صناعة هوية سمعية... بين فيروز والراي والأغاني الأمازيغية

السبت 16 أبريل 202210:01 ص

لم يكن سهلاً أن أميّز، أو أن أعرف جيداً أنني أريد الاستماع لهذا النوع الموسيقي دون آخر. كالكثير من الأمور في الحياة، نبدأ استقبال كل شيء كما يُقدم لنا، لنصل بعدها إلى ما نريده أو ما يعجبنا فعلاً، ونستمتع بأنه صار جزءاً من حياتنا. هكذا كان الأمر تماماً بالنسبة للأغاني والموسيقى في حياتي.

كان الأمر يبدو تقسيماً واضحاً لما أستقطبه، أن أفتح جهاز التلفاز لأسمح بدخول الفيديو كليبات عبر قنوات الميلودي ومزيكا وشبيهاتها بداية الألفينات، مع بداية مراهقتي وتشكل ذائقتي الموسيقية أيضاً، أن أفتح الراديو على الإذاعة المحلية، فتأتيني موسيقى المالوف (طابع من الغناء الأندلسي) وهو الطابع السائد في مدينتي قسنطينة، شرق الجزائر، أو أغان جزائرية أخرى من طبوع مختلفة أمازيغية، كالشاوي والقبائلي وحتى الطابع الصحراوي، أو أغاني الراي التي يعود أصلها إلى الغرب الجزائري.

كان الأمر منظماً وأتقبله كما هو على نحو تنظيمه ومنابعه.

حتى متابعتنا كعائلة للقناة الأرضية، يعني أن نسمح للأغاني المحلية أن تدخل البيت، نتفاعل معها وتهتز أجسادنا على نغماتها، وإن لم نكن نفهم كلماتها الأمازيغية، بانتمائنا جغرافياً إلى مدينة تتحدث العربية الدارجة وليس الأمازيغية، ولكنها تظل انتماءً وخروجاً من الوطن الصغير/ المدينة، إلى الوطن الكبير/ البلاد.

لم يكن سهلاً أن أميّز، أو أن أعرف جيداً أنني أريد الاستماع لهذا النوع الموسيقي دون آخر. كالكثير من الأمور في الحياة، نبدأ استقبال كل شيء كما يُقدم لنا، لنصل بعدها إلى ما نريده أو ما يعجبنا فعلاً، ونستمتع بأنه صار جزءاً من حياتنا

لم أشكل بعد أي ميول موسيقية واضحة، لكن الأمر كان على النحو التالي: أنا ذاهبة إلى حفل زفاف، فأنا الآن على نظام الاستماع لساعات لموسيقى جزائرية متنوعة، بين التراث والمودرن، انطلاقاً من المالوف حتى الراي، ومن العاصمي حتى الترقي (نسبةً إلى الطوارق جنوب الجزائر)، أو أنا الآن في المنزل وفي يوم عادي، فسأشغل التلفاز على قنوات الفيديو كليبات التي تعرض آخر ما تم إنتاجه.

هكذا اعتمدت تقسيماً واضحاً حسب المكان ومنبع الأغاني ذاتها.

الإنترنت ومتعة البحث عن موسيقى جديدة

بدخول الإنترنت إلى البيت صار الأمر اختيارياً، المشاهدات والاستماع، وفي هذا الوقت تحديداً، كنت أفتح كل أغاني وردة، فيروز، أم كلثوم، وأبحث في الريبيرتوار المشرقي حتى آخره، أكتشف أغنيات ومطربين، حفلات وموسيقى جديدة كلياً على أذني، كل ذلك كان من خلال تطبيق الساوند كلاود الذي يضم أرشيفاً عظيماً للموسيقى بأنواعها. يتخلله الاستماع إلى بعض الأغاني الأندلسية، التي تأتي اختيارياً أحياناً، وأحياناً أخرى تكون بتأثير ما أسمعه وأنا في تاكسي، أو في عبور شارع أو التواجد في محل أو مطعم ما.

هنا تحديداً لم يظهر تأثري بأغاني الراي، الأغاني الأكثر رواجاً بين الشباب، والأكثر استماعاً من هذا الجيل، منذ الشاب خالد ومامي، ووصولها إلى العالمية، بهذا اللون الغنائي الذي تم تطويعه ليناسب السرعة والخفة التي يتجه إليها العالم.

لم يعد غريباً أن نرى فتاة تلبس "كاراكو" أو "قندورة" ترقص على أنغام أغنية لنانسي عجرم مثلاً

في الحقيقة لم يكن التساؤل كبيراً، لماذا أختار هذا عن ذاك. كان الأمر محض متعة ولم يكن أمراً هوياتياً، فأنا أنتمي جغرافياً لهذه الثقافة المتنوعة موسيقياً ولغوياً، ولا يمنع من تبني ثقافات أخرى. وربما اتضح السؤال داخلياً مرة أخرى بعد الانغماس في ثقافات موسيقية عديدة، لبنانية، سورية، مصرية، وحتى فلسطينية وأردنية، لكنني أعود الآن مرة أخرى للبحث في الريبرتوار الجزائري، أفتحه مرة أخرى بمنتهى الدهشة، كأنني لم أنتم يوماً له، أتعرف على أغاني من الحوزي العاصمي، أغاني الراي القديمة، منها المعروفة أو حتى الممنوعة، كالشيخة ريميتي، إلى جانب الشاب خالد ورصيده الذي لا ينتهي، الشاب مامي وفضيل ورشيد طه، الزهوانية، وأغان أمازيغية كثيراً ما ألجأ إلى أصدقاء أمازيغ لشرح مفرداتها، كما حدث معي مؤخراً في إعادة اكتشاف ريبرتوار الفنانة حورية عايشي.

 لقد وجدت الأغاني الفرنسية وبعض من الإنجليزية طريقها إلي أيضاً منذ المراهقة، اكتساباً من زملاء الدراسة، مع ظهور برامج الواقع النسخة الفرنسية التي كان يتابعها جيلنا، بالاضافة إلى أغاني شهيرة أخرى، كداليدا وسيلين ديون.

انتقال الأغاني من المغرب العربي إلى المشرق أكثر خفةً مما توقعت

مع انتشار DJ في الأعراس والمناسبات أيضاً، انفتح الجزائري على الموسيقى المشرقية أكثر، وهنا لا أقصد الطرب، ولكن المغنين المعاصرين، وصار من الدارج والطبيعي أن تتواجد فقرة خاصة بأغاني مشرقية خفيفة، تماماً كالتي تعرض على الفضائيات، ولم يعد الأمر مقتصراً على الموسيقى المحلية وطريقة التفاعل معها، ذلك ربما الأكثر تناسباً حتى مع الأزياء التقليدية التي يتم ارتداؤها خلال هذه المناسبات، ولم يعد غريباً أن نرى فتاة تلبس "كاراكو" أو "قندورة" ترقص على أنغام أغنية لنانسي عجرم مثلاً، ربما ليس بذات الدهشة التي استقبلنا فيها فيديو كليب الفنانة الجزائرية أمل وهبي، التي ظهرت مطلع الألفينات واختفت بعدها، حيث كانت تؤدي أغنية باللهجة المصرية بينما ترتدي جبة "القطيفة"، وهو اللباس التقليدي الخاص بمدينة قسنطينة، إلى جانبها رجل يرتدي جلابية وغطاء رأس على الطريقة المصرية وسط الصحراء.

لوقت طويل اعتقدت أن الموسيقى المغاربية عامة بعيدة عن المستمع المشرقي، لا تجد طريقاً سهلاً نحوه، ربما بسبب اللهجة غير المنفتح عليها ثقافياً

ولم يكن وقتها الانفتاح الثقافي يسمح بتقبل هذا التزاوج بين المشرق العربي ومغربه، مشهد يأخذني إلى أغنية يبثها التلفزيون الأرضي الجزائري في تسعينيات القرن الماضي، للفنانة حورية عايشي، تقدم أغنيةً من التراث الشاوي (يا الصالح) على وقع القصبة والبندير، بينما ترتدي سترة وتنورة قصيرة ، يبدو فيها تزاوج حضارتين.

لوقت طويل اعتقدت أن الموسيقى المغاربية عامة بعيدة عن المستمع المشرقي، لا تجد طريقاً سهلاً نحوه، ربما بسبب اللهجة غير المنفتح عليها ثقافياً، ليس ثمة تبادل سينمائي ودرامي، على عكس ما يأتي من المشرق نحو المغرب، جعل اللهجة معروفة ومألوفة. وعلى عكس اعتقادي وتوقعاتي، تخبرني صديقة مصرية على فيسبوك أنها مولعة بأغاني الراي منذ المراهقة، من اللحظة التي عرفت فيها مفردة "الجزائر" من خلال اسم "وردة الجزائرية"، لتجد ضالتها عند بائع في كشك صغير قريب من بيتهم، زودها بأغاني مختلفة للشيخة ريميتي، مع شرح لمفرداتها وتعابيرها، بالإضافة لمغني راي آخرين، وتحول الأمر إلى فهم واستيعاب أغاني الراي وموسيقاها مع حالتها أيضاً، وحتى الغناء الأندلسي الذي اكتشفته مع بهجة رحال.

ليست صديقتي وحدها من تشارك أغاني الراي التي تسمعها، فكثيراً ما أنتبه إلى مشاركتها من آخرين، كاسرين كل توقعاتي، والتبادل أحادي الاتجاه الذي ترسخ طويلاً بجعبتي، لكن يبدو أن فعلاً الموسيقى تتنقل بخفة وسرعة كما حدث معي، لأستقبلها بلهجات، لغات وطوابع كثيرة، اعتقدت طويلاً أنها مرتبطة بأماكن ومنابع محددة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard