مدرّبة رقص دوراني في الأردن: "موجود قبل الصوفية وجلال الدين الرومي أعاد اكتشافه"

الاثنين 6 يناير 202002:26 م

كما لو جلست على مقعد بجانب النافذة في قطار يسير بسرعة، أو شاهدت الألوان وهي تمتزج مع بعضها دون استئذان خارج تلك النافذة، ألوان السماء والتلال والأزهار البنفسجية، كان هذا هو شعوري عندما جرّبت الرقص الدوراني، أو المعروف بالرقص الصوفي.

كنت أعتقد قبل إعدادي هذا التقرير أن السرّ في الرقص الدوراني يكمن في التنورة التي غالباً ما يتم ارتداؤها من قبل الراقصين، لكن تبين، بعد أن خضت تجربة لطيفة قبل إجراء مقابلة مع مدربة الرقص الدوراني في الأردن، روان الرشق، أن السر يكمن في خليط الألوان التي تشاهدها وأنت تدور، حيث اكتشفت أيضاً أنه يشترط ألا تغلق عينيك وأنت تدور على عكس ما كنت أعتقد.

أربعون دقيقة بالتمام والكمال، مدة الدوران في ورشة المدربة روان، تسبقها جلسة تأمل، واستهلت الدورة بالطلب من المشاركات إغماض أعينهن والذهاب في رحلة استكشاف الماضي والبحث عن أي تجربة سابقة مارسن فيها الدوران.

إحداهن، وهي بولندية الجنسية، تذكرت في رحلة استكشافها وهي مغمضة عينيها مشهداً جمعها مع طفلتها في إحدى أحياء فلسطين التي زارتها قبل أعوام كثيرة، مضت وهي تلعب ابنتها لعبة الدوران، ومشاركة أخرى بريطانية الجنسية، تعمل في إحدى المنظمات في العاصمة عمان عادت بها الذاكرة إلى مشهد عندما كانت تلف هي وزوجها طفلهما وهما يلعبانه وصوت ضحكاته ملأت المكان، طفلها الذي هو اليوم متوفى.

الصبية روان الرشق التي أوجدت نوعاً غائباً في الأردن من أنواع الرقص وهو الرقص الصوفي، والذي لا يتمتع بصيت واسع في الأردن وقد لا تتقبله الأعراف المحافظة الموجودة، رغم أن الأردن، وبحسب حديثها لرصيف22، من البلدان التي زارها جلال الدين الرومي، وتضيف: "فعلاً مستغربة ليش الرقص الصوفي ما إله أثر هون".

Sveta Photography

بدأ تعرف روان على الرقص الدوراني بمحض الصدفة، عندما كانت في مهرجان موسيقي في كندا، عن هذا تقول: "كنت واقفة فوق حشيش والشمس مدفية جلدي، وكنت حاملة قماشة كبيرة حمرا وفجأة لقيت حالي بلف وبلف... وقتها شعوري بالحرية في هاي اللحظة أعلى من شعوري بالانبساط، لحظة لا توصف".

الأمر الذي جعلها تتشجع وتبحث أكثر عن ذلك النوع من الرقص، وقبل ثلاثة أعوام، شاركت في تجمع محبي الرقص الصوفي والتصوف في مدينة "تيرمال" التركية، حيث اجتمع العشرات من المشاركين والمتطوعين في تجمع استمر لمدة 113 يوماً، وعلى مدار تلك الأيام لم تتوقف الموسيقى ولا الرقص الدوراني، وتضيف: "بيئة دينية منفتحة تتقبل كل من وهو آخر ويسودها المحبة والإنسانية".

قصص الرقص الصوفي

في حديثها عن الرقص الصوفي، أو الرقص الدوراني، قالت روان لرصيف22 إنه موجود منذ تاريخ البشرية في مختلف الثقافات، وتضيف: "ففي الصين مثلاً كانت النساء ترقصن الرقص الدوراني بهدف التواصل مع الأرواح، وكن لا يرتدين التنورة المتعارف عليها في هذا النوع من الرقص، إنما كان التركيز على منطقة اليدين بلبس كفوف طويلة تصل إلى الأرض ويقمن باللف من خلالها".

وتتابع: "وفي أمريكا الشمالية، وتحديداً الهنود الحمر فيها، كانوا يمارسون الرقص الدوراني عند موت شخص وعند المقابر، بحيث كانوا يعزون الأرواح بهذه الطريقة، وفي مناطق في آسيا كانوا يمارسون هذا الرقص في القصور للملوك".

وتضيف: "أما في سوريا وفي تركيا فيمارس الرقص المولوي، نفس الرقص الذي خرج من مولانا جلال الدين الرومي، وهناك يرتدون الأبيض وطاقية باللون البني، أما الأبيض فيرمز للون الكفن الذي يوضع على الميت، وأما الطاقية البنية فترمز للصخرة التي توضع على القبور، وكل ذلك تجسيد لجثة ميتة".

أما في إيران، وتحديداً في خراسان، حسب تعبيرها، فإن هذا النوع من الرقص كان للمحاربين، حيث يرتدون عمامة تلف شعرهم، وفي لحظة ما وخلال أداء الرقص الدوراني يفلتون العمامة ويبدؤون بصنع حركات قوية صاخبة ترمز للمحاربة والقتال.

وتتابع: "بعد بحثي عن هذا الرقص، تبين أن الرقص الدوراني موجود من قبل الصوفية وقبل الإسلام، ومولانا جلال الدين الرومي أعاد استكشاف الرقصة ولم يخلقها".

Sveta Photography

"كل شيء يتحرك بذات طريقة الرقص الدوراني"

لكن ورغم اختلاف ثقافات الرقص الدوراني، إلا أنها وبحسب روان تشترك بالعنصر الروحاني، وتضيف: "أؤمن أن كل شيء يتحرك بذات طريقة الرقص الصوفي، كالكواكب والنجوم والشمس والقمر جميعهم يدورون حول أنفسهم وحول بعضهم، حتى خلايا أجسامنا هناك تجاذبات وحركات دورانية حول نفسها وحول بعضها"، وتتابع: " أؤمن أن الروحانيات تأتي تناغماً مع حركة الكون ورقصة الوجود".

ليس من الضروري أن تكون متصوفاً حتى تمارس هذا النوع من الرقص، بحسب روان، فهي تعتبر أنه موجود في كثير من الحضارات، لكن أهم شيء في هذا الرقص وما يعتمد عليه هو النية.

أكثر من مرة وخلال الحوار معها كررت روان تأكيدها على أهمية استحضار النية قبل البدء بالرقص الدوراني، فالنيّة شكل من العبادة، كنيّة الشفاء أو التعبير عن النفس أو تقوية الجسد والعقل وغيرها، وتضيف: "هناك حدود نشعر خلال أدائنا للرقص الصوفي أننا نستطيع كسرها والوصول إلى مكان أعلى منها، هي ذات الحدود التي اخترعتها أذهاننا".

وتبدي روان استغرابها من غياب الرقص الصوفي عن الأردن، رغم يقينها أنه وصل الأردن فهو حاضر بقوة في سوريا مثلاً، وتضيف: "خسارة كيف ضاع عنا".

 "ليس غريباً أن تجدي شخصاً يبكي، أثناء انسجامه وهو يؤدي الرقص الدوراني، الأمر الذي يكشف مدى أهمية خروج هذه المشاعر ويؤكد أن هذا الرقص قد يشفي الآلام"... تقول روان الرشق في حديث لرصيف22

تبدي مدرّبة الرقص الدوراني، روان الرشق، استغرابها من غياب الرقص الصوفي عن الأردن، رغم يقينها أنه وصل الأردن فهو حاضر بقوة في سوريا مثلاً، وتضيف: "خسارة كيف ضاع عنا"

"الرقص يساعد على تخطي الخوف"

قبل فترة قصيرة، عادت روان من فعالية مهمة تقام منذ حوالي الـ 800 عام في كونيا في تركيا، ما بين العاشر وحتى السابع عشر من كانون الثاني/ ديسمبر، وهي طقوس احتفالية بذكرى وفاة جلال الدين الرومي، أما روان فتتوقف عند كلمة احتفالية، حيث أن هناك اعتقاد أنه بوفاة الرومي قد تحررت روحه واستطاع التواصل مع الله، وهو الأمر الذي كان يطمح له، حسب تعبيرها.

ولدى روان الرشق قناعة مطلقة أن الرقص الدوراني وسيلة للشفاء، لكن كما تعيد وتشدد: "أهم شيء أن تكون هناك نية للشفاء واستعداد لذلك، خصوصاً الشفاء من جروحات الدنيا كالذي يحدث في الطفولة، فقدان، كسر طموح، أو كسر قلوب".

وتتابع: "كما أن الرقص الدوراني يساعد على تخطي الخوف، هذا الخوف الذي لم يكن يلمسنا في الصغر"، وتستشهد بمثال أن الأطفال عندما يقومون بالدوران لا يهتمون إلا بفرحهم في تلك اللحظات ولا يعرفون الخوف، وتضيف: "عندما نكبر نزرع الخوف في داخلنا ونبدأ بوضع حدود، هذه الحدود التي أسميها السقف الزجاجي، فهو غير موجود في الواقع لكن عقولنا قد برمجته".

Sveta Photography

وأول خطوات كسر الخوف الذي هو أولى خطوات ممارسة الرقص الدوراني، بحسب روان، هو إعادة برمجة عقولنا والتركيز على قياس مدى تناسب البيئة التي نتواجد فيها مع الحركات التي سنقوم بها أثناء الرقص، حتى قوة الطاقة في رقصنا مختلفة عما هي ونحن نمشي على الأرض، حيث قوة الجاذبية هي التي تقودنا، في حين أن قوة الطرد المركزي تتفوق على الجاذبية ونحن ندور خلال الرقص ذات القوة التي تحاول أن ترفعنا من مكاننا، حسب تعبيرها.

وتضيف: "الرقص الصوفي يشبه الخلاط، حيث خلال أدائه تظهر أشياء كانت مختبئة ومدفونة في أعماق أذهاننا كالذكريات المؤلمة. ليس غريباً أن تجدي شخصاً يبكي، أثناء انسجامه وهو يؤدي الرقص الدوراني، الأمر الذي يكشف مدى أهمية خروج هذه المشاعر ويؤكد أن هذا الرقص قد يشفي الآلام، وأنا على قناعة أنه لا يوجد شخص يشفي شخصاً، كل إنسان هو المسؤول عن شفاء نفسه".

غياب الوعي المجتمعي عن الصوفية

وتعتبر روان أن سمة "التستر" شبه المتعارف عليها من قبل متصوفين أردنيين تعود لأسباب تتعلق بغياب الوعي المجتمعي عن الصوفية، وعن الأحكام المسبقة المتعارف عليها عنه، فذلك يقول خزعبلات، وآخر حرام، وغيرها من الأحكام.

وتضيف: "دون إدراك أن الدين هو المحبة والمعاملة والعبادة أن نحب ونعيش في صراط العشق بحبنا لربنا، هذا هو فكر الصوفية، وهذا ما أؤمن به".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard