإنسانية في عبورها إلى المعشوق، وانخطافها في حالة الوجد‎.‎

المولوية رقصة صوفية أسس لها ووضع قواعدها المتصوف جلال الدين الرومي، واشتُهرت ‏بأداء الحركة الدوارة حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ

إذا كان المتصوفة يبتغون غياباً عن الزمان في حضرة المعبود، فـ"الدبيكة" هي علاقتهم بالزمان ‏والطبيعة بموجوداتها، وبحركة دوران الفصول، التي تبرز وثيقة الصلة إذا ما تتبعنا جذور الدبكة، لا ‏سيما اللبنانية الجبلية التي تستبطن عناصر طقسية تعود إلى بقايا رقصات وثنية. لكنها ممارسة ‏فنية ترجع إلى بيئة من التبادل البدائي لجماعات تمارس التعاون الإنتاجي في ما بينها، مثل ‏‏"العَونة" (أي التعاون والمساعدة مادياً وفي العمل).‏

ثقافة مؤلفها الكائن التاريخي الجمعي

في كتابه "إن كان بدك تعشق... كتابات في الثقافة الشعبية" يورد الكاتب اللبناني فواز طرابلسي قولاً للناقد ‏الروسي فلاديمير بروب في الثقافة الشعبية وقد شبهها باللغة، حيث لا مؤلف فرداً لها، بل إن ‏مؤلفها هو الكائن التاريخي الجمعي، بعكس منتجات الثقافة "العليا" بوصفها نتاج أفراد. ويتابع ‏بأن الرقص الشعبي حمال دلالات وطقوس‎.‎

في المجتمع الريفي يتجلى صراع الإنسان/الفلاح من أجل البقاء، بين جماعة متماسكة ‏والطبيعة. والدبكة تعبير عن هذا التماسك وبناء العصبية في إعادة إنتاج الجماعة، حيث يذوب ‏الفرد في الكل. رقصة تتشكل جسماً جماعياً راقصاً واحداً، يتخذ طابعَ تحدي الآخر في ‏استعراض القوة تارةً، وتحدّي الأرض تارة أخرى. تتشارك معظم الدبكات بعدد من الحركات: ‏الخطوات، ضربة الأرجل (اليسرى) على الأرض، القمز، التقدّم والتراجع من خلال الحركة ‏الدائرية التي تتم عادةً من اليسار إلى اليمين‎.‎

يصنف طرابلسي الدبكات المشرقية على أساس الموقع الجغرافي وطبيعة الأرض، وليس بخلع ‏صفات النسبة عليها، كأن تكون لبنانية، أو سورية، أو فلسطينية، أو أردنية، أو عراقية. بل ثمة ‏دبكة السهل ودبكة الجبل ودبكة الجرد ودبكة البادية. وذلك أن لطبيعة الأرض تأثيراً في خطوات ‏الرقصة والحركات والإيقاع. ويقول إن رقصة الجبل أسرع وتيرة وأكثر تقطعاً ورشاقة من ‏رقصة السهل البطيئة متباعدة الخطوات‎.‎

عدم الوعي بالجسد في حالة الرقص دليل على اندماجه في الوجود، بوصفه ركيزة شعورية ‏معيشة

رقصة الدبكة –الجبلية على وجه الخصوص- تنطوي على مجموعتين متناقضتين من الحركات: ‏حركات الدوران والتكرار الأفقية، وحركات القمز وضرب الأرجل في الأرض العمودية. وهي ‏في مجموعها تختزل دلالة الرقصة في علاقة الجماعة بالطبيعة، من خلال رمزية الحركات ‏الدائرية المنسجمة مع تعاقب الفصول والمواسم، ودلالة الحركات العمودية التي تتحدى الأرض، ‏تدقها كي تنفتح أبوابها وتعطي زرعاً وخصباً، ويتفتت صخرها ويهب ماءً. ‏

فالجسد الفلاحي وهو ينكش التراب، يتجسد في الرقصة، بتقدم رجل الفلاح اليسرى إلى الأمام ‏ومشيته المتهادية يمنة ويسرة، فضلاً عن الـ"هاه" التي يطلقها مع كل ضربة معول تكون عوناً له ‏على زيادة زخم الحركة، لتترجم صيحات صاخبة فرحة في الرقصة‎.‎

نلاحظ إذاً التباين بين الاندماج في الطبيعة، والتمسك بها والتماهي الحركي مع فصولها، بما ‏يعود من خيرها على الإنسان في خوفه من الجدب، كما في الدبكة، وبين رفض العيش في ‏اليومي والانغماس فيه، على قاعدة ترك كل شيء بغية امتلاكه بكليته، كما في الرقص الزهدي ‏للدراويش. وهو تباين ظاهري، أما في العمق –كما أرى- فثمة غاية واحدة، وإن اختلفت طرائق ‏الجماعات في التعبير، تتجلّى في البحث عن الوجود ومعنى الوجود‎.‎

الأنا المتجسد

مسألة الجسد في مفهوم الرقص الصوفي مسألة شائكة، وليست كذلك في الدبكة، في تعبيرها ‏الأكثر التصاقاً بالمعيش في المجتمع. فالدرويش لا يعلي من قيمة الجسد، ويحاول من طريق ‏الزهد به وتغييبه أن يوجد في حضرة الإله، ولا يتأتى له ذلك إلا بالجسد الراقص الذائب في ‏الدوران. فهو من خلال نفيه يؤكد حضوره وأهميته‎.‎

غاية الراقص ألا يعي بجسده، ويرتكز على كبت شعور التجسد الذي لن يكون الإنسان مع ذلك ‏موجوداً من دونه. ولكن عدم الوعي بالجسد في حالة الرقص الدوار سبب ودليل على اندماج ‏الجسد في وجوده، بوصفه ركيزة شعورية معيشة. فهل يسكن الدرويش جسده كربّان في سفينة ‏‏(بتعبير مِرلو-بونتي في رده على كوجيتو ديكارت)، أو أنه يعيش جسداً مدمجاً في وسط العالم؟

ويجادل بونتي بأن ديكارت غيب العيني والحسي، وهمش حضور الجسد في الممارسة المعرفية ‏في مقولته (أنا أفكر، إذاً أنا موجود). وفي رقصة الدراويش ثمة تغييب للفكر لا الجسد وإن ‏تُوّهم عكس ذلك. ولكي نتبين المعنى نذهب إلى مفهوم "العالم المعيش" (من ابتداع هوسيرل)، ‏وهو يعني عالم الحياة، ويشير إلى التجربة ما قبل العلمية التي يعيشها بشكل فوري أفراد بعينهم ‏ومجتمعات وثقافات خاصة. كما يتحدد في أنه عالم ممكن للتجارب الذاتيّة الجماعية وللوجود ‏الفعلي. وثمة عوالم معيشة بقدر ما هنالك من أفراد‎.‎

الدرويش لا يعلي من قيمة الجسد، ويحاول من طريق الزهد به وتغييبه أن يوجد في حضرة ‏الإله، ولا يتأتى له ذلك إلا بالجسد الراقص الذائب في الدوران

فالجسد المعيش، بوصف الفينومينولوجيا، هو مكان الخبرة. إنه المحسوس بالمعنى المضاعف لما ‏نحسّه. به وعبره، تتحقق الواقعية الإنسانية. وفي كل لحظة يمكننا قراءة العالم بالحواس، وتحويله ‏‏–في حالة الرقص- إلى بنى مرئية، وصوتية، وحركيّة لبناء عالم المعنى. وحين تبلغ نشوة ‏الراقص أقصاها تدمر اللغة، ليعود إلى حالة سابقة على وجودها (أي اللغة)، إلى الأصوات ‏والصرخات التي كان يطلقها قبل تعلّمه اللغة‎.‎

لنفرحْ بأجسادنا... ونرقص

عدم الوعي بالجسد في حالة الرقص دليل على اندماجه في الوجود، بوصفه ركيزة شعورية ‏معيشة. وإذا كان الجسد هو "العقل الأكبر" الذي يخلق الأفكار والأحاسيس، على ما يذهب نيتشه، ‏فهذا يعني أن الجسد يمثل موضوعاً من موضوعات الوجود والمعرفة من طريق اتحاد المعرفي ‏بالحيويّ‎.‎

جميل أن نردد مع زرادشت، في كتاب نيتشه (هكذا تكلم زرادشت) ما جاء من رأي في أهمية ‏التناغم في الحركة وفي الرقص: "من يريد أن يطير في يوم ما، عليه أن يتعلّم أولاً كيف يقف ‏ويمشي ويركض ويتسلق ويرقص. حتى أسوأ الأشياء لها قدمان للرقص. ليكن يوماً ضائعاً من ‏حياتنا كل يوم لا نرقص فيه مرة واحدة‎".‎

في الرقص سرّ السعادة والتصالح مع العالم حين يصل الإنسان بخيباته وفجائعه حدّ الرقص- ‏الرقص وسط الخراب الجميل- كما فعل "زوربا" بطل الروائي نيكوس كازانتزاكي. أن نرقص ‏يعني أن نندرج بكليتنا في حالة تنشدها الروح والنفس والجسد معاً، ولا شيء سوى هذه الحالة ‏الانعتاقية.‏ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard