رحلات بشارة تقلا... وثائق مهمة عن أوضاع الناس في نهايات القرن التاسع عشر

الأربعاء 27 أبريل 202211:24 ص

يُعَدّ بشارة تقلا (1852-1901)، من أهم الشخصيات التي لعبت دوراً مؤثراً في الصحافة العربية، وخصوصاً المصرية، فقد قام ببناء مدرسة صحافية في نهاية القرن التاسع عشر، واستطاع أن يبتكر فنوناً وأساليب في الصحافة والتوزيع لم تكن تعرفها الصحافة المصرية من قبل، ليوصف بأنه رائد الصحافة اليومية في العالم العربي، وذلك لأنه وضع أسساً راسخةً لها، ما تزال موجودةً حتى اليوم.

بالإضافة إلى ذلك، كانت حياة تقلا مليئةً وحافلةً بالمشاريع الصحافية، فقد أصدر العديد من المجلات والصحف، أشهرها: الأهرام التي كانت تُعَدّ باكورة الصحف العربية قديماً، كما أنها الجريدة المستمرة في الصدور حتى اليوم، منذ القرن التاسع عشر.

من هو بشارة تقلا؟

من بلدة كفرشيما في جبل لبنان، بجوار مدينة بيروت، عمل آل تقلا في الميادين العلمية والتجارية، وبرز كثيرون منهم في ميدان السياسة، خصوصاً خلال العهد العثماني، وفي 22 آب/ أغسطس 1852، وُلد بشارة بن خليل بن إبراهيم.

تلقى بشارة تعليمه في بيروت، ثم عمل في التدريس في مدرسة عينطورة لنحو سنتين، كما عمل أيضاً في التجارة مدةً قبل أن يتركها ويرتحل إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل، عام 1875، وذلك بناءً على نصيحة من شقيقه الأكبر سليم تقلا، الذي سبقه إلى الإسكندرية، وأراد من أخيه الأصغر أن يساعده في إنشاء صحيفة، حسب ما وثّق كتاب "بشارة تقلا باشا (1853-1901)... أقوال الجرائد، مراثي الشعراء، مختارات من أقوال الفقيد المنشورة في جريدة الأهرام"، الذي أصدرته مطبعة الأهرام للمرة الأولى سنة 1902.

حين وصل إلى ميناء الإسكندرية، لم يكن عمر بشارة يتجاوز الـ25 عاماً، وسرعان ما اندمج وتأقلم مع المجتمع المصري، ونجح في إنشاء العديد من المجلات والصحف، وأولها وأشهرها جريدة الأهرام التي صدر العدد الأول منها في أربع صفحات يوم الخامس من آب/ أغسطس 1876.

في ذلك الوقت، لم تكن مهنة الصحافة تجذب أحداً إليها. ويحكي بشارة أنه كان يذهب بنفسه إلى الأرياف ليحاول إقناع الفلاحين المصريين بالاشتراك في صحيفته، ورفع شكاواهم إليه لينشرها.

كان بشارة متفاعلاً مع الأحداث السياسية والاجتماعية في عصره، ولذلك تعرضت كل صحفه ومجلاته للمنع والإيقاف، وتعرض منزله ومطبعته في الإسكندرية للحرق من قبل العُرابيين، بسبب عدم انحياز جريدة الأهرام إلى الثورة العرابية، كما تعرّض بشارة نفسه للسجن عام 1879، بسبب مقال نشره بعنوان: "ظلم الفلاح"، اتّهم فيه الخديوي إسماعيل بالاستبداد وظلم الفلاحين، وندد بسوء سياسته المالية، وسرقته أموال الشعب، حسب ما ذكر أنور الجندي في كتابه "تطور الصحافة العربية في مصر"، إلا أنه لم يمكث في السجن إلا ثلاثة أيام، وخرج منه لأنه كان يتمتع بحماية فرنسا التي يمتلك جنسيتها.

لكن بعد هذا الحادث، لم يعد بشارة إلى انتقاد السلطة بشكل مباشر، بل راحت صحيفته تتجه إلى إرضاء الخديوي، ثم وقفت على الحياد بعد ذلك، فكانت لا تمدحه ولا تنتقده. ولذلك يتهم البعض الأهرام بأنها كانت تمسك بالعصا من المنتصف، وبالأخص في ما يتعلق بالنفوذ الأجنبي في مصر.

وكان بشارة منحازاً إلى النفوذ الفرنسي بشكل علني، ويبدو أن ذلك لم يكن ناجماً عن قناعة بقدر ما كان نكايةً ببريطانيا، ويؤكد على ذلك جُرجي زيدان بقوله في كتابه "تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الثاني)": "وكانت خطتها (أي الأهرام) وطنيةً عثمانيةً منتصرةً لفرنسا ومجاهرةً بالمقاومة للاحتلال الإنكليزي".

ولم يطالب بشارة بالاستقلال التام عن العثمانيين عكس معظم الجمعيات والحركات القومية وقتها، بل كان يطالب بالمشترك الواسع لهذه الشعوب.

"مصر للمصريين"

عُرف بشارة بتعدد مواهبه، بالإضافة إلى إجادته أكثر من لغة أجنبية، منها الفرنسية والإنكليزية، وكان يدير ثلاث صحف يومية: صدى الأهرام، والأهرام، وأنشأ من الأخيرة نسخةً فرنسيةً سمّاها "بيراميد"، وكان يترجم بنفسه برقيات وكالات الأنباء وينشرها في صحيفته العربية، كما استطاع أن يؤسس شبكةً من المراسلين.

وانعكست شخصيته بشكل واضح على صحيفة الأهرام، فقد كانت تحمل طابعه السياسي وتوجهاته الأيديولوجية وخلفيته الفكرية، ووسم سياستها بهذه العبارة: "سلطنة سنّية، وتابعة عثمانية، ومصر للمصريين، ورأي عام في الشرق العثماني"، حسب ما يذكر كتاب "رحلات بشارة تقلا" الذي أعدّه أحمد عبد الوهاب الشرقاوي.

عام 1880، كتب بشارة تقلا عن أهل دمشق: "أهل دمشق على جانب من الظرف ورقة الطبع، وحسن المعاشرة، ولنسائهم من شهرة الجمال وحسن الخلق ما يقصر عنه الوصف"

وعن شعاره "مصر للمصريين"، كتب مقالاً تحدث فيه عن أن البعض حوّل معنى الشعار إلى غير ما أراده، فهو لم يرِد به التصورات الضيقة.

كان نهج بشارة مصرياً-عثمانياً، وأوصى بأن تستمر جريدة الأهرام على هذا النهج. كان من كبار المثقفين الداعمين لمشروع الجامعة الإسلامية، بالرغم من كونه مسيحياً لبنانياً، كما كان مؤيداً للدولة العثمانية، ومعادياً للإنكليز.

وفي زمانه، احتكّ بالعديد من الدوائر الفكرية والسياسية الكبيرة، وقابل السلطان عبد الحميد الثاني مرات عدة، وعرض عليه أفكاره وآراءه، ورحّب الأخير بها، وأنعم عليه بالباشوية، وعندما كان يكتب عن السلطان كان يصفه بالقول: "جلالة مولانا الخليفة أمير المؤمنين"، كما قام ببعض المهام الدبلوماسية لدى السلطنة العثمانية، وكان سفيراً لها لدى الإمبراطورية الروسية.

وحين نشبت الحرب بين الروس والدولة العثمانية، أصدر بشارة مجلةً سمّاها "حقيقة الأخبار"، كان يجمع فيها التلغرافات الواردة عن الحرب، وخصص نصف دخل المجلة لمساعدة الجنود العثمانيين.

وبجانب أعماله الكثيرة، كانت حياة بشارة حافلةً بالأسفار والتنقلات. عاش جزءاً من حياته كرحالة ومراسل صحافي، فسافر إلى بعض المدن العثمانية والأوروبية بين عامي 1880 و1883، وكتب رسائل ومقالات عدة عن رحلاته وأسفاره، سارداً تفاصيل ما مرّ به وشاهده من ملامح عن الواقع الفكري، ودقائق الحياة في تلك الفترة الحرجة، في شهادة على الأوضاع السياسية، والنشاط الاقتصادي، والبيئتَين الاجتماعية والدينية آنذاك.

وكان من المفترض أن يجمع بشارة هذه المقالات في كتاب مستقل بعد أن نشرها كسلسلة مقالات في جريدة الأهرام، لكن القدر لم يمهله، وتوفي في 15 حزيران/ يونيو 1901، عن عمر ناهز الـ49 عاماً.

في بلاد الشام

من الإسكندرية، انطلق بشارة في أسفاره إلى البلدان العربية، في التاسع من نيسان/ أبريل 1880، على متن "وابور مسكوبي"، الذي وصفه بقلة النظافة وسوء الخدمة وعدم الانتظام في المسير، ووصل إلى ميناء بورسعيد، مولياً قبلته شطر يافا، وذكر كيف كان ثغر بورسعيد يعمّ بالنشاط الاقتصادي الكبير، إلى درجة أنه عدّ أن ميناء بورسعيد قد يطغى على ميناء الإسكندرية، لأن تسهيلاته وافرة وموقعه الجغرافي متميز.

وبعد أن وصل إلى يافا، أعجبه موقع المدينة وبيئتها، لكنه تعجب وتحسر من سوء التنظيم وتردّي الأوضاع الاقتصادية، وتقاضي الموظفين الرشوة، وذكر أن المجلس البلدي ليافا لم ينشأ إلا ليكون اسماً بلا مسمى، إذ لا يأتي بأقل فائدة، والتشكّي عام، والحالة تقتضي الالتفات والإصلاح.

عند زيارته إسطنبول، سنة 1881، لفتت بشارة تقلا كثرة السوريين الموجودين فيها. كتب: "السوريون هنا ناجحون في أشغالهم وأعمالهم، ويعضدون بعضهم بعضاً"

ومن يافا انتقل إلى جبل لبنان، وكتب عن طبيعة الحياة العامرة بكل تفاصيلها، كما أشار إلى وجود رياح التعصب والطائفية، عادّاً أن الانتماء الطائفي راسخ فيه، ويقول: "وقفت على إحصاء جميع مدارس الجبل، فكان 263 بين تجهيزية وابتدائية، تحتوي 7،762 تلميذاً، و1،598 تلميذةً، يدرسون مع العربية الفرنسوية والإنكليزية، وأما تجارة الجبل فمعظمها من الحرير والزيت، وللأهلين نشاط في العمل، ولهم ميل غريزي إلى الأسفار والإتجار، فلا ترى منهم مكاناً خالياً".

من جبل لبنان، سار بشارة إلى بيروت، "فنزلنا إلى برّها، وأخذنا نمتّع النظر في مناظرها البديعة". أعجبه مناخ المدينة وحسن التعليم فيها وتنظيمه، ولاحظ قيام العديد من المدارس بالتدريس مجاناً، لكنه عاب أن بعض المدارس أبطلت التعلم باللغة العربية، واستبدلته باللغة الإنكليزية. ويعقب على ذلك بقوله: "إنا نرى أن ذلك ضربة قوية على لغتنا إذا أصرّ الأساتذة على هذا".

ثم يروي أن المطابع كانت مزدهرةً بشكل كبير، وخصّ بالذكر مطبعة الأمريكان التي كانت تطبع الكثير من الكتب، مثل: الإنجيل، واللغة، والطب، والفلسفة، والهندسة، وغيرها من العلوم، وكانت تباع جميعها بأثمان بخسة.

ويصف حالة الأمن، وأشد ما أعجبه في بيروت، فيقول: "لهذه المدينة جرائد عديدة، وأهلها منصبّون على معرفة الأخبار السياسية واستطلاع مكنوناتها، ولهم إقدام على الإتجار... أما حال البوليس فجيدة، وهي من تنظيمات أبهة مدحت باشا".

المحطة التالية كانت دمشق. أُعجب بكل شيء فيها، وعلى وجه الخصوص بيوتها وإحكام هندستها والتفنن في تزيينها، ولا سيما الدور الدمشقية القديمة، إلى حد أنه وصفها بأنها جنّات تجري من تحتها الأنهار. وفي لفتة مهمة جداً، أشار إلى أن التمييز الديني بين سكان دمشق لم يكن موجوداً، بل إن العديد من الطوائف الدينية المختلفة وصلت إلى مناصب رفيعة في ظل الإدارة العثمانية.

ولاحظ أن دمشق هي أهم مركز تجاري في سوريا، لكنه عاين أيضاً بنفسه تراجع العمل الحرفي والصناعة الوطنية نتيجة منافسة البضائع الأجنبية في المدينة.

وروى بشارة أنه قام بزيارة الأمير عبد القادر الجزائري، ووصفه بقوة الجأش وسرعة الخاطر، ورأى أن المجتمع الدمشقي محافظ جداً على عاداته وتقاليده المتوارثة والمتعارفة، وقدّم وصفاً لطيفاً لطباع أهل دمشق، إذ يقول: "وأهل دمشق على جانب من الظرف ورقة الطبع، وحسن المعاشرة، ولنسائهم من شهرة الجمال وحسن الخلق ما يقصر عنه الوصف".

في دار الخلافة

استكمل بشارة رحلته من دمشق، ووصل إلى الآستانة في آب/ أغسطس 1881، وافتتح حديثه عن هذه المحطة بالكلام عن فائدة السياحة، إذ يرى أنها من أفضل الوسائل لدراسة الشعوب، والوقوف على حالتها، ثم يقدّم وصفاً بديعاً متكاملاً لمدينة الآستانة: "هي حسنة البناء والهندسة، شوارعها ذات نظافة، يتمنى المرء أن يرى مثلها في شوارع بلاده، بل في قلب بيته... والمتسوّح يشمّ فيها رائحة النشاط، فيلقى شعباً لا يهمه تعب... والموسيقى تصدح فيها ليس يومين في الأسبوع، بل يومياً... ولاحظت أن لأهليها في التمدن مستقبلاً عظيماً لأنني في تجولي في الأسواق كنت أشاهدهم يحومون على قراءة الجرائد ليقفوا على الأخبار، ويطّلعوا على ما تجدد من المعارف... وفي بلدة ‘بك أوغلي، جرائد عديدة من جميع اللغات، فرنسوية، وإنكليزية، وأرمينية، ويونانية، وأما بوليسها فعلى جانب من الأدب والتهذيب... وأما أسواقها فغنية... وأما الجوامع فعديدة، وكلها حسنة البناء واسعة، يتعيش فيها ألوف من الفقراء، وقد زرنا مسجد آيا صوفيا، فهو فريد في إتقان الهندسة والنظام".

عندما زار بشارة تقلا بودابست، أواخر عام 1881، سجّل ملاحظته التفاوت الطبقي الكبير بين الناس، وقال إن المجموعة الفقيرة "هي أفقر جداً من طائفة المساكين في بلادنا الشرقية، فكم من امرئ يموت هنا جوعاً، وليس لذلك من أثر في مصر وسوريا"

سجّل بشارة أن البلدية أقامت للمعوزين والفقراء أماكن يعيشون فيها، ولذلك لا يوجد في المدينة متسوّل واحد. ثم يستكمل رحلته فيروي أهم عادات أهل الآستانة، ومظاهر الاحتفاء بشهر رمضان، وليلة القدر، والعيد، وموكب "الخرقة الشريفة"، وكتب ما شاهده من موكب السلطان لصلاة الجمعة، ووصفه بأنه مهيب يحضره الجميع، ومن بينهم العرب، والكل ينتظرون مرور ذاك الموكب الحافل.

يقول: "كان ولي هذا المحفل جلالة الخليفة أيّده الله، يقلّه جواد كريم، وعظمته تنظر إلى الجموع على الجانبين بوجه باشّ، يخفرها دولتلو عثمان باشا الغازي، وزير الحرب وجوق الجهادية، والكل مشاة حتى المسجد، فقضى جلالته الصلاة، وعاد على مركبة بديعة، والجميع يدعون له بالنصر والتأييد".

ولفت انتباه بشارة كثرة السوريين الموجودين في الآستانة، ودورهم الاقتصادي الناجح فيها. يقول: "ومما شهدته ويستحق أن يُنشر ذكراً بالفضل أن السوريين هنا ناجحون في أشغالهم وأعمالهم، ويعضدون بعضهم بعضاً، وأخص بينهم حضرة التاجر عبد الله أفندي نعمة، الذي آلى على نفسه ألا يتأخر عن مساعدة كل قاصدٍ هذه العاصمة من أبناء وطنه السوري على اختلاف مذاهبهم".

في بلاد الفرنجة

في أواخر عام 1881، ارتحل بشارة عن دار الخلافة قاصداً مدناً أوروبيةً. اتجه بحراً نحو بوخارست، عاصمة مملكة رومانيا، والتي شبهها بمدينة الإسكندرية، ويحكي أن المظهر الخارجي للناس في رومانيا مهذب. وأُعجب بالمدينة وذكر أن الأجانب قليلون فيها، وغالبية السكان هم من اليونان وبيدهم حركة التجارة، وأشدّ ما نال إعجابه هو كثرة الجرائد المنتشرة في جميع أنحاء البلد، والحرية الكاملة التي تتمتع بها الصحافة.

يحكي عن بوخارست: "هي غاية في النظام. نزلنا، وأخذت عربةً مشت بي في سكك البلدة الواسعة ذات الأبنية الجميلة حتى فندق هوك... وفيها سوق عظيمة البناء (هال)، مرتفعة يباع فيها اللحم والسمك، وحبذا لو أنشئ مثلها في مدينتَي القاهرة والإسكندرية، وهي منورة بالغاز وتحتوي على عدة منتزهات وحدائق كثيرة، ولكن الأزبكية تفوقها نظافةً وإتقاناً وحسناً".

من بوخارست قصد بودابست، فأعجبته دقة النظام فيها، وجمال الأبنية وتنسيقها. ذكر أنها متقنة الهندسة إلى درجة تخالها كلها بيتاً واحداً، كما ذكر كثرة المقاهي ومحالّ الطعام في هذه المدينة. وأما عن صفات أهلها، فيذكر بشارة أنهم يُكثرون من الغناء، ولا تسأل عن الشراب، فهم يتناولون البيرة بدل الماء، فلا تطلب النفس عندهم سواها، وندر مَن يجهل القراءة فيهم، ولديهم ميل غريزي نحو العثمانيين والشرقيين عموماً. وأكثر ما أعجب بشارة في المدينة، هو المساواة بين الجميع، إذ يذكر أن الفلاح يأتي من المدينة البعيدة أميالاً، ويدخل بالترتيب الذي يدخل به أكبر معتبَري المدينة.

وسجّل ملاحظته التفاوت الطبقي الكبير الموجود في بودابست. يقول: "أما الأهالي إجمالاً، فغير أغنياء، وترى الطائفة الثرية متنعمةً بملاذ الدرهم دون الفقيرة التي هي أفقر جداً من طائفة المساكين في بلادنا الشرقية، فكم من امرئ يموت هنا جوعاً، وليس لذلك من أثر في مصر وسوريا... وأما الفئة المتوسطة الحال، فمنعمة فقط بحسن اللباس، فإن الواحد منها يكتفي بما يسد رمقه ليس إلا".

بعد بودابست، انتقل إلى النمسا والمجر، ولفتته أبنيتها وشوارعها، وذكر أن أكثرية الشوارع عريضة يزيد عرضها عن 60 متراً، وأن أهلها يكثرون من أكل اللحم وشرب البيرة، ويتلذذون بأكل الطعام خارج البيت، وكثيراً ما يذهبون إلى الأوبرا والمقاهي، ولباسهم حسنٌ لطيف، وأما الجرائد فتوزعها النساء والبنات راكضات في السكك.

وعن المحطات الثلاث الأخيرة، كتب: "أتاني أمر جوهري أصِلُكم بخبره، فقد شهدت في بوخارست وبودابست والنمسا والمجر أن المال والتجارة بأيدي شعبَين هما: اليونان، والإسرائيليون، فهؤلاء هم الصيارفة وأصحاب البنوك العظيمة، ومحط رحال الدرهم، وأولئك هم أولو الأقدام والرحى التي تدور عليها التجارة".

المحطة التالية كانت بافاريا، ومنها إلى فرنسا التي تغنّى بجمالها كثيراً، وذكر أن شوارعها واسعة ومرتبة وفي غاية النظافة. ولفتت انتباهه كثرة الجرائد المحلية والأجنبية الموجودة في كل المحالّ، ولم ينسَ ذكر الطعام الذي وصفه بالإتقان وشبّهه بطعام كفر الزيات في مصر، ولكنه يمتاز عنه بالمذاق الفرنسي.

كما قدّم وصفاً لما شاهده من الأوضاع السياسية والاجتماعية في فرنسا. لكن أشد ما أذهله، هو متاحف فرنسا الغنية بالآثار المسلوبة من البلدان المختلفة. وقد التقى بعدد من أرباب العلم والقلم، والرموز السياسية والفكرية، منهم الفيلسوف سليم نوفل، ويقول: "ارتشفت من أقواله ما يحلو ويطيب، والتقطت من ألفاظه درراً نظمتها معارفه الوافية".

وفي ما كتبه عن لقاءاته مع شخصيات فرنسية، يظهر أن الفرنسي شخصية انتهازية، وينظر بطريقة عنصرية إلى العرب والمسلمين، إذ ينقل عدّ الفرنسيين احتلالهم البلدان العربية خدمةً جليلةً لشعوبها.

من باريس، انتقل بشارة إلى لندن، المدينة المتسعة الشوارع، والمعروفة بكثرة أعداد البورصات وبناياتها الدقيقة الصنعة، وحدائقها الواسعة، وطقسها البارد، والتي يقصدها الأغنياء لصرف أيام الصيف فيها، ويعقّب بشارة: "زرت أعظم المتاحف في لندن؛ فشهدت من الآثار المصرية جانباً وافراً، ولكنه أقل مما في فرنسا".

ويصف الشخصية البريطانية بأنها محبة لذاتها جداً، وتنظر إلى مصلحتها أولاً قبل مصلحة الوطن، ويرى أن هذه الصفة أمست غريزيةً، لكنه في المقابل يذكر أن من محاسن هذه الشخصية أنها تحب العمل ولا تخشى من السفر، ولها ميل عظيم إلى القراءة ومعرفة الأخبار.

وأشد ما أعجبه في لندن هو كثرة المكتبات، والجرائد اليومية المنتشرة، والتي لها محالّ وأكشاك خاصة. وذكر أن في مدينة مانشستر 50 محلاً تجارياً لسوريين. ولكن عن الطعام في العاصمة البريطانية، قال إنه سيئ لا لَذَاذَة فيه، وتاقت نفسه إلى الطبخ الشامي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard