هاجمت الشيخ والخديوي... قصة أشهر جريدة هزلية في تاريخ الصحافة المصرية

الجمعة 8 يناير 202102:13 م


ربما يكون الأمر غريباً أن تصدر جريدة تحمل اسم الحمير وتتحدث عنهم وتحمل صورتهم في أوقات ما، لكن هذا ما فعله صحافي مصري يُدعى محمد أفندي توفيق، أصدر عام 1898، جريدة ساخرة، أسماها "حمارة مُنيَتي"، عُنيت بأخبار هؤلاء الكائنات، وأصبحت مع الوقت تتهكم من خلالهم على الشخصيات العامة، وتتناول الأحداث بأسلوب جريء ساخر، وهاجمت كبار شخصيات الدولة، على رأسهم الخديوي عباس الثاني، ومفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد عبده.

جريدة هزلية أسبوعية

عن بدايات الجريدة، والأسباب والدوافع لإصدارها، يقول أحمد عبد النعيم، في كتابه "حكايات في الفكاهة والكاريكاتير"، إن مجلة "أبو نظارة" لصاحبها يعقوب صنوع، مثّلت حالة خاصة باعتبارها أول مجلة ساخرة عرفتها الصحافة المصرية، وكانت توزع عام 1877، خمسة عشر ألف نسخة.

ومن هنا يرى عبد النعيم أن هذا كان سبباً في توجه البعض إلى إنشاء مجلات ساخرة، فيقول: "لعلّ النجاح الباهر أغرى الكثير بعمل مجلات ذات طابع نقدي ساخر، وقد شهدت بداية القرن التاسع عشر العديد من المجلات الفكاهية، منها جريدة ′حمارة مُنيتي′ التي صدرت في تواريخ مختلفة من عام 1898 إلى عام 1899، ثم من عام 1900 إلى 1902، ثم من عام 1904 إلى عام 1908، وهي جريدة سياسية فكاهية أصدرها عدد من المحررين، منهم محمد توفيق، وكان ضابطاً على المعاش (متقاعد)، وصدر العدد الأول منها عام 1898".

على الصفحة الأولى من العدد الأول لـ"حمارة مُنيتي"، كتب صاحبها أن قيمة الاشتراك 30 قرشاً عن سنة واحدة، وثمن النسخة قرش صاغ واحد، وعرّفها بأنها "جريدة هزلية فكاهية انتقادية أسبوعية"، وافتتحها بما يلي: "الحمد لله زين السماء الدنيا بمصابيح، والقلوب بالسرور والتفريج، وجميل الضحك عنواناً للانشراح، وتمثالاً للمسرة والنجاح، سبحانه من إله واحد يعز من يشاء ويذل من يشاء، وهو على كل شيء قدير، وبالإجابة قدير، أما قبل فبينما كنت جالساً ذات يوم على يسار لحيتي، واضعاً ظهري بين أنفي وخصيتي...". 

يتحدث المؤلف عبد الرحمن بكر عن جريدة "حمارة مُنيتي"، في كتابه "الصحافة الساخرة في مصر"، فيقول: "شهد عهد الخديوي عباس طفرة في إصدار الصحف؛ إذ صدر وقتها أكثر من 150 صحيفة، وفي عام 1900 خرجت للدنيا جريدة ′حمارة مُنيتي′، سياسية فكاهية لصاحبها محمد توفيق، وكان ضابطاً في الجيش، فلما أُحيل على المعاش أخرج هذه الجريدة، وهو من ظرفاء عصره، وكان أيضاً من الأعيان، وما ساعد على رواجها بشكل كبير هو أنها كانت أول جريدة تهتم بأخبار الحمير، من حيث الاسم والمضمون".

ويوضح المؤلف أن "الصحيفة كان يحررها محمد أفندي توفيق بنفسه، مستعيناً في بعض الأحيان ببعض مقالات القراء، وحتى لا يصاب القراء بالملل ابتكر شخصيات وقّع بأسمائها على مقالاته، مثل السيد عذاب، وميلص أفندي، وعم كبريت، وكانت تصدر تحت شعار ′اتفرجي يا جارة على كلام الحمارة′ الذي كان يُكتب ملاصقاً لاسم الجريدة في كل عدد".

صحافي مصري يُدعى محمد أفندي توفيق، أصدر عام 1898، جريدة ساخرة أسماها "حمارة مُنيَتي"، عُنيت بأخبار هؤلاء الكائنات، وأصبحت مع الوقت تتهكم من خلالهم على كبار شخصيات الدولة، على رأسهم الخديوي عباس الثاني، ومفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد عبده

ويتضح من بعض النماذج التي حصلنا عليها، أن محمد توفيق بدأ يكتب عبارة "اتفرجي يا جارة على كلام الحمارة"، في إصدارات السنة الثالثة، بالإضافة إلى هذين البيتين:

"يا محلى الجد لما يكون في قالب هزار يبقى الكلام موزون ورايق

يغور الجد لو أنت غايب يا عم الشيخ هزار وأنت اللي فايق" 

يختلف عبد النعيم مع بكر بشأن محرري الجريدة، إذ يقول: "لم يكن محمد توفيق فقط من يحرر الجريدة، فقد أصدرها عدد من المحررين، وهم حلمي عزيز وعبد الرحمن الهندي والدريني".

هاجم شخصيات بارزة من خلال حمارته

عن مضمون الجريدة وموضوعاتها، يكشف بكر أنها "اختصت في كثير من الأحيان بمداعبات الأعيان، وأخبار الرهانات، والسباقات، وأخبار المكارية (أصحاب الحمير التي للإيجار) التي كانت توصل الأعيان إلى بيوتهم، وكيف كان المكارية يحتالون عليهم، وكانت تكتب بخفة ظل شديدة، ما زاد من عدد قرائها".

ويشير بكر إلى أن "مقالات محمد أفندي الساخرة كشفت عن صورة مصر خلال تلك الفترة، والمشاكل التي يعيشها المواطن المصري البسيط، بعيداً عن حياة القصور والترف التي كانت تبرز في تلك الفترة، والتي لم يكن يحصل عليها سوى الأجانب والبشاوات، فكتب عن انتشار القمامة في الشوارع، وما تجلبه من أمراض، وانتقد غلاء الأسعار وضياع الدين والأخلاق، وقد اشتهر صاحبها محمد توفيق بقدرته الفائقة على التبكيت والإضحاك، وهاجم الكثير من الشخصيات السياسية البارزة".

ويضيف عبد النعيم على ذلك أنها "اعتمدت على الأسلوب النقدي الساخر من الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية، واتسمت بأسلوب السجع تارة وباللغة العربية بعض الشيء".

بموازاة ذلك، يراود القارئ سؤال هام يتمثل في "لماذا اختار صاحب الجريدة هذا الاسم بالتحديد؟".

يجيب على هذا التساؤل بكر، بقوله: "كان لتسميتها سبباً طريفاً، وهو أن محمد توفيق كانت له محبوبة هام بها عشقاً، وكان يتمنى رؤيتها، ويعترض طريقها طالباً رؤيتها، وعندما تأتي بحمارتها تركبها، وتهز قدميها، وهي في أحسن صورة، وأبهى شكل، فكان يعترضها، ويغازل حمارتها بأبيات الشعر، ويداعبها، ويشكرها لأنها أتت له بمحبوبته، أو مُنيته التي يتمناها، وتقديراً لهذا الدور الخطير الذي لعبته حمارتها في حياته، أطلق اسمها على مجلته، وأسماها ′حمارة مُنيتي′".

"ورقها شناوي وحبرها قطاوي"

في العدد الرابع والعشرين من السنة الأولى، يصف محمد توفيق مجلته، قائلاً: "جريدة هزلية أسبوعية فكاهية، تشتمل على ضحك ولعب، ومفارقات كوب في كوب، ورقها شناوي، وحبرها قطاوي، وجنسها حصاوي، وكلامها من عند الحاوي، ما يقرأها إلا الغندور، ولا يحملها إلا البعرور، صاحبها فنجري، والأنس فيها علقايم، والحظوظ علعايم، والأزجال نبرها، والتهاويس يا محلاها!".

ويضع محمد توفيق شروط حمارته، والتي جاءت كالتالي: "حمارتنا لا ترفع الستارة، ولا تشبك في السنارة، إلا في مين يدفع مهرها، وهي في أول شهرها عن ثلاثين قرش، أو خميس قفص حرش. وأما متأخر الصداق فيكون عبارة عن أوراق طلاق، أو إعلانات للتجار، أو إنذارات بالبهار، تنشر على نفقة أصحابها من شبابيكها لباباها والأجرة عرقسوس خمير، وشبكتك حرير يام الخلول، وعلى الله القبول". 

"حمارة مُنيتي" عن الخديوي عباس

يكشف الدكتور شوقي ضيف، في كتابه "الفكاهة في مصر"، أن صاحب الجريدة تعرض بالتهكم للخديوي عباس الثاني وشخصيات أخرى، فيقول: "منذ العدد الأول، نجد محمد توفيق يعرض بالتهكم لعباس الثاني والشخصيات السياسية الكبرى، وقد حدث أن سافر عباس إلى إنكلترا ليتقرب من المحتلين، فلمزَه في مجلته لمزاً كثيراً، ومن ذلك مقالة بعنوان ′رقوة بهايم، وقلب هايم بس العزايم ملهاش وجود′، وتحت هذا العنوان كتب ′يا بركة عاشورا، وفوق وش الفطورة، بالجوز وبالطورا، يا عم يابو قورة، ع الأخ العزيز، اللي بيسحبنا معيز، ويفوتنا في مهاميز، ويروح بلاد الإنكليز، واحنا واكلين بهاريز، والواحد مش واخد من الدنيا دي حاجة، غير لطم الخواجة، أسيادنا النظار (الوزراء)، قايدين فيها راكية نار، دايما ليل ونهار، يا سند العواجز، يا مجوهر يا حمص، خايف بطني تمغص′".

ويتفق عبد النعيم، في كتابه "حكايات في الفكاهة والكاريكاتير"، مع هذا الطرح قائلاً: "تعرّض صاحب حمارة مُنيتي بالنقد اللاذع لعباس الثاني، منتقداً سياسة الإسراف والبذخ، وللعديد من الشخصيات السياسية الكبرى بغمز لا يوارى فيه".

في السياق ذاته، يرى مؤلف كتاب "الصحافة الساخرة في مصر"، أن عناوين مقالات محمد توفيق، يظهر منها كيف كانت مجلته ناقدة لا ترحم، مشيراً إلى أنه كان منها "الرحلة البلدية في موتة مصر بلا دية"، و"سلموا القط مفتاح الكرار"، و"ياما دقت على الرأس طبول"، و"يا سعادة الحيوان ويا شقاوة الإنسان في حكومة هذا الزمان"، و"تبديد صاحب الهمة في أموال الأمة" و"كل واحد ياخد دوره، وجحا أولى بلحم طوره".

ويصف أحد قراء "حمارة مُنيتي"، الجريدة بقوله:

"حمارة ليست لمن يركب تضرب بالنعل ولا تضرب

ترى بلادا باعها أهلها تسكب الدمع الذي يسكب"

"اللي أخد منك الرغيف يحلقلك"

نستعرض بعض طرائف محمد توفيق، في مجلته، ومنها ما ذكره عبد الرحمن بكر في مؤلفه: "مرة واحد فقير دقنه طولت، قام شاف واحد مزيّن فايت قاله ما تعملش معروف وتاخدلي دقني برغيف، فقال له: ′طيب′، وفي أثناء ما بيحلق له جاء كلب وخطف الرغيف وطلع يجري، فالمزين لما شاف الكلب عمل العملادي أيده وقفت، قام الزبون قاله: ′جرى إيه ما تحلق′، فقال له المزين: ′اللي أخد منك الرغيف يحلقلك′".

ويفتتح محمد توفيق العدد الثالث من السنة الثالثة، بقوله: "فايدتنا إيه من دريس، أو من ربيع أو خسيس، وادحنا شايفين سي أبليس خلى المستقبل فطيس، والبخت راح طلطميس، وحضرة الحال ورق، والكل آد البسيس، يعني هتشوف الأملة، آهي خلقه عليها زهمة بنت قحبة، تقول للعفريت قوم وأنا أقعد مطرحك". 

ومع بدء صدور طبعات السنة الرابعة، ومنها العدد التاسع، نجد أن قيمة اشتراكات الجريدة لم تسلم أيضاً من السخرية، إذ دوّن صاحبها في الصفحة الأولى بجوار اسمها على اليمين بالنسبة للقارئ: "قيمة الاشتراكات في حمارة المنيات أربعين قرش صاغ وبلاش وجع دماغ، خلونا كده حبايب"، وعلى الجانب الأيسر: "كل عبارة أو إشارة باسم الحمارة، ومصحوبة باستمارة ونشر الإعلانات يكون بالممارسات وبموجب خد وهات"، وفي الأسفل عبارة: "جريدة هزلية أدبية مهلبية شلبية بنت كلبيه... ولسه ياما هتشوف". 

لم تنقل المراجع أية مشكلة تعرضت لها الجريدة، سوى التي وقعت عام 1902، مع الشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية آنذاك، والتي تسببت في وقف "حمارة مُنيتي" وحبس صاحبها.

ويظهر من إصدارات السنة الخامسة للجريدة، ومنها العدد 31، أنها استخدمت في الترويسة الرئيسة اللغة الإنكليزية لكتابة اسمها وصورة حمارة صغيرة في دائرة متوسطة، أقرب إلى طابع البوسطة أو الختم، ويعقب أحمد عبد النعيم، على ذلك بقوله: "وظل هذا الشعار ثابتاً في الأعداد التالية للجريدة".

وفي الصفحة الأولى من العدد المذكور، يُطلع محمد توفيق القراء على الحال الذي وصلت إليه مجلته، ووصفها بقوله: "مضى على الحمارة أسابيع وأيام، وشهور وأعوام، وهي تجري بالبردعة واللجام، وتضرب بالسيوف وبالسهام، وتنتقل من كلام إلى كلام، حتى رنّ في الآفاق نهيقها، وأدمن سكان القصور شهيقها، وخافت من عصاها القرود، وماتت من هيبتها الأسود، فكم كسرت جناح كل معجب بمنقاوة، وغلبت كل فشار متطاولاً فشاره، وكم نبهت من نائم، وشدت عزائم، وسهلت عظائم، وساقت بهائم". 

أزمة عاصفة

على مدار خمس سنوات من عمر الجريدة، لم تنقل المراجع أية مشكلة تعرضت لها، سوى التي وقعت عام 1902، مع الشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية آنذاك، والتي تسببت في وقف "حمارة مُنيتي"، وحبس صاحبها.

ويحكي بكر تفاصيل الواقعة، بقوله: "في شهر آذار/ مارس عام 1902، عصفت بالجريدة أزمة تسبّب بها محمد أفندي توفيق، بعد نشره لصورة قيل إنها ملفقة للشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية وقتها، والصورة تظهر الأخير في حديقة في أوروبا، تحيط به 4 سيدات ورجل، وبأسلوبه الجاف كتب محمد أفندي تعليقاً على الصورة في صورة أبيات من الشعر تسخر من المفتي، وتطالبه بترك منصبه ليصير خواجه".

وينقل بكر عن الباحثة الأمريكية إندير جيسنك ما ذكرته في كتابها الوثائقي القيّم عن الأزهر وتاريخ حركة الإصلاح فيه، عن تلك الحادثة، بأن "الدسائس للشيخ محمد عبده التي وصلت إلى إيغار صدر الخديوي، وتلفيق التهم الأخلاقية له من عباس حلمي الثاني عليه، حينما لم تصل إلى مبتغاها، سعت إلى هز صورته ومكانته لدى المسلمين، ففي آذار/ مارس عام 1902 نشرت جريدة حمارة مُنيتي صورة للإمام محمد عبده في حديقة بأوروبا، تحيط به 4 سيدات ورجل، والأول متكئاً على سور الحديقة. كانت السيدات الأربع محتشمات كما يبدو في الصورة الملفقة، لكن بمقاييس ذلك الزمان فقد كن في نظر القارئ عرايا". 

ويُعقب مؤلف "الصحافة الساخرة في مصر" على الصورة، بقوله: "نشرتها جريدة حمارة مُنيتي وبجوراها أبيات شعر تسخر من صاحبها الكهل الذي لا يليق به أن يمثل الشريعة الإسلامية، وعليه أن يترك منصبه ومذهبه ويصير خواجه، ووصف محمد توفيق الشيخ الإمام بأوصاف الكبر والاستعلاء وأنه يلوث سمعة عمامته، وأن عصاه لا تصلح إلا للدق على أبواب المساجد كما يفعل السائحون الأجانب، الأمر الذي أثار استياء رجال الدين الذين هبوا لمساندة الشيخ محمد عبده، حتى وصل الأمر للقضاء".

وفي السياق ذاته، يقول عشري جلال في مؤلفه "ثقافة هذا العصر"، إن "الخديوي عباس كان يؤجر صاحب ′حمارة مُنيتي′ ليشتم الشيخ محمد عبده"، ويتفق معه سلامة موسى، إذ يقول في كتابه "الصحافة حرفة ورسالة"، عن الجريدة: "كان موضوعها الأساسي سب الشيخ محمد عبده، لأنه كان على خلاف مع الخديوي عباس باشا".

ويكشف الدكتور عصمت محمود، في مؤلفه "الخطاب الفلسفي عند ابن رشد وأثره في كتابات محمد عبده وزكي نجيب محمود"، ما حدث بعد نشر الصورة، قائلاً: "أُحيل الموضوع إلى القضاء وبرأت ساحة الإمام، وعقب تلاميذه على تلك الحادثة بهذه الأبيات:

"مكيدة لفقوها بصورة مستعارة

دبروها وكانوا بقبة الاستشارة

ولطخوا بعد هذا بالطين وجه الحمارة"

وفي نهاية المطاف، حكمت المحكمة على محمد أفندي توفيق بالسجن لمدة ثلاثة أشهر للتشهير بمفتي الديار المصرية، وإغلاق جريدة "حمارة مُنيتي"، فلجأ صاحبها لبعض القناصل الأجانب الذين تدخلوا مطالبين بعودتها، فصدر حكم قضائي بعودة إصدارها، بعد إلزامه بتحري الدقة والالتزام بمعايير الأخلاق، وفق بكر.

بعد 94 عاماً... "الأهرام" تنشر تفاصيل الواقعة

بعد مرور 94 عاماً على تلك الحادثة، وتحديداً في عام 1996، نشرت جريدة "الأهرام" المصرية، في الصفحة السابعة من عدد الخميس الموافق 17 تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته، تفاصيل الواقعة.

نقل الدكتور القطب محمد طبلية، في كتابه "رواد الفكر الإسلامي في العصر الحديث"، بعضاً مما جاء في المقال: "في 3 آذار/ مارس عام 1902، نشرت جريدة صغيرة اسمها ′حمارة مُنيتي′، يملكها صحفي اسمه محمد أفندي توفيق، صورة لمفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده، وهو في لباس الرقص مع سيدة أوروبية، مقرونة بقصيدة هجاء حادة للرجل، وقد جاءت الصورة في سياق حملة شنّها خصوم الشيخ عليه لبعض آرائه، خاصة ما جاء فيما عرف بالفتوى الترنسفالية التي أباح فيها الرجل لبعض الأفراد في الترنسفال لبس البرنيطة لقضاء حوائجهم، ولما ثبت أن هذه الصورة مصطنعة وقفت الدنيا ولم تقعد، ولم يقتصر الأمر على الحمارة أو صاحبها، بل تعداه إلى قضية حرية الصحافة".

وقدمت "الأهرام"، وفقاً للمؤلف، أول الأخبار عن القضية على لسان سكان الدرب الأحمر في عددها الصادر يوم 7 آذار/ مارس عام 1902، في خطاب مفاده أنهم رفعوا عريضة إلى النيابة العمومية، يوجهون فيها أنظارها إلى قصيدة نشرتها "حمارة مُنيتي"، وأومأت فيها إلى الشيخ محمد عبده، واستدعت النيابة صاحب الجريدة، وسألته عما نشر فيها، وأن المفتي وجه أنظار النيابة إلى الأمر.

ويشير طبلية إلى أن الشاعر حافظ إبراهيم بعث في هذا التوقيت قصيدة طويلة لجريدة الأهرام، يرد فيها على قصيدة "حمارة مُنيتي"، جاء في مطلعها:

"إن صوروك فإنما قد صوروا تاج الفخار ومطلع الأنوار

أو نقصوك فإنما قد نقصوا دين النبي محمد المختار

سخروا من الفضل الذي أوليته والله يسخر منهم في النار"

وقال المنفلوطي مما قال:

"حسدوا مجدك الرفيع وظنوا أنهم قد رأوا إليك سبيلا

فافتروا ما افتروا وراموا دليلا فأقاموا من الخيال دليلا

لك رسم في حبة القلب يحكي شرفا باذخا ومجدا أثيلا"

لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، وإنما وصلت لصحيفة الأهرام رسالة وقعها ثلاثون شخصاً من أعيان القاهرة، فحواها أن الطعن على مثل مفتي الديار المصرية هو استهزاء واحتقار من جهة، ومن جهة أخرى أن الكاتب استخدم آيات قرآنية في غير موضعها المناسب، وفي ذلك مس بالديانة.

"حمارة مُنيتي"... صدرت عام 1898 بشكل أسبوعي، وإن كانت قد تعرضت بعد ذلك للعديد من المشاكل المادية، لكنها تظل حالة مهمة عند استعراض تاريخ الفكاهة في مصر، لما تمثله الكتابات بها من طريقة غريبة في الإتقان والروعة عند النقد والسخرية

وبحسب طبلية، وصل رد الفعل إلى "قاعة الجمعية العمومية"، حين تقدم أحد أعضائها علي بك في جلسة 16 آذار/ مارس عام 1902 باقتراح جاء فيه: "نرى أسافل الناس يقدمون على إنشاء الجرائد، وقد ملأوا الدنيا سفاهاً وتعدياً على الأعراض، فاقترح على الجمعية أن تطلب من الحكومة سن قانون عمومي للمطبوعات يقي الناس من هذه الفوضى، أو أنها تقرر معاقبة من يخرج عن حده".

وسارت النيابة في الدعوى، وقدم صاحب "حمارة مُنيتي" إلى المحاكمة أمام محكمة الموسكي الجزئية يوم 17 آذار/ مارس، وكان ازدحام الناس شديداً، وأجلت القضية أسبوعين، وانتهت بالحكم على صاحب الجريدة في أول كانون الثاني/ يناير بالسجن البسيط ثلاثة شهور، وفقاً لما نقل مؤلف "رواد الفكر الإسلامي في العصر الحديث".

حالة مهمة في تاريخ الفكاهة في مصر

بحسب بكر في مؤلفه، كانت جريدة "حمارة مُنيتي" واسعة الانتشار، شديدة السخرية، لاذعة النقد وقتها، ما أغاظ الصحافي سيد أمين الذي كان قد قرر أن ينشئ مجلة منافسة، فقال في غيظ: "هذه الحمارة جامحة... تحتاج إلى لجام"، مشيراً إلى أنه على الفور "أنشأ مجلة اللجام، للجمها وكبح جماحها، لكنها لم تستمر طويلاً، فقد انطلقت الحمارة تبرطع في طريقها وضاع اللجام".

ويقول مؤلف "حكايات الفكاهة والكاريكاتير" إن الجريدة صدرت بشكل أسبوعي، وإن كانت قد تعرضت بعد ذلك للعديد من المشاكل المادية، لكنها تظل حالة مهمة عند استعراض تاريخ الفكاهة في مصر، لما تمثله الكتابات بها من طريقة غريبة في الإتقان والروعة عند النقد والسخرية، حتى إن استخدمت الأسلوب العامي، طبيعة المجلات الفكاهية في ذلك الوقت، مؤكداً أنها "رغم بساطة الطباعة واستخدام الصور الكاريكاتيرية مثل سابقتها أبو نظارة، إلا أنها تفوقت في الأسلوب... وكانت علامة بارزة في المجلات الساخرة والفكاهية في مصر".

أما عن عدد مبيعات جريدة "حمارة مُنيتي"، فهناك آراءٌ مختلفة في هذا الشأن، إذ يقول كمال الملاخ ورشدي اسكندري، في كتابهما "خمسون سنة من الفن"، إن محمد توفيق أصدر الجريدة، وراجت رواجاً لم تبلغه صحيفة أخرى، حتى وصل ما كان يُباع منها إلى أكثر من أربعين ألف نسخة، ولكن يقول سمير صبحي في مؤلفه "في دهاليز الصحافة" إن توزيعها في هذا الوقت، كان عشرة آلاف نسخة، وربما يحسم الجدل في ذلك، أنها صدرت على فترات مختلفة.

"الموقوذة"... الفصل الأخير

خلال عام 1905، توقفت جريدة "حمارة مُنيتي" عن الصدور، ولا نعلم السبب الرئيسي وراء ذلك بالتحديد، ولكنها عندما عادت رجعت باسم "الموقوذة".

وفي افتتاحية العدد 11 من السنة الخامسة للجريدة بشكل عام، الصادر بتاريخ 20 نيسان/ أبريل عام 1905، كتب صاحبها: "العدد 11 بالنسبة لـ′حمارة مُنيتي′ القديمة، والعدد 1 باعتبار أن اسمها الموقوذة الآن"، ثم جاء المقال، كالتالي: "جرنالة أسبوعية في الهلس صبوه وهم، كمان في الجد قيافه وبنت لبوة، تقبل الرسايل، ولو بحبر سايل، بس تكون الأمضا ′آرحة ولابسة طرحة′، ثم بحروف واضحة ومصحوبة بالنقود، بس أوع لا تكون ماسحه، حاكم دول خمسين قرش، تمن كام قفص حرش يفرقهم أخوك، على روح أموات أبوك". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard