حفل غنائي يشعل الصراع مجدّداً بين الدين والفن في الجزائر

الاثنين 18 أبريل 202205:57 م

"لعنة الله عليكم، يا رعاع بلا دين، يا سفلة، يا حيوانات". بهذه العبارة وقف إمام مسجد الهداية ببلدية أمشدالة (واسمها الحقيقي “مشد الله”) وهو في حالة غضب عارم يسبّ منظمي حفل أقيم أمام المسجد بألفاظ لا تليق لا بهم ولا بموقعه كإمام مسجد. وهو ما نجمت عنه فوضى قادت لمحاصرة الإمام وتهديده بالاعتداء، قبل أن ينجح بعض العقلاء في التدخل واحتواء الموقف.

بدأت القصة مع قيام الفنانة القبائلية الطاوس أرحاب بتنظيم حفل غنائي في الساحة العمومية المقابلة لمسجد الهداية، ببلدية أمشدالة بولاية البويرة (100 كلم شرق العاصمة الجزائر).

بذريعة انتهاك حرمة شهر العبادة... حفل للفنانة القبائلية الطاوس أرحاب في ساحة مقابلة لمسجد يثير مشاعر فريق واسع من المجتمع الجزائري المحافظ، عبّر عن سخطه على منظمي الحفل والجمهور الذي حضر

أثار الحفل مشاعر فريق واسع من المجتمع الجزائري المحافظ، عبّر عن سخطه على منظمي الحفل والجمهور الذي حضر، مطالباً بمحاسبتهم على ما وصفه بجريمة انتهاك حرمة شهر العبادة.

امتزاج الفن بالسياسة 

هناك من اعتبر أن ما حدث ذو بعد سياسي يتجاوز الحفلة ويتصل بقضايا أعمق وأسئلة أكبر.

"هناك حملة ممنهجة لتشوية منطقة القبائل وولاياتها". هكذا يفتتح الدكتور عبد الهادي خربوش، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، حديثه لرصيف22، ويضيف: "حركة "الماك" الانفصالية ومعها الفصيل العلماني يسعيان لتأليب الجميع ضد منطقة القبائل بإظهارها في صورة معادية للإسلام باختلاق مثل هذه الأحداث، لاستقطاب المزيد من أنصار فكرها الانفصالي".

ليست هذه المرة الأولى التي تطفو على السطح نقاشات مماثلة- والحديث ما زال لخربوش الذي يضيف: "في العامين الماضيين، انتشرت ظاهرة الإفطار الجماعي والعمدي في عز ظهيرة شهر رمضان بمدينتي تيزي وزو وبجاية، وأيضاً حادثة بث أغاني الملاهي الليلية من مئذنة مسجد في تيزي وزو برأس السنة الأمازيغية، قبل أن يتضح في ما بعد أن مصدرها مكبر صوت القاعة التابعة للجنة وليس المسجد. ويختم: "هذه النقاشات التي تثير جدلاً موجهاً داخل المجتمع، الغرض منه تسويق فكرة خاطئة عن منطقة القبائل التي تضم أكثر من 800 مسجد، وظلت لعقود منبعاً لعلماء ومشايخ أجلاء".

تعاملت السلطات الجزائرية ممثلة في رئيس البلدية محمد علوش مع الأزمة بحزم في البداية، مقرره إقالة الإمام، قبل أن يتراجع علوش ويقرر حذف منشوره الذي وضعه عبر صفحته في فيسبوك بعد تلقيه وابلاً من الانتقادات التي تضامنت مع الإمام، معتبرةً أن من واجبه النهي عن المنكر والحفاظ على قدسية الشهر الفضيل.

العبارة مكتوب عليها بالفرنسية: "فصل الإمام من منصبه قرار سيتم اتخاذه".

نائب رئيس بلدية أمشدالة فوزي ميدون دافع عن الحفل ومنظميه: "هذه ليست المرة الأولى التي ينظم فيها مثل هذا الحفل. فمنذ أربعين سنة وأنا أحضر حفلات مشابهة في نفس المكان، وكنا قد أعلنا عنه سابقاً وعن مكان تنظيمه. وهو بدأ بعد الانتهاء من صلاة التراويح بـ45 دقيقة، وأقيم بساحة الشهداء، وليس في باحة المسجد".

ودانت ولاية البويرة والمجلس الشعبي الولائي في بيان مشترك تصرف الإمام تجاه المواطنين، وتدخله في أمور تنظيمية خارجة عن صلاحياته.

الكاتب إسماعيل بوفليح، تحدث إلى رصيف22 عن الأزمة الأخيرة محذراً من الفتنة. قال: "هل يعقل أن من يمثل قدوة في المجتمع أن يصف من في الحفل بالحيوانات؟ كان الأجدر به أن لا ينزلق إلى هذا المستوى لتفادي كل هذه الفوضى، التي تفتعلها رؤوس الفتنة في كل قضية تحدث بمنطقة القبائل من أجل أهداف خبيثة".

الإمام يعتذر 

بعد أن تخطت أصداء الحادثة نطاق بلدية أمشدالة الصغيرة، وفي ضوء تسارع الأحداث وإدانة السلطات العمومية تصرف المسؤول الأول عن مسجد الهداية، أطل الإمام معتذراً من أهل المنطقة، في جلسة صلح بينه وبين أعيان أمشدالة تحت إشراف والي البويرة. وقال الإمام: "أجدني في حرج كبير مما صدر مني، وما قلته من كلمات وعبارات لا تليق بمقامكم، وإنني أسحب كل كلمة نطق بها لساني في حقكم، فقد عشت بينكم في نعمة وعافية وأمن وأمان". 

تنظر فئة معتبرة إلى طبيعة الجدل الدائر حول الحفل، على أنه استهداف لمنطقة القبائل، التي تتمسك بالفن والثقافة مقارنة بالمناطق الأخرى من البلاد

منطقة القبائل: خصوصية ثقافية استثنائية

وسط النقاش المستفيض، تنظر فئة معتبرة إلى طبيعة الجدل الدائر حول الحفل، على أنه استهداف لمنطقة القبائل، التي تتمسك بالفن والثقافة مقارنة بالمناطق الأخرى من البلاد، خاصة أن حفلات مماثلة أقيمت قبل الحادثة وبعدها، في جميع الولايات من دون أن تثير جلبة.

وصرح الناشط الثقافي عزيز حمدي لرصيف22: "الحفل كان عادياً جداً ومن تنظيم السلطات، وهناك برنامج مسطر في جميع الولايات ضمن سهرات ليالي رمضان، لكن رواد وسائل التواصل الاجتماعي انساقوا في حملة تشويه دون معرفة خصوصية المنطقة وبلدية أمشدالة نفسها. فالساحة التي نظم بها الحفل هي القلب النابض للقرية، ومتنفس أهلها الوحيد. ولقد أخذ الأمر بعداً آخر، لأن الرافضين للفكرة يعتبرون أن الفن والثقافة مستوردان من الغرب، ولذلك يتخفون وراء ورقة الدين كدافع قوي يحرك المجتمعات الإسلامية لمحاربة الفنون بجميع أنواعها".

وأضاف حمدي: "الشعوب ترتقي بالفنون، ومنطقة القبائل أكثر منطقة تحتضن الفن في الجزائر، حيث تحتوي مدينتا بجاية وتيزي وزو على 80% من أصل 3000 جمعية ثقافية على المستوى الوطني. لذلك هي تحت المجهر دائماً، وتتعرض للهجوم دون غيرها من المناطق، من جهات تحارب الفن والثقافة وجميع من يناضل من أجلهما".

الصدام الأيديولوجي عدو ينخر من الداخل

الصدام الأيديولوجي الحاصل حالياً لن يخدم الجزائر مستقبلاً، خاصة في سعي البلاد للتخلص من تبعات النظام السابق، وما خلفه من ثمار سلبية تطارد الحريات، في ظل دستور جديد يكرس المزيد من الحقوق الفردية والجماعية.

الصدام الأيديولوجي الحاصل حالياً لن يخدم الجزائر مستقبلاً، خاصة في سعي البلاد للتخلص من تبعات النظام السابق، وما خلفه من ثمار سلبية تطارد الحريات، في ظل دستور جديد يكرس المزيد من الحقوق الفردية والجماعية

يقول رياض هويلي، رئيس نقابة الناشرين، لرصيف22: "حرمة المسجد محفوظة بقوة القانون وبقوة الشريعة والعرف. لكن خارج إطار المسجد يحكم القانون فقط، ويجب التفريق بينهما. الجزائريون أضحوا رهينة للمتطرفين من كلا الطرفين، لذلك نرى أن كل طرف يضرب الآخر دون احترام في غياب القواعد والأطر الضابطة. هذا التصادم لن يخدم الجزائر، لأن الحوار هو أصل تطور الدول برغم الاختلاف".

تمرّ حادثة حفل أمشدالة بالبويرة لتسلط الضوء على ما بات يعرف باختلاق الجدل من العدم، في بلد يملك الجميع حقوقاً وحريات وجب احترامها، بعيداً عن التصادم الأيديولوجي، الذي ينسف جهود الدولة والمجتمع معاً، للحفاظ على أهم المكتسبات، وأهمها الدين والعادات والتقاليد والثقافة والفن، باعتبارها مكونات تتحد بعضها مع بعض لتشكل مجتمعات متماسكة ومتصالحة مع ذاتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard