أقدم شكوى في التاريخ لضيق الحال المادية لطالب على مقاعد الدراسة

السبت 6 مارس 202111:36 ص

تترافق بداية كل عام دراسي مع ضغوط مادية تعاني منها الأسرة السورية في تأمين الحاجات المدرسية، فقد كانت قبل الحرب تمتلك بعض الوفرة في ظلّ الأسعار الرخيصة، والأنواع المتباينة في الجودة، كما كانت هموم العام الدراسي المادية قابلة للحل بطرق بسيطة، تبخرت في ظل الحرب السورية. فإذا استطاع الأهل تأمين مستلزمات أولادهم كيفما اتفق لبداية العام الدراسي، تبقى حساسية الطفل المرهفة جداً للتباين في الجودة بين نوعية ملابسه ومحتويات حقيبته المدرسية مع زملائه، لأن الطفل يدرك الفارق ويعبر بسلوك غير مباشر عن رفضه لهذا الواقع.

المحزن حقاً أن بداية العام الدراسي عند بعض العائلات ليست أكثر من فرصة للبذخ، دون إدراكهم لأبعاد الموضوع عند زملاء طفلهم في الصف، وابنهم الذي سيقضي العام كاملاً بين طلاب ربما دخلوا المدرسة على حساب بطون بقية أفراد العائلة.

الرسالة الغاضبة

قدم الدكتور عامر عبد الله الجميلي، الأستاذ المساعد في كلية الآثار، جامعة الموصل، رسالة الشكوى في كتابه "الكاتب في بلاد الرافدين" المنشور عام 2005، حيث جمع فيه من مختلف المصادر العربية والأجنبية الجزئيات التي تتعلق بعالم الكتابة والكتاب ومدارسهم واختصاصاتهم ومكانتهم الاجتماعية، مع مقدمة طويلة عن تطور عملية كتابة المقاطع الصوتية، وهو جهد لم يسبقه أحد إليه في موضوعه.

أقدم شكوى في التاريخ لـ"تلميذ" ترد  في كتاب "الكاتب في بلاد الرافدين" لـطالب يدعى "سن – أدن"؛ كان يتابع دراسته بعيداً عن بيته فكتب إلى والدته لترسل له ملابس لائقة بدلاً من الثياب الرثة البالية التي كانت ترسلها

الرسالة التي قدمها الجميلي في كتابه من العصر البابلي القديم (قبل 4 آلاف عام) وهي شكوى من تلميذ يدعى "سن – أدن" وقد كان يتابع دراسته بعيداً عن بيته. كتب إلى أمه التي تدعى "زين" لترسل له ملابس لائقة بدلاً من الثياب الرثة البالية. يقول سن أدن: "قل لزين هكذا يقول سن أدن، عسى أن تصونك وتمجدك الآلهة شمش ومردوك، إن ثياب من معي من زملائي الآخرين في تحسن سنة بعد أخرى، في حين جعلت أنت ثيابي تبدو أكثر بساطةً وتواضعاً عاماً بعد عام.

ولعلك وفرت شيئاً من المال إذا أرسلت ثياباً بسيطة وقليلة، بالرغم من علمي أن الصوف متوفر في بيتنا مثلما يتوفر الخبز. لقد جعلت ثيابي رديئة حقاً، على سبيل المثال ابن ادد ادنّم، الذي كان أبوه مملوكاً لأبي، فإنه استلم لتوه ثوبين جديدين، أما أنتِ فلا تكترثين إلا بإرسال ثوب واحد فقط، على الرغم من أن أمه لم تلده وجاءت به إلى هذا العالم، وإنما قد تبنته، فإن الطريقة التي تحبه أمه بها تجعلني أعتقد أنك لا تحبينني على الإطلاق".

نشعر في خطاب الرسالة بالغضب والخجل عندما يتهم الابن أمه بأكثر التهم إيلاماً للأمهات بأنها لا تحبه، ونستطيع أن نتخيل دموع أمه التي يبدو من رسالة ابنها أن عائلته تعاني من ضائقة لا يعرف عنها شيئاً.

نشعر في خطاب الرسالة بالغضب والخجل عندما يتهم "سن – أدن" أمه بأكثر التهم إيلاماً للأمهات بأنها لا تحبه

تبين الرسالة، بالإضافة إلى المشاعر المرافقة، لها عدة مسائل. أهمها الإشارة إلى التلميذ الذي كان عبداً وتبنته امرأة، ما يفصح عن إمكانية تبني أبناء العبيد وانخراطهم في التعليم أسوة بأبناء النبلاء، حيث كان الاعتقاد السائد بين المؤرخين أن المدرسة في سوريا الطبيعة كانت حكراً على الأغنياء وأولاد النبلاء.

وهو اعتقاد مشكوك فيه لكثرة الإشارة إلى نقيضه، ومنها ما يرد على لسان أحد ملوك مدينة أور، الملك شولجي (2049- 2047) ق.م،  الذي تفاخر بتأسيسه لمدرستين، واحدة في مدينة نفر والأخرى في مدينة أور، حيث يقول في إحدى ترانيمه: "من يريد أن يصبح كاتباً أو عالماً يبدأ حياته بالذهاب إلى المدرسة، وإن كان من نسب متواضع، فسوف يدرس سوية مع أبناء الأمراء ويرتفع إلى مراتبهم". هذه الإشارة والكثير غيرها دفعت إلى التنبه أن فرصة التعلم كانت متاحة للفقراء وذوي النسب المتواضع، شرط أن يتفوقوا في فن الكتابة.

المدرسة في تاريخ المشرق القديم

كانت أولى المدارس التي تم اكتشافها ملحقة بالمعابد، حيث ترد إشارات إلى وجود نظام مرتب لتدريب كتّاب المستقبل منذ الألف الثالث قبل الميلاد. تغدو الوثائق في العصر البابلي القديم (2000-1600) ق.م أكثر غزارة، حيث أصبحت المدارس تبنى بجانب القصر عوضاً عن المعبد، أو يخصص لها بناء مستقل.

قسم التعليم إلى مرحلتين: الأولى يتلقى فيها التلميذ اللغة والقراءة والكتابة والحساب والموسيقى، ويطلق عليها في الأكدية اسم "بيت طبِّ" أي بيت الألواح. المرحلة الثانية: المدارس المتقدمة، وتشمل العلوم على اختلافها كالرياضيات (وتتضمن المساحة) والفلك والطب والسحر والأدب، وسميت هذه المدارس بـ "بيت مُمّ" أي بيت الحكمة، وأطلق على الملتحقين بها "أريب بيت مُمّ"، بمعنى الداخل إلى بيت الحكمة.

كانت أولى المدارس التي تم اكتشافها في المشرق القديم ملحقة بالمعابد، حيث ترد إشارات إلى وجود نظام مرتب لتدريب كتّاب المستقبل منذ الألف الثالث قبل الميلاد

لا يختلف شكل المدارس القديمة عن الحالية، فمثلاً المدرسة المكتشفة في مدينة ماري تتألف من غرفتين، تشمل كل منهما عدة صفوف من المقاعد التي بنيت من مادة اللبن (الطين والقش)، وعثر بجانبها على أحواض مياه كانت تستخدم من قبل الطلبة لتحضير الألواح الطينية.

تشبه هيئة إدارة المدرسة القديمة مثيلتها الحالية باستثناء وجود شخصين ذكرهما صومائيل كريمر، في كتابه "السومريون"، أحدهما يطلق عليه اسم "رجل النظام" يقوم بمراقبة سلوك التلاميذ خارج المدرسة، وآخر يسمى "رجل السوط" ويبدو أن مسؤوليته تتعلق بالانضباط داخل المدرسة.

الامتحان في بيت الألواح

يتعلم الأولاد فنّ الكتابة منذ المرحلة المبكرة من الكتابة الصورية القديمة، وقد ثبت الأمر عند العثور على الكثير من الألواح التي يمكن تسميتها الألواح المدرسية، كتبها المبتدئون لتعلم اللغة الصورية، وطبعاً كان على الطالب في المرحلة الابتدائية أن يتعلم الشكل الصوري والشكل المقطعي، لأن الكتابة السومرية والأكدية قبل أبجدية، ومن ثم يتعلم تركيب المقاطع الصوتية ليستخرج الكلمات. يتدرب الطالب على نصوص قصيرة من أمثال وحكم، ليصل فيما بعد إلى دراسة عناصر اللغة والأدب في النصوص الجاهزة من محاورات ومناظرات وأدب الفكاهة. وطبعاً، لينتقل الطالب إلى بيت الحكمة كان عليه أن يخضع لما نسميه في وقتنا الحالي الامتحان.

وصلنا الكثير من نماذج الامتحانات، قدمها الجميلي في كتابه الكاتب أحدها وفيه:

س 1- بدأ فن الكتابة بالمسمار، والمسمار له ست قراءات مختلفة، ويرمز أيضا إلى الرقم 60 فهل تعرف ما اسم هذا المسمار؟

س 2- كل ما تعلمته من السومرية هل تعرف ما يقابله بالأكدية؟

س 3- هل تعرف كيف تترجم الكلمات عندما تكون الأكدية في النص إلى الأعلى والسومرية إلى الأسفل، أو عندما تكون السومرية في الأعلى والأكدية في الأسفل؟

س 4- هل تعرف ماهية الغناء؟

س 5- هل تعرف في اللغة الأكدية لهجة صاغة الذهب والفضة؟ ولهجة صانعي الأختام الأسطوانية؟ وهل تفهم كلامهم؟

س 6- هل تعرف لغة الخطباء؟ وهل تستطيع التفريق بين لهجة رعاة الماشية ولهجة السفّانة؟ وهل تعرف مصطلحاتهم؟

س 7- هل تعرف عملية ضرب الأعداد؟ وهل تعرف استخراج معكوس الأعداد؟ وهل تعرف معاملات الأعداد؟ وهل تعرف مسك الدفاتر؟ وهل تستطيع مسح الحقول؟

ومن ملاحظة السؤال الخامس والسادس، أن للكتابة أصنافاً ولا بد للكاتب في أثناء تدربه على الكتابة من اختيار صنف من أصناف الكتابة، فكان بعض الملوك يفاخرون بإتقانهم لجميع أصناف الكتابة. فهناك كاتب للمعبد، الملك، القصر، البلاد، المدينة، الجيش، القضاة، العقود، الاستخبارات، المساحة، المحاسبة، الفلك والتنجيم، الترجمة، المعارف الجغرافية، الوصفات الطبية والكيميائية، التعاويذ، النسخ والتجار، لكل اختصاصه ومفرداته التي لا يتقنها كاتب من خارج الصنف، إلا من باب الاجتهاد العلمي والدراسي.

أقدم ذكر لكاتبة وصلنا هو ذكر الشاعرة انخيدوانا، ابنة الملك شروكين، مؤسس الإمبراطورية الأكديةالتي كانت الكاهنة العظمى لإله القمر، وكانت تكتب الشعر والتراتيل، ولها قصيدة تتكون من 374 بيت

النساء الكاتبات

لم يكن عدد النساء الكاتبات كبيراً مقارنة بالرجال، كما كن من بنات الملوك والأمراء والأسر الغنية، والسبب بطبيعة الحال هو الحاجة إلى سنين طويلة لتعلم فن الكتابة، مضافاً إليه دور المرأة في المجتمع بما يتعلق بالولادة والتربية. أقدم ذكر لكاتبة وصلنا مع الشاعرة انخيدوانا، وهي ابنة الملك شروكين (2371- 2316) ق.م مؤسس الإمبراطورية الأكدية ويعني اسمها كما يقدمه هاري ساغز، في كتابه "البابليون" (زينة السماء) حيث كانت الكاهنة العظمى لإله القمر ننا، في مدينة أور، وكانت تكتب الشعر والتراتيل، ولها قصيدة تتكون من 374 بيت شعر.

هناك أيضا زوجة الملك شولجي (2049- 2047) ق.م السابق الذكر، التي ألفت مقطوعة بعنوان هدهدة الطفل. ويظهر أن عدد الكاتبات في العصر البابلي القديم قد ازداد بشكل كبير، وهن من كاهنات المعبد اللواتي كن في نفس الوقت أميرات وبنات ذوي الرتب العالية في الدولة، وأن إحداهن وتدعى امت- مامُ خدمت مدة 40 عاماً، وعاصرت حكم ثلاثة ملوك. عثر في ماري على أسماء عشر كاتبات كن ينلن جرايات من القصر، وكن إماء في قصر الحريم، وكن يوهبن للأميرات كجزء من المهور.

يلاحظ قلة الإشارة في نصوص العصرين الآشوري والبابلي الحديث إلى الإناث الكاتبات بالمقارنة مع العصر البابلي القديم، ويلقي ضوء على وضع الكاتبات في العصر الآشوري الحديث رسالةٌ مبعوثة من قبل رجلين متدينين إلى أحد الآلهة، ومكتوبة من قبل كاهنة، تذكر حدوث عصيان على الملك الآشوري، آشور بانيبال، وذُكر في نهاية الرسالة، كما يقدمها الجميلي في مؤلفه "الكاتب في بلاد الرافدين": "انظر إلى هذا، كتبته امرأة، وجلبته أمامك". وثمة خلاف على معنى هذا السطر، هل يقصد التهكم، ما يدل على انخفاض مركز المرأة الكاتبة كما يحاول البعض الفهم؟ أو يدل على النقيض من ذلك، أي إبداء الإعجاب والتقدير وهو ما أتصوره؟

غليان الحاجة إلى الكتابة

نستطيع أن نتخيل مقدار الحاجة الحيوية لمتقني فن الكتابة المترافق مع انطلاق الحياة في عالم القرية والمدينة القديمين. وإذا كانت الذاكرة الجمعية التي حافظت على أحداثها وخبراتها على مدى آلاف السنين شفاهاً، فإنها وجدت فرصتها، مع اختراع الكتابة، لتدوّن مشاعرها وأفكارها.

تجاوزت الحاجة إلى الكتابة في المشرق القديم ضرورات مؤسسات ذلك الزمان للتوثيق، ليصل إلى رغبة الملوك في مكاتب تضاف إلى قصورهم، تضم آلاف الألواح التي لها الفضل الكبير في معرفة آداب وفنون وخبرات تلك المجتمعات القديمة. الأكثر غرابة، أن تلك الحاجة النفسية إلى مكتبة خاصة وصلت في بعض المدن السورية القديمة، أوغاريت مثلاً، إلى العثور على مكاتب خاصة في منازل مواطني مدينة أوغاريت، من رئيس الكهنة إلى تجار المدينة وأغنيائها، وحتى الآن لم يتم العثور على مكتبة رسمية أو مركز للوثائق كحال بقية المراكز الثقافية في الشرق الأدنى.

كانت تلك المكاتب ثروة للمنقبين في المدينة لمعرفة أحوال مجتمع ذلك الوقت. يعدد الكسندر ستيبتشفيتش، في كتابه "تاريخ الكتاب" الجزء الأول بعض هذه المكاتب، فعلى سبيل المثال، بالإضافة إلى الكتب الأدبية والقواميس التي وجدت في بيت رئيس الكهنة، ثمة رسالة خاصة بعنوان "معالجة الحصان المريض".

تتجسد نظرة المجتمع إلى الكاتب في بلاد الرافدين، بقسوتها وحكمتها الخاصتين، في الأمثال الشعبية التي يذكر بعضها عامر الجميلي في كتابه "الكاتب في بلاد الرافدين": "مُنح الكاتب أذنين عظيمتين"، "ما أعظم ذنب الكاتب الثرثار"

مثلاً، اكتشف عام 1956م مكتبة خاصة في بيت أحد الموظفين الملكيين، تحتوي مراسلات تسلمها من حاكم قبرص، وإلى جانبها معاجم متعددة، أحدها كان يحتوي أربع لغات سومري، أكادي، حوري وأوغاريتي. وعام 1962م عثر على مكتبة خاصة تحتوي على كتب قانونية ومعرفية تخص أحد موظفي الدولة، الذي لم يحرص على تجميع النصوص الخاصة بمسؤوليته فقط، بل تضمنت نسخاً عن ألواح عرفناها في بيوت أخرى في أوغاريت، تدل من عناوينها على اهتمامات الشريحة المثقفة في المجتمع الأوغاريتي.

ففي أحد الألواح نقرأ عناوين مثل: "هل هناك حياة دون مجد وأكثر قيمة من الموت؟"، أو لوح آخر بعنوان: "من الذي لا يتجاهل الضعف؟"، أو آخر بعنوان "هذا هو قدر الأبرياء"، وبالطبع بالإضافة إلى النصوص الأدبية المشهورة ذلك الوقت، من ملحمة جلجامش إلى المناظرات الأدبية التي كتبت في بلاد الرافدين. كل هذا يدل على مكانة الكاتب والكتابة ورقي الحالة المعرفية في مدينة أوغاريت، وهو ليس بمستغرب عن المدينة السورية التي قدمت الأبجدية للعالم.

إن أكثر ما يدل على نظرة المجتمع إلى الكاتب والتي تحتوي قسوتها وحكمتها الخاصتين تتجسد في الأمثال التي تحدثت عن الكاتب، يذكر بعضها الجميلي في كتابه "الكاتب في بلاد الرافدين": "فإذا انحط الكاتب يصبح كاتب رقى"، "ما أعظم ذنب الكاتب الثرثار"، "على الكاتب الذي يريد الكتابة أن ينهض مع الشمس" أو "منح الكاتب أذنين عظيمتين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard