قصة "إذا" السورية إلى الإنسانية... بين ثقافة سومر الكاتبة والفينيقي النحيل

الجمعة 6 مايو 202212:00 م

كان اختراع الكتابة تتويجاً لمسيرة الإنسان الأطول زمناً في استخدام الاختراع الأكثر روعة وهو اللغة. فاللغة، والتي هي اتفاقات جماعية لا واعية، مبنية على ماض معقّدٍ لظروف الجماعة الإنسانية، فجاءت الكتابة تسجيلاً مختزلاً جداً للغة، لتعبّر الكتابة عن ذهنية الجماعة بما هو أعمق من مجرد المعرفة والحدث، فالكلمة السومرية نام (NAM) والتي لها معانٍ مختلفة، تعني في أحد معانيها المصير أو المنية (الموت) ويرادفها في الأكدية (شيمةُ)، كانت في شكلها الصوري الأول عبارة عن رسم غراب، ومن هنا الإشارة إلى الشؤم المرتبط بالغراب حتى يومنا هذا عندما نقول غراب البين أو غراب المحتوم.

خَضعَ منطق الإنسان القديم للدراسة من منظورنا المعاصر، فعرفنا فيه طبيعة الإنسانية الأولى التي خلطت بين الذات والموضوع، واعتمدت في منطقها على التماثل والتشابه والحدس. ورغم ذلك، أصبح واضحاً للمؤرخين أن بداية علومنا المعاصرة، كانت من مقدمات تلك التصورات القديمة الساذجة. فالشامان القديم مازال يحيا بيننا بصورة طبيب نفسي ينقذنا من أبشع مخاوفنا، وساحر القبيلة أصبح فيزيائياً أو جراحاً أو صيدلانياً أو لاعب خفة.

إذا والعرافة الاستنتاجية

صنّف الباحثون العرافة التي وصلتنا من أجدادنا السوريين القدماء في بابين، الأول: يعتمد الإيماء من الآلهة لحدث معين، وأُطلق عليه اسم العرافة المُلهمة. العرافة الثانية: عبارة عن نشاط عقلي يمارسه الإنسان بالاستدلال والاستنتاج، وهي ما اصطلح جان بوتيرو في كتابه بلاد الرافدين الكتابة- العقل- الآلهة على تسميتها بالعرافة الاستنتاجية. ظهر وجودها في التسجيلات الأكدية والبابلية والأشورية والكنعانية والحثية وفي ماري، وكانت الأوسع تأليفاً وانتشاراً من الملهمة.

وصلنا من العرافة الاستنتاجية عشرات الآلاف من الألواح على شكل مصنفات في مواضيع محددة، ففي كل لوح سُجّل بين 50 إلى 100 سطر في باب محدد على شكل حكم بـ "شومّا" وتعني "إذا" في الأكدية. ينطلق الحكم من معطى وينتهي بمعطى آخر، أي من عبارة شرط إلى جواب شرط، وبوضح أكثر من "المشاهدة" التي تعتبر "الفأل" إلى القول الذي هو "النتيجة".

استهدفت هذه العرافة الاستنتاجية قراءة الأحداث والظواهر الغريبة والشاذة كي يعرف منها مشيئة الآلهة بالنسبة إلى البلاد أو الملك، أو أي شخص يسأل عن موضوع محدد، وبالتالي يتبع ذلك محاولة إلغاء هذه النتيجة عبر طقوس خاصة. يضرب جان بوتيرو مثلاً بإحدى النبوءات: "إذا حاول حصان مجامعة ثور سيكون نقص في نتاج الماشية في البلاد"، فالمعنى هنا يقول كل مرة يحاول حصانٌ مجامعة ثور سيؤدي هذا إلى نتيجة نقص في نتاج الماشية. فالمحاولة حدث نادر ويسترعي الانتباه ومتابعة نتائجه على مستقبل البلاد.

وصلَنا من العرافة الاستنتاجية عشرات الآلاف من الألواح على شكل مصنفات في مواضيع محددة، ففي كل لوح سُجّل بين 50 إلى 100 سطر في باب محدد على شكل حكم بـ "شومّا" وتعني "إذا" في الأكدية. ينطلق الحكم من معطى وينتهي بمعطى آخر، أي من عبارة شرط إلى جواب شرط

تتضمن هذه المشاهدات كل ما يمكن أن يتصوره الإنسان من حركة الكواكب والنيازك، ومظاهر الطقس وميلاد الكائنات وتشوهاتها وتطابق هيئتها لدى خروجها من البطن للبشر والحيوانات، والولادة في أوانها أو قبل أوانها أو الإجهاض، وهيئة البلاد والتضاريس والأنهار والنباتات والحيوانات وتصرفاتها، وشكل الجسم الإنساني وعلاماته ومحتوى الأحلام والأصوات المباغتة التي تطرق الأذن، ورد فعل الحيوانات حين ذبحها ومظهر الاحشاء بعد الذبح (وخاصة الكبد)، وأشكال نقطة الزيت أو الطحين المطروح فوق الماء أو أشكال دخان المبخرة.

شكلت هذه العرافة غرابة موسوعية بكل معنى الكلمة. نقرأ التهكم أو الفكاهة الاجتماعية في باب الفراسة الواسع: "إذا وجد في مدينة كثير من المجانين فإن المدينة المذكورة ستكون سعيدة"، وفي ذات السياق: "إذا وجد في مدينة كثير من العقلاء فستخرب المدينة"، أو الحكمة الاجتماعية: "إذا كان لشخص عادة إفشاء الأسرار فلن يبلغ إلى حالة نبيل أبداً".

ثمة فؤول تفترض حصول حدث محدد مسبقاً: "إذا (ويتعلق الأمر هنا بجزء من الكبد المسمى العلقة) فإن زوجة المعني الحامل من شخص آخر لن تفتأ تضرع إلى عشتار وتقول وهي تفكر بزوجها، حسبي ألد طفلاً شبيهاً بزوجي".

ثمة فؤول مرتبطة بالتاريخ كمادة مروية، وتفسر الحدث التاريخي من خلال التشابهات اللفظية: "إذا كان في الكبد إلى اليمن من المرارة ثقبان (بيلشو بالأكدية) مثقوبان (بَلشو) فذلك فأل سكان مدينة أبيشال الذين أسرهم نارام سين بواسطة ثقوب (بيلشو)". هنا، ليس فقط أن وجود كبد مثقوب كان قد سبق احتلال مدينة أبيشال، بطريقة ثقب السور، بل أيضاً الألفاظ المتشابهة مع اسم المدينة المحتلة أبيشال بلفظ بيلشو وبَلشو.

"إذا وجد في مدينة كثير من المجانين فإن المدينة المذكورة ستكون سعيدة"

لدينا شهادات كثيرة على تأثير الأسماء كصوت وتعدد معانيه لمصلحة تقديم حدث معين بتفسير خاص؛ في تفسير حلم "إذا تلقى الحالم في حلمه حماراً (في الأكدية ايميرو) يوعد برؤية (ايميرتو) أولاد"، أو من يذهب في حلمه إلى لابان (لبنان) سيبني بيتاً، لأن اسم هذه البلاد يذكر باسم (لبانو) أي صنع الطابوق، وهي مادة البناء.

يتضمن أحد عشر لوحاً بابلياً، تبدأ مقدمتهم بالمطلع التقليدي (دزيقيو دزيقيو) أي يا إله الأحلام، يا إله الأحلام، بمجموعة متكاملة من إذا الحلمية، ما يقارب 400 إلى 500 قول شرطي. ثمة ألواح من أحلام التنقل والأسفار والأطعمة والمشروبات ونقل البضائع إلى أحلام التبول، فقائمة أحلام الطعام (المهيبة) تنقل بين أنواع الفواكه والخضار والحيوانات بأنواعها، إلى الإنسان الحي أو الميت أو الشخص ذاته أو أعضائه، وطعام الحيوانات من تبن وخشب وقصب وطين طري وتراب وجلد وغائط.

في قسم أحلام التبول نقرأ: "إذا كان بوله الموجّه بقضيبه يبلل جداراً، سيكون له أولاد"، و"إذا سجد لبوله بعد خروجه من قضيبه رأساً: فإن ابناً من صلبه سيصبح ملكاً"، فالدلالة هنا تشير إلى المني وليس البول، والفكرة أن صناعة مادة البناء اللبن أو الطين تضمن خلط التبن مع الطين والماء، بينما تقدم فؤول أحلام التبول الفعل مذموماً على الشكل التالي، وبصورة متصاعدة كنتيجة: "إذا تبول الحالم في جدول ماء: لن تزدهر غلته"، و"إذا تبول الحالم في حقل مسقى: سيغرق إله المطر غلته"، "إذا تبول الحالم على صورة إله: لن يستعيد شيئاً مما كان قد فقده". التبول هنا يصب في ماء مسبقاً فهو فعل من العدم ومؤذٍ.

"إذا شرب الحالم بول امرأته: سيحيا هذا الرجل في رخاء"، و"من يأكل في الحلم غائطه، يوعد بتزايد أمواله"

يغدو مفهوماً بهذا السياق "إذا ترك الحالم بوله يجري وهو جالس: حزن"، و"إذا تبول الحالم على ذاته: سينسى كل ما يكون قد قاله"، فالأمر هنا يتعلق بشؤون الهرم وعدم السيطرة على الذات، ولكن "إذا شرب الحالم بول امرأته: سيحيا هذا الرجل في رخاء"، و"من يأكل في الحلم غائطه، يوعد بتزايد أمواله"، يتعلق الأمر هنا حلمياً بتجاوز الصعوبات التي لا تقهر.

ثمة صيغ أكثر بلاغة ومباشرة، وهي "تصاميم الأكباد" التي عثر عليها في مدينة ماري ويقدمها كتاب النبوءات البابلية لـجوسي آرو: "حينما ثارت بلادي على ايبي – سين (الملك الأخير في سلالة ملوك مدينة أور 2027- 2003) هكذا كان وضع الكبد"، أو ما يذكره أحد سدنة الملك الآشوري اسرحدون، ويدعى اكّولّانو الذي كتب: "إذا ظل جوبيتر منظوراً خلال خسوف شهر نيسان، فذلك فأل حسن للملك، إذا سيموت عوضه نبيل أو وجيه"، ثم يواصل قوله: "هل لاحظ الملك فعلاً أنه لم يمض شهر منذ الخسوف حتى مات رئيس قضاته سرتينو؟".

يعترف جان بوتيرو في كتابه بلاد الرافدين أن قانون قراءة الفؤول في العرافة الاستنتاجية يبقى خارج تناولنا، وخاصة أن بعضها يعتمد على التلاعبات بين المرحلة الصورية والمرحلة المقطعية، ما يجعل منها ألغازاً متعبة التفسير.  

استمرت هذا العرافة بوضوح من 2000 ق.م إلى العصر السلوقي، حيث اندثرت مؤسساتها، ولكن تلك الـ "إذا" الشرطية والوريثة لبيانات ألفي عام، عادت إلى الظهور من جديد مع ابن بيئتها السورية.

إذا والفينيقي النحيل

يقدمه ف. أجرو في كتابه رسالة في النظام الفلسفي الرواقي. هو زينون بن مَنَسّى، قبرصي من أصل فينيقي، كانوا يدعونه "الفينيقي الصغير أو الفينيقي النحيل". أقام في أثينا 315 ق.م، وقد كان له من العمر 22عاماً، أي قبل بداية ظهور نتائج العصر الهلنستي في سوريا.

تعاقب على رئاسة مدرسة زينون الرواقية تلاميذ جميعهم مشرقيون، كما يذكر جان بران في كتابه الفلسفة الرواقية، ليدل ذلك على جانب خفي من تأثير الجغرافيا والمشرق في الفلسفة الرواقية، فكل من تعاقب على رئاسة المدرسة الرواقية بعد وفاة زينون هم شخصيات سوريو البيئة؛ فخليفته المباشر من قبرص، والذي يليه من قبرص، ثم من طرسوس (كليكيا) وبابل وصيدا وأفاميا، كما أن الكثير من رؤسائها انطلاقاً من زينون كانوا يعانون من مشكلة في التعبير، وهي الكلام المولد (أي العجمة في الحديث).

إن افتراق المدرسة الرواقية الشديد عن فلسفة عصرها (أفلاطون وأرسطو وأبيقور) دفع زينون إلى إعادة النظر في تقسيم علوم ذلك العصر، فتقسيم أرسطو للعلوم بشكل نظام متسلسل إلى علم علمي وعلم منتج وعلم نظري، انتهى مع الرواقية إلى بناء عضوي لا صدارة لقسم فيه على الآخر، منطق وأخلاق وفيزياء (الطبيعيات)، فجعلوا الثيولوجيا مثلاً (اللاهوت أو الإلهيات بلغتنا الحالية) قسماً من الفيزياء.

قال الرواقيون في أفكارهم التي تتقاطع مع القدر والحظ، إن استقلالية الإرادة الإنسانية يمكن ان تتوافق مع قوانين القدر. فالحكمة أو الفلسفة لديهم هي علم الأشياء الإلهية والأشياء الإنسانية، والطبيعة لديهم مجموعة كائنات (أجسام) وكل كائن (جسم) هو سبب في الكل.

وما يدعوه الرواقيون سبباً يظهر في الصفة التي تهمين في تركيب الكائن وتُنتجه، فالكائن بدون صفته هو مادة فقط، أي (تراب وماء)، وهما عنصران انفعاليان، أما الصفة فهي (الهواء والنار)، وهما العنصران الفاعلان. لم يعتقد زينون فقط بملاحظات التشابه، بل وأيضاً بوجود التماثل، فالصفة تعطي شكل المادة والوحدة للجسم، ولكي تعطي الصفة شكلها للمادة يجب بالضرورة أن لا تختلف عنها. والكائن متحد مع جميع الآخرين بمجرد أن يفعل ويتحرك، فيوجد بين جميع الكائنات رابطة داخلية تجعل الكون متماسكاً ومتعاطفاً، وبالتالي يوجد بين جميع الحوادث التي تتوالى تسلسلٌ، فكل لحظة من حياة العالم مرتبطة بصورة غير قابلة للفسخ باللحظة المباشرة التي سبقتها وباللحظة التي تليها. فلا شيء يحصل دون سبب، وحتى أتفه الحوادث أو حركة لقشة غير مرئية.

كل تغيير في السبب يفترض تغيراً مقابلاً في النتيجة وبالعكس. ماتت المصادفة مع الرواقية وسيطرت السببية وفقاً لترتيب صارم يسميه الرواقيون والديانة الاغريقية "بالقدر" أو "القضاء"، أو في الأديان السورية القديمة "مشيئة الآلهة". لا يوجد فوضى في العالم. العالم عند الرواقيين يشكل وحدة جيدة التنظيم، بل بالنسبة إليهم إنه النظام بعينه.

الرواقيون معجبون بسلطة القدر التي لا تقهر، فهو الشريعة المشتركة التي لا تنتهك أبداً والمتبعة دائماً طوعاً أو كراهية، وهي التي تجعل من الكون مدينة متمدنة. إنه الله أو الكل أو العالم أو النار، كما يسميها الرواقيون، كعنصر إلهي ينبث في جميع الكائنات. لذلك طلب زينون من الإنسان أن يعيش في وفاق مع الطبيعة، بالامتثال لنظام الحوادث التي تعبر عن إرادة الله أو الحياة أو النار.

بنى أرسطو منطق قضيته من خلال ربط محمول (أرسطو) في موضوع عام (إنسان)، على شكل مقدمة كبيرة تعقبها مقدمة صغيرة ثم النتيجة، وضمن جمل خبرية، بينما يستند المنطق الرواقي إلى حوادث (فقط)، متضمنة بينها علاقات زمنية (المحمول ليس فرداً أو تصوراً عاماً كمنطق أرسطو). القضية عند الرواقية لها 6 أشكال، وجميعها أحكام محمولة بحوادث "النهار طالع" أو "الرياح تهب"، أما الاستدلال فله خمسة أنواع.

منطق أرسطو: كل إنسان فان (موضوع عام وخبره) أرسطو إنسان ( خبر محمول) إذن سقراط فان (الحكم).

قضية الرواقية: "إذا كان في ثديي هذه المرأة حليب، فذلك لأنها ولدت".

اعتبر الرواقيون أن هذه العلاقة الزمنية تسمح بتعريف الحكمة، لأن الزمن تعبير عن حركية الحياة الكلية وعن انسجامها. فالحكمة عندهم هي "خضوع للزمن"، أي الانتماء إلى العالم، الأمر المرادف للخضوع لله والامتثال إلى القدر.

قدم الرواقيون فهمهم للعلاقات الزمنية في خمس استدلالات تعنينا في موضوع "إذا":

- إذا كان النهار طالعاً، فالشمس ساطعة. لكن النهار طالع، إذن فالشمس ساطعة. (شرط ونتيجة).

-  إذا كان النهار طالعاً، فالشمس ساطعة، لكن الليل مخيم. إذن، ليس النهار بطالع. (شرط وضد النتيجة).

- ليس صحيحاً أن يكون أفلاطون حياً أو ميتاً، لكن أفلاطون ميت. إذن، ليس أفلاطون بحي. (مقدمتان سلبيتان ومن إحدى المقدمتين نستنج ضد الآخر).

- إما النهار طالع وإما الليل مخيم، لكن النهار طالع. إذن فليس الليل مخيماً. (من انفصال ومن أحد حدي الانفصال نستنتج ضد الحد الآخر).

- إما النهار طالع وإما الليل مخيم، لكن ليس النهار بطالع. إذن فالليل مخيم. (من انفصال ومن ضد أحد حدي الانفصال نحصل على الحد الآخر).

 المنطق بالنسبة إلى الرواقيين ليس آلة أو تقنية تفكير في أحكام العموميات، إنه بالنسبة إليهم تعبير عن انتماء إلى حقائق زمنية متعاطفة للكائنات.

التشابه والتطور

إن العرافة الاستنتاجية رد متفاعل مع حقيقية قديمة في الأساطير السورية، والتي تقول: "إننا نجهل مشيئة الآلهة"، فإذا تعرفنا على مشيئة الآلهة من خلال الحوادث والمظاهر نستطيع أن نلغي هذه المشيئة عبر الطقوس. يدل هذا على نظرة مادية قوية إلى الحياة، وإنسانية لا ترضى بمرور المشيئة بدون محاولة تغييرها. أليست هذه هي الإرادة الحرة، وجواب أولي وقاس أن الإنسان مخيرٌ وليس مسيراً، وهي تتفق مع الرواقية التي تحدثت عن التوافق بين استقلالية الإرادة الإنسانية وقوانين القدر؟

كتب نيتشه في ختام حياته: "كيف لي أن أتحمل شرطي كإنسان لو لم يكن الإنسان شاعراً، وفكاك ألغاز ومخلّصاً للصّدف؟ أن نخلص الماضي، وأن نحوّل كلّ (ذلك ما كان) إلى (ذلك ما أردت)، فذاك فقط ما أسميه خلاصاً"

تحتوي العرافة الاستنتاجية على غرابة، لأننا نتحدث عن مدنية سورية عريقة حضارياً، ابتكرت علوم الرياضيات والهندسة والحسابات الفلكية المعقدة والزراعة والتعدين والأبجدية، ولكنها كانت متوجسة أمام الأحداث الشاذة والغريبة والغامضة، وذهنيتها الخاصة لا ترضى بعدم التفسير، فاستخدمت أغلى ما تملك للتفسير، وهي اللغة أولاً، والحدس العقلي والتماثل والضرورة والمعاكسة في القضايا، هل يخبرنا التدقيق في هذه الوثائق، والتي كتبت عبر ألفي عام، أنها كانت البداية الغامضة لصراع العلم والمعتقد؟  

التزمت "إذا" في العرافة الاستنتاجية والمنطق الرواقي بالأحداث والظواهر، وبينما كانت في العرافة مطلقة من القيد في المشاهدة، أي كل ما يمكن أن يقع تحت البصر. التزم المنطق الرواقي بالقيمة الذاتية للحدث ومعناه الزمني، ليربط الحدث مع أبعاده المقبولة زمنياً. والمقبول هنا هو القابل للتجريب والتكرار، وتحت قاعدة فكرية متكاملة تتحدث عن سببية صارمة للقدر.

ربطت العرافة (الظاهرة) من أجل الاستدلال إلى ظاهرة أخرى، وتفلتت العرافة من خصائص الفردية المسببة للحدث، فهي لا تهتم مثلا بعمر الحالم أو جنسه أو طبقته. ربط منطق الرواقية (الظاهرة) بالزمن الذي بدوره حدد أبعاد معنى الظاهرة، وأفلتت (الفردية والأفراد) من حسابات الرواقية أيضاً.

لقد قام الرواقيون بعلمنة (إذا جاز التعبير) تلك الـ "إذا" السورية القديمة عن طريق إيضاح فلسفة بكاملها، فكان منطقهم الزمني هو الأداة لتمييز الحق في الدليل والمدلول.

إن منطق "إذا" العرافة والرواقية ليست غريبة عن العقول المفكرة المعاصرة التي تبحث، وبطرق قد لا تبتعد عن أسلوبي العرافة والسببية الرواقية المنسجمة مع القدر، عن تفسيرٍ للكون وأحداثه.

كتب نيتشه في ختام حياته عن شخصيته ومجمل مؤلفاته في كتابه هذا هو الإنسان، ويقول: "هاجسي ومبتغاي، أن أجمع في كلٍّ موحدٍ ما كان شظايا وألغازاً وصدفاً فظيعة". أليس هذا شكلاً لرغبة العرافة؟ ويتابع بوضوح: "وكيف لي أن أتحمل شرطي كإنسان لو لم يكن الإنسان شاعراً، وفكاك ألغاز ومخلّصاً للصّدف؟ أن نخلص الماضي، وأن نحوّل كلّ (ذلك ما كان) إلى (ذلك ما أردت)، فذاك فقط ما أسميه خلاصاً".

هل تنطق السببية الرواقية بخطاب أكثر فصاحة من هذا؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard