تقديس الحجر وكعبات متعددة... عن الديانات السامية القديمة

الثلاثاء 14 ديسمبر 202112:49 م

عرف الشرق الأدنى القديم، ظهور العديد من الشعوب التي أسهمت في بناء وتطوير صور مختلفة من الحضارة الإنسانية بدايةً من الألف الرابع قبل الميلاد. بعض من تلك الشعوب، عُرفت باسم الشعوب السامية، وقد انتشرت على مساحات واسعة في كل من بلاد سوريا وفلسطين والعراق وشبه الجزيرة العربية، ونجحت في تأسيس بعض الحضارات المهمة، والتي يُعزى إليها الفضل في تحقيق الكثير من المنجزات المادية والثقافية المبكرة.

على الرغم من التباين الشديد بين الديانات السامية المختلفة، فقد وجدت مجموعة من السمات المشتركة المهمة فيما بين تلك الديانات وبعضها بعضاً، وهي السمات التي ظهرت أحياناً في أشكال الطقوس والشعائر، كما ظهرت في أحيان أخرى في صور وأوصاف الآلهة المعبودة.

من هم الساميون؟

يلف مصطلح "السامية"، الكثير من الغموض والالتباس، وذلك بسبب الدلالات المختلفة التي قد تنشأ عند استخدامه. رغم ذلك، يمكن القول –بشكل عام- إن مصطلح الساميين، هو المصطلح الذي يُطلق على الشعوب المنحدرة من نسل سام بن نوح، والذي ورد ذكره في سِفر التكوين في العهد القديم، في سياق الحديث عن الوقائع التي جرت بعد انحسار الطوفان العظيم، على كونه الابن البكر للنبي نوح.

بحسب العهد القديم، فإن سام هو جدّ العديد من الشعوب التي عاشت في الشرق الأدنى القديم، ومنها على سبيل المثال، كل من الشعب البابلي، والشعوب العربية، والشعب الأشوري، والشعب الكنعاني، أما باقي الشعوب القديمة، فقد انحدرت من نسل أخويْ سام، وهما حام ويافث، فبحسب سفر التكوين، انحدر المصريون والكوشيون من أصحاب البشرة السوداء من نسل حام، فيما انحدر الترك والشعوب الهندوأوروبية من نسل يافث.

العادة العربية الشمالية في تقديس الحجارة غير المُشكّلة في هيئة محددة، تعرضت للتغيير والتبديل على يد سادن الكعبة عمرو بن لحي، والذي تتحدث المصادر الإسلامية على كونه أول من أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب، بعدما شاهدها وأُعجب بها إبان رحلته في بلاد الشام

هذه الرؤية –المبنية على نصوص دينية غير علمية- سوف تشيع في العصور الحديثة، كنوع من أنواع التقسيم بين الشعوب القديمة التي سكنت المنطقة، وسيُنظر في ما بعد لجميع الشعوب التي تحدثت بإحدى اللغات السامية –مثل العربية والعبرية والأشورية- على كونها شعوباً سامية بالمعنى الثقافي، وأن ثمة رابطاً قد ربط في ما بينها وبين بعضها.

يُعرف الكنعانيون على كونهم السكان الأصليين لفلسطين القديمة، فتقول الرواية التوراتية أن الغزاة الإسرائيليين قد أزاحوهم وحلوا محلهم في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، بعدما تمكن يوشع بن نون من قيادة بني إسرائيل لاجتياح أريحا وبعض المدن الفلسطينية بعد أربعين سنة من الخروج من مصر. بحسب ما هو معروف في الأوساط الأكاديمية الحديثة، فأن أوغاريت –القريبة من مدينة اللاذقية في سوريا- كانت مركزاً مهماً للكنعانيين في الألف الثاني قبل الميلاد، وقد ظلت محافظة على أهميتها الفائقة حتى تم تدميرها على أيدي شعوب البحر في 1180ق‌.م تقريباً.

من حسن الحظ، أن البعثات العلمية قد عثرت في أوغاريت على وثائق مهمة تلقي الضوء على الحياة الدينية الكنعانية، الأمر الذي أسهم في فهم جزء كبير من المعتقدات السامية التي انتشرت في سوريا القديمة. بحسب تلك الوثائق، فعدد آلهة أوغاريت قد بلغ زهاء الثلاثة وثلاثين إلهاً، أهمهم على الإطلاق، الإله إيل، أبو الآلهة، الذي اعُتبر خالقاً للعالم، ومصدراً للحكمة الأبدية، وزوجته الإلهة أثيرات، أم الآلهة، ومن بعدهما يأتي الإله بعل، الذي يمثل القوة الكامنة في العالم، وزوجته الإلهة عناة، رمز العنف والجنس.

بحسب ما يذكر الباحث السوري فراس السواح في موسوعة عن تاريخ الأديان، فإن "الشواهد النصية والتصويرية تشير إلى أن الملمح الرئيسي للدين الأوغاريتي هو التركيز على تبجيل ثنائيين إلهيين، يرمز الثنائي الأول –إيل وأثيرات- إلى السلطة الملوكية على العالم، فيما يرمز الثنائي الثاني –بعل وعناة- إلى الصراع الدائم من أجل البقاء والسيادة".

أما في ما يخص الديانة الفينيقية، فقد اهتمت اهتماماً كبيراً بالطقوس والشعائر، فأولت قدراً متزايداً من الاحترام للكهنة المشرفين على أداء الطقوس الدينية في المعابد، وتذكر النقوش وجود كهنة من الجنسين، كما بينّت أن بعض المناصب الكهنوتية كانت في بعض الأوقات حكراً على عائلات محددة، وأنها قد استمرت في تلك العائلات لمدة أجيال متعاقبة.

الفينيقيون أهتموا أيضاً بطقوس الدفن، فنراهم يعملون على دفن الميت في اللحد، وفي أحيان أخرى قاموا بحرق جثامين الموتى، ويرى بعض الباحثين، أن اختلاف طقوس الدفن في فينقيا دليل على اختلاط أصول السكان، وأنهم قد أتوا من خلفيات ثقافية ودينية مختلفة، ومما يؤيد هذا الرأي، أن فينقيا القديمة –سوريا ولبنان الحاليتين- كانت واقعة بين مصر وبلاد الرافدين، مما سهل انتقال المؤثرات الدينية من تلك البلاد إليها في سهولة ويسر.

العامل الديني لعب دوراً مهماً أيضاً في الديانات الآرامية، وهي تلك التي انتشرت بين الشعوب الآرامية القاطنة في شمال سوريا، وعلى الخابور الأدنى والأعلى في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، فبحسب النصوص التي وصلتنا، تلك الشعوب قد عظّمت وعبدت مجموعة من الآلهة، ومن أهمها الإله هدد، إله العواصف والطقس، والإله سن، إله القمر الذي كان له نفوذ كبير في منطقة حران، ومما يشهد على أهمية الدور الديني وتماهيه مع الحراك السياسي "إن الآلهة مدعوون دائماً ليشهدوا على توقيع المعاهدات، ولتحلّ لعناتهم السماوية على أي انتهاك للوثائق".

من الطقوس الدينية الغريبة التي عرفتها الشعوب السامية في سوريا القديمة، ما عُرف به الفينيقيون في بعض الفترات التاريخية من تضحيتهم بالأطفال في سبيل الحصول على رضا الآلهة، وأيضاً ما عُرف به الأموريون من تفتيش أحشاء وأكباد بعض الحيوانات بغية التواصل إلى القوى الروحية والتعرف على المستقبل والغيب.

العرب قبل الإسلام

لعل المشكلة الأكبر التي تواجه جميع الباحثين في ديانات العرب قبل الإسلام، تتمثل بالمقام الأول في غياب أي وثائق يمكن الاعتماد عليها أو الرجوع إليها لفهم عقائد العرب في تلك العصور القديمة.

من المعروف أن العرب قبل الإسلام لم ينتظموا في دولة واحدة، ولم يكونوا مجتمعاً واحداً، ولذلك نجد أنفسنا أمام حالة من حالات التنوع الفسيفسائي في ما يخص الديانات العربية القديمة، إذ كان لكل تجمع قبلي مجموعة من المعتقدات التي تميزه عن المجتمعات المحيطة به.

 عرب الشمال عرفوا شكل الكعبات أو المحجات، وهي عبارة عن بيت مربع أو مستطيل الشكل بلا سقف في غالب الأحيان

على سبيل المثال، تأثر العرب التدمريون بالعقائد الشائعة في سوريا القديمة، وانعكس موقع تدمر التجاري في منطقة الوسط بين الأناضول في الشمال وجزيرة العرب في الجنوب، وبين سورية في الشرق وبلاد الرافدين في الغرب، على ديانة التدمريين التي "حملت طابعاً توفيقياً؛ فقد حفل البانثيون –مجمع الآلهة- التدمري بآلهة سوريين ورافدينيين وعرب"، وكان الثالوث المقدس، بل إله المطر والعاصفة، ويرحبول إله الشمس، وعجلبول إله القمر، قد تربع على قمة هرم المعبودات التدمرية بلا منازع.

أما العرب الأنباط الذين استقروا في المنطقة الواقعة بين البحر الميت وخليج العقبة، فقد عبدوا عدداً من الآلهة التي وفدت معهم من مواطنهم الأصلية، وعلى رأسها اللات وذو الشرى، ومن الجدير بالذكر أن الآراء تتضارب حول المعبودين، ففي حين يختلف الباحثون مع بعضهم البعض حول اللات، وإذا كانت تمثل الشمس أم كوكب الزهرة، فإنهم يختلفون أيضاً حول ذي الشرى –زوج اللات- والذي كان يُعبد في صورة كتلة سوداء غير منحوتة، ارتفاعها أربعة أقدام وعرضها قدمان، تقوم على قاعدة من ذهب مشغول، على حد وصف بعض المصادر القديمة.

وإذا كانت ديانة عرب بلاد الشام تشكو من قلة الوثائق وتبعثرها، فإن ديانة عرب الشمال تشكو من انعدام الوثائق الكتابية والفنية انعداماً تاماً، والباحثون في هذا المجال مضطرون إلى الاعتماد على بعض المصادر المتأخرة على ظهور الإسلام بنحو قرنين على الأقل، ومن أبرز تلك المصادر كتاب الأصنام لابن الكلبي المتوفى 204هـ، وكتاب أخبار مكة للأزرقي المتوفى 219هـ.

يقول ابن الكلبي في كتابه، متحدثاً عن ديانة عرب الشمال "وكانت للعرب حجارة غير منصوبة يطوفون بها ويذبحون عندها، يسمونها الأنصاب، ويسمون الطواف بها الدوار". وهو الوصف الذي يعلق عليه فراس السواح، فيشير إلى انسجامه مع ما نعرفه عن أصول عبادات الشعوب السامية الغربية عموماً، وهي تلك الأصول التي تنفر من تصوير الآلهة بهيئة أشخاص، ذلك أن الأصل في رؤية الشعوب السامية الغربية للإلهة هو التنزيه لا التشبيه "فالذات الإلهية في فكرهم الديني التلقائي عبارة عن قدرة مجردة غير قابلة للتوهم في شخصية محددة الملامح، وكيان مؤطراً في الزمان والمكان. فالألوهة حاضرة أبداً في هذا الوجود، ولكن حضورها يشتدّ كثافة في نقاط معينة يوضع فيها رمز مرئي للإله، يشير إليه ولا يرسمه، يوحي بحضوره ولا يصوره، ويكون بمثابة مفصل يتصل عنده المقدس الخفي بالدنيوية الظاهرة.".

هذه العادة العربية الشمالية في تقديس الحجارة غير المُشكّلة في هيئة محددة، تعرضت للتغيير والتبديل على يد سادن الكعبة عمرو بن لحي، والذي تتحدث المصادر الإسلامية على كونه أول من أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب، بعدما شاهدها وأُعجب بها إبان رحلته في بلاد الشام.

معرفة العرب للأصنام، وعبادتهم لها، لم تمنعهم من الاستمرار في تقديس الحجارة غير المُشكلة، فبحسب ما وصلنا من معلومات، فأن العبادتين قد ظلتا قائمتين بجوار بعضهما بعضاً، ويشهد على ذلك أن عرب الشمال قد عرفوا شكل الكعبات أو المحجات، وهي عبارة عن بيت مربع أو مستطيل الشكل بلا سقف في غالب الأحيان، ويوضع فيه النصب الحجري الذي يرمز للإله المعبود، وتُراق عليه دماء القرابين، ويحيط بالبيت، عادةً، منطقة حرام تحددها أنصاب حجرية، تُدعى "الحمى" ويأمن فيها النبات والإنسان والحيوان. وقد شاعت تلك الكعبات في الكثير من المناطق العربية الشمالية، ومنها على سبيل المثال، كل من بيت اللات، وكعبة نجران، وكعبة شداد الإيادي، وكعبة غطفان، وبيت العزى، وبيت مناة، وبيت رضا، أما أهم وأشهر تلك الكعبات على الإطلاق، فقد كان البيت الحرام بمكة.

عرب الشمال عرفوا العديد من الآلهة الكبرى التي حظيت بمقام مهم وبمكانة محترمة في الوجدان الديني الجمعي، ومنها اللات، والتي كانت آلهة العرب الكبرى، والتي يُعتقد أن اسمها هو الصيغة الأنثوية من اسم الإله إيل، وكانت عبادتها معروفة في الطائف بين قبيلة ثقيف، كما كانت جميع القبائل العربية تعظمها وتحترمها، إذ كان من المعتاد أن يأتيها الحجاج من كل حدب وصوب فينحرون لها ويقدسونها ويهدون إليها الحُلي والثياب النفيسة.

الأصل في رؤية الشعوب السامية الغربية للإلهة هو التنزيه لا التشبيه "فالذات الإلهية في فكرهم الديني التلقائي عبارة عن قدرة مجردة غير قابلة للتوهم في شخصية محددة الملامح

أيضاً كانت مناة من أقدم الأصنام التي عرفها العرب، وكانت عبادتها معروفة في كل من مكة والمدينة وغير ذلك من المدن العربية، وعلى الأرجح، أُشتق اسمها من المنية وهي الموت، وكانت باعتبارها نجمة المساء، تمثل العتمة والظلمة والعالم الأسفل.

أما هبل، فكان أول الأصنام التي وصلت إلى مكة، إذ جاء به عمرو بن لحي من موآب، ومن غير المعروف معنى اسم هبل، وإن رجح بعض الباحثين أنه مقتبس من الإله الكنعاني بعل، وأن الموآبيين لما كانوا ينطقون بعل بـ"هبعل" لكونهم يسبقون الاسم بحرف الهاء كأداة تعريف، فأن العرب –وعلى عادتهم في إسقاط حرف العين- قد سموا هذا الصنم بهبل. وقد قيل إن العرب قد اعتقدوا بوجود علاقة بين هبل ومعرفة الغيب، لأن ابن الكلبي يخبرنا في كتابه بأن أهل قريش كانوا إذا أرادوا الإقدام على أمر ما، ضربوا بالقداح أمام هبل مستخيرينه بالأمر، ومن ذلك ما قيل بأن عبد المطلب، جدّ الرسول، قد ضرب عند هبل الأقداح على ابنه عبد الله حينما أراد ذبحه وفاءً بنذره القديم.

أيضاً، وفي السياق نفسه عرف العرب صنمي أساف ونائلة، ويحكي ابن الكلبي أن أسافاً ونائلة كانا يافعين من جرهم، وقد قدما إلى مكة للحج، فلما وجدا غفلة من الناس بعد أن دخلا إلى الكعبة، زنيا، فمُسخا إلى حجرين، ثم أخرجهما الناس عند الكعبة ليتعظ منهما الحجيج، فلما طال مكثهما في هذا المقام وعبدت الأصنام، عُبدا معها.

طبعاً، لا يفوتنا في هذا المقام التنويه على أن "الله"، قد عُبد على نطاق واسع في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وأنه كان معروفاً باللّه رب الكعبة، وكان الحجيج يحجون إلى كعبة مكة في كل عام ويفون بنذورهم ويذبحون ذبائحهم، ويمارسون طقوساً مشتركة، وهذا يدل على "أن العرب على الرغم من تعدد آلهتهم، وإعلاء كل قبيلة لشأن إله أو أكثر تخصه بالعبادة، فإن عبادة مشتركة واحدة جمعت بينهم، وإله مشترك واحد آمنوا به إلى جانب إيمانهم بآلهتهم المحلية، هو إله كعبة مكة..".

وقد أكد القرآن الكريم في أكثر من موضع أن إله الكعبة الذي عرفته العرب، هو نفسه الله الذي يعبده المسلمون، ومن ذلك ما ورد في سورة الفيل، من آيات تتحدث عن دفاع الله عن بيته الحرام عندما قاد أبرهة الحبشي جيشه بهدف هدم الكعبة. ويتمثل الاختلاف الرئيس حول صورة الله بين الثقافتين العربية الجاهلية من جهة والإسلامية من جهة أخرى، أن الثانية قد عملت على إزالة كل ما تراكم على الأولى من رواسب الشرك والجهل، كما أن الإسلام قد عمل في السياق ذاته على رفض ما شاع بين العرب القدامى من القول بأن الأصنام والآلهة الأخرى هم شفعاء، يُتقرب بهم إلى الله، ومن ثم فقد أعلن العداء الصريح لجميع تلك الأوثان التي عرفتها القبائل العربية قبل الإسلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard