"فيروز حقيبة سفري المثقلة بالذكريات"... عن مشاعر سوريين عالقين في ماضٍ لا يمضي

الجمعة 15 أبريل 202205:47 م

"عندما وصلت إلى لبنان للمرة الأولى، كان في بالي شيء واحدٌ فقط، هو كيف يتعامل النّاس مع فيروز هنا؟ كنت أتخيل أنّ صورتها هي التي ستسقبلني على الحدود، وأنّني سأستمع إلى أغنياتها في كل شارع أمشي فيه. كنت دائماً أقول لنفسي: إذا كنّا نحن السّوريين متعلقين إلى هذا الحد بفيروز، وتشاركنا يوميّاتنا كلّها وجلسات مقاهينا وصباحات قهوتنا، فكيف سيكون الحال في لبنان؟".

يخبرني صديقي وهو يحدّثني عن سوريا، الحرب والثورة والتهجير، بأنّه تفاجأ عندما لم يجد ما يعدّه على حدّ قوله اهتماماً كافياً بفيروز في لبنان: "فيروز لبنانية، ولم أجد هنا نصف الاهتمام الذي تلقاه في سوريا". ولفيروز مع سوريا والسّوريين حكايات وأحاديث وذكريات، إذ قلّما تجد سورياً لم تشكّل فيروز جزءاً محورياً من ذاكرته، الجميل فيها والمؤلم، فما هو سرّ ارتباط السوريين بفيروز؟ وبماذا تختلف علاقتهم معها عن علاقتنا نحن في لبنان معها؟ وهل تغيرت النظرة أو العلاقة مع فيروز بعد سنوات الحرب التي غيّرت كلّ شيء؟

في جلسة مع صديقة سورية في بيروت، أخبرتني بأنّ مشيتها في حارات الشام القديمة تحت المطر وصوت فيروز يخرج من المقاهي كلّها، هي أكثر ما تشتاق وتحنّ إليه في سوريا: "يشعرك المشهد بأنّ الصوت يخرج من الشبابيك، والجدران القديمة، والمطر يغمرك. لا شيء يضاهي تلك اللحظة. أستعد لأن أنذر عمري من أجل استعادتها". هل يمكن لنا أن نستعيد اللحظات التي تمضي في حياتنا؟ أفكّر في كلام صديقتي، وأرى نفسي أعود في أدراج ذاكرتي لأعيد اكتشاف علاقتي مع فيروز ورسمها.

الطريق إلى الضيعة

لفيروز مع سوريا والسّوريين حكايات وأحاديث وذكريات، إذ قلّما تجد سورياً لم تشكّل فيروز جزءاً محورياً من ذاكرته، الجميل فيها والمؤلم

في الطريق إلى الضيعة، تحضر فيروز معنا. لم أكن في طفولتي أستسيغ سماعها. كنت أفضّل الأغاني العصرية، وأنفصل إلى أغنياتي غبر مسجلتي الخاصّة، وأترك لأبي وأمي التّفرد بأغاني فيروز، أو غيرها من الأغاني القديمة. الطريق طويل والسيارة ملأى، وصوت فيروز يدخل رغماً عني بالرغم من محاولتي منعه. الآن، حين أتذكّره، أشعر به يؤنسني، وأشعر به قادماً من طفولة حلوة، خالية من شوائب الحياة حيث الرّوح بريئة تنظر إلى كلّ شيء بشغف الاكتشاف.

ما الذي يربطنا بفيروز، ولم هذا السر في أخذنا دوماً إلى الماضي؟ فيروز تأخذنا دائماً إلى الأشياء الجميلة التي ذهبت ولن تعود. أعترف بأنني لم أكن أحبّها، بل كانت دوماً تتقاطع في طريقي وفي كل مراحل حياتي، كأنّ لا مفرّ منها ولا ملاذ، وحين أسمعها اليوم تستثيرني الذكريات، والذكريات دوماً حين نراها بعين الماضي لها لذة وجمال مختلفان، فهي الدائمة في تفاصيلنا وذكرياتنا، والحاضرة في كل القصص التي نعيشها.

فيروز الطريق إلى المدرسة، ورفيقة الباص الدائمة، كأنّ صوتها صلاةٌ صباحيّة وترنيمة يومية وافتتاح ليوم جديد، يومَ لم نكن نحمل همًّا. وهي الموعد الأسبوعي الذي كرّسته لنا معلمة اللغة الفرنسية كي تؤنسنا بصوتها كروتين مقدّس.

علاقتي مع فيروز علاقة متشابكة الأضلاع، فهي تثير في نفسي الكثير من الذكريات الجميلة، لكنها لا تستهويني في حدّ ذاتها، وليست المفضّلة لديّ. هي تمثّل أشياء جميلةً في حياتنا، أذكرها في صباحات الأعياد، وأمّي تصنع معمول العيد والكعك على صوت فيروز، وخلال زياراتنا للأهل والأقارب، واجتماعات العائلة التي لن تعود كما كانت، بعد أن تفرّقت وصارت لكلّ فرد حياته.

فيروز هي أيّام الآحاد حين اجتماع العائلة المعتاد، وصوتها يترقرق من الشرفة، بل من كل الشرفات. تشعر وكأنّ فيروز وُجدت للشرفات، وللصباحات التي نتشارك فيها طقوسنا المعتادة في العطل، ليصبح صوتها كطقس مقدس يحضر في كل اجتماع لنا. أستحضر هذه الذكريات اليوم بعين الحنين، فالذكرى دائماً جميلة حين نرنو إليها في محاولة منّا لاستحضار ماضٍ ندرك أنّه لن يعود.

الحنين إلى الماضي

تسترجع ليلى الحاج (37 عاماً)، ذكرياتها وهي تحكي عن فيروز التي غادرتها في دمشق إلى الإمارات قبل عشر سنوات: "فيروز هي كل شيء جميل في مرحلة ما قبل الحرب. هي الذاكرة التي نعيش عليها، وهي طفولتنا وأيّامنا الحلوة. عدت إلى دمشق بعد تسع سنوات من الغياب، فكانت أغنية "احكيلي احكيلي عن بلدي احكيلي" هي الماثلة أمامي في كل شيء؛ في الوجوه، وفي الطّرقات، وصرت أستمع إلى مقاطع أغنياتها وأنا أستدعي الحنين إلى كلّ شيء كان هنا، ولم يعد كما كان".

فيروز هي أيّام الآحاد حين اجتماع العائلة المعتاد، وصوتها يترقرق من الشرفة، بل من كل الشرفات. تشعر وكأنّ فيروز وُجدت للشرفات

تُضيف: "فيروز صباحاتنا الدّمشقية في الحارات القديمة، أردّد محرّفةً أغنيتها الشّهيرة "شوارع القدس" فتصبح الأغنية على لساني: ومشيت بالشّوارع، شوارع الشّام القديمة"، فتصبح القيمريّة والشّاغور وغيرهما من الحارات التي يصدح من أزّقتها صوت فيروز كيفما ولّيت وجهك. يمكنني أن أطلق على هذه الحواري اسم الحواري الفيروزية، إذ في كلّ منها مقهى يحمل اسم أغنية أو جملة قالتها فيروز".

تعتقد ليلي أن فيروز تجمع السوريين على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم وانتماءاتهم، لأنها تُمثّل سوريا التي يُحبون. تقول: "حين غادرت دمشق قبل عشر سنوات، شعرت بأنّي سأترك فيروز هناك، لكنني بعد ذلك اكتشفت أنّ فيروز ملتصقة بنا، كحقيبة السّفر التي نحملها معنا أينما رحلنا، الحقيبة المثقلة بالذكريات والأغاني والحنين، لا يفهم أصدقائي هنا في بلادي الجديدة سرّ هذا التّعلّق، لكنهم باتوا يعرفون أنّ لنا نحن السوريين، طقوساً فيروزيّةً يوميّةً، وحدها تعيدنا إلى دمشقنا".

"فيروز تلتصق بنا منذ طفولتنا"، يقول نور دكرلي (36 عاماً): "هي كامنة في لا وعينا قبل أن نعي من هي فيروز. فهي ترافقك منذ استيقاظك، في البيت، وفي الحارة، وفي الدكاكين، وفي التاكسي، وفي العمل، وكأنّ وجود فيروز مترافق مع هذه الأشياء منذ الأزل. وعندما نكبر تصبح فيروز خياراً، ولا تعود كما كانت في الطفولة كامنةً في خلفية المشهد، وتتصدّره بعد أن تجد نفسك تشغل أغانيها وترددها في التاكسي، وفي الباص، فتصبح ضرورةً من ضرورات يومك لا تستغني عنها".

بالنسبة إلى نور، "سماع فيروز في لبنان أضاف لمسةً جماليةً جديدةً لم أكتشفها في سوريا، فهي بنت هذا البلد. شعرت بأني أستكشف معنى آخر لفيروز في أغانيها عن لبنان وبيروت مثلاً، لكنني اليوم أتجنب سماعها، لأنّها تسبب لي الألم، فهي تعيدني إلى ذكرياتي مع العائلة التي تشرد كل فرد منها في بلد. كما أنها تعيدني إلى الجامعة التي لم أتمّ دراستي فيها، وإلى مقهى الجامعة ولقاءات الصباح. تعيدني إلى سوريا التي أشتاق إليها، والتي هي الأخرى ذهبت إلى غير رجعة".

من لا يحبها؟

وفي الوقت الذي تغيّرت فيه علاقة نور مع فيروز، فإنّ للشّابة الحلبيّة بيان كعبور (28 عاماً)، مشاعر مختلفةً لم تتغيّر بعد كلّ سنوات الحرب: "علاقتي مع فيروز علاقة طقس يومي، لم تتغيّر بعد الحرب، ربما بسبب عدم تأثيرها بشكل مباشر عليّ، فلم أفقد أحداً في الحرب، ولم أتغرب أو أتهجر ولم أفقد منزلاً، فما زالت فيروز بالنسبة إلي هي فيروز بالرغم من كل سنوات الحرب التي لم أشعر يوماً بأنها لبنانية، ففيروز لنا كلنا، أتعامل معها كمطربة للجميع، أي لجميع العرب".

سماع فيروز في لبنان أضاف لمسةً جماليةً لم أكتشفها في سوريا. شعرت بأني أستكشف معنى آخر لفيروز في أغانيها عن لبنان وبيروت، لكنني اليوم أتجنب سماعها لأنّها تعيدني إلى ذكرياتي مع العائلة التي تشرد كل فرد منها

في المسلسل السوري "غداً نلتقي"، يسأل عبد المنعم عمايري، كاريس بشّار، عن فيروز في معرض سؤاله عن موسيقاها المفضلة، فيتفاجأ حين تخبره بأنّها لا تحبّها مطلقاً، فيعود ليسألها بتلقائية: "في حدا ما ببحب فيروز؟"، فتجيبه بأنّها تذكّرها بالمدرسة والصباحات الباردة والاستيقاظ باكراً وضغط الواجبات المدرسية.

هي نفسها، كاريس، التي نراها لاحقاً تضع على هاتفها كرنّة اتصال أغنية "احكيلي احكيلي عن بلدي احكيلي"، وكأن صنّاع المسلسل أرادوا القول إنه حتى إن كنت لا تحبّها، ففيروز دوماً حاضرة في معاناتك، وفي أشواقك إلى بلدك، وفي استحضار ذكرياتك.

يشبه أوس أجهر، الذي يبلغ 28 عاماً، شخصية كاريس في هذا المسلسل، إذ يرى نفسه متمايزاً عن مختلف السوريين بعدم تعلقه بفيروز. "أنا أرى نفسي بعكس السوريين، فقد ربيت على أم كلثوم، في بيت أهلي. لا أحب فيروز، فكلمات أغانيها عادية بالنسبة إليّ. هي تمثل المدرسة صباحاً، وتذكّرني بشعبة التجنيد، التي هي كابوس لكل شاب سوري. ففي كل زيارة إلى شعبة التجنيد، وفي أثناء وقوفي في الدور وتلقّيّ معاملةً سيئةً كالغنم حرفياً، يحضر صوت فيروز في خلفية المشهد في المركز، كما أنّ الحواجز التي يُذلّ عليها السوريون تشغّل أغاني فيروز طوال الوقت".

نحن كائنات عاطفية، وعلاقتنا مع الأشياء والأصوات والأماكن ترتبط بما تحمله من عاطفة، والموقف الأول الذي نأخذه من أيّ أمر هو موقف تمليه العاطفة

ماذا لو كانت شعبة التجنيد تشغّل أغاني أم كلثوم مثلاً، بدلاً من أغاني فيروز، هل كان وقعها عليك سيكون بما يشعرك إياه اليوم سماع فيروز؟ يجيب: "بالتّأكيد، فنحن كائنات عاطفية، وعلاقتنا مع الأشياء والأصوات والأماكن ترتبط بما تحمله من عاطفة، والموقف الأول الذي نأخذه من أيّ أمر هو موقف تمليه العاطفة، ثم يأتي العقل للتأكيد عليه".

العلاقة الشائكة

يتحدّث سامي الكيال (37 عاماً)، عن علاقته بفيروز بين الأمس واليوم، فهو لا يراها خارج إطار السلطة في سوريا، "سلطة القمع والإجرام، بالنسبة إلي صوت فيروز مرتبط بالسلطة وبكل ما له علاقة بها، فهي دائماً موجودة في الثكنات العسكرية، وفي مراكز النظام المدنية والعسكرية، وحتى في السجون. هي من مستلزمات السلطة، ومشروع كان دائماً مرتبطاً بالنظام السوري. لا أُريد أن أختصر فيروز بهذه الصورة، ولكنها بالنسبة إلي مرتبطة بكل هذه الأشياء، وأجد صعوبةً في فصلها عن هذا الواقع عند سماعها".

حين نفسر علاقتنا مع فيروز نجد أنّها علاقة إشكاليّة، فحتى عدم حبها أو حب أغانيها لا يجعلانك تبتعد عنها، فهي تحضر في حياتك ويومياتك وماضيك، ولا ينحصر وجودها في ذكرى معيّنة أو حدث منفرد بذاته، بل يمكن لأغنية واحدة أن تعيدك إلى أكثر من مكان في الوقت نفسه، أو أكثر من ذكرى.

حين نفسر علاقتنا مع فيروز نجد أنّها علاقة إشكاليّة، فحتى عدم حبها أو حب أغانيها لا يجعلانك تبتعد عنها، فهي تحضر في حياتك ويومياتك وماضيك

شكّلت فيروز حجر الأساس في الذاكرة السورية واللبنانية، في عودتها إلى الماضي، فلعبت دورها في توثيق الأيّام الماضية، التي بات الرجوع إليها لا يتمّ سوى مع أغانيها، على اختلاف الكيفية والرؤية، فلا يمكن أن تكون سورياً وتسمع فيروز اليوم من دون أن تعود بك إلى أشياء وأشياء، إلى الحواري القديمة، وإلى المقاهي، وإلى جلسات الأهل والأصدقاء، وحتى إلى تلك المشاهد التي سببت الإزعاج، كالصباحات في الجيش في أثناء خدمة العلم، وأيضاً إلى الثورة، حيث كان لأغنياتها نصيب كبير في تحفيز السوريين أو حتى في سلواهم وتعزيتهم على أمل العودة على لحن أغنية "راجعين يا هوى".

في لبنان، باتت فيروز تمثّل أيضاً لجيلنا العودة إلى أيام رحلت بلا رجعة، إلى الزمن الذي بتنا نراه بعيداً جداً في الماضي، زمن ما قبل الانهيار.

علاقتي الشخصية مع فيروز كانت شائكةً دوماً. لطالما كرهت ما تحمله من ملائكية وطهر ومثالية. كرهت المثالية في شخصيتها وأغانيها، لكنني انجذبت إلى الشجن، ولم أخرج من دائرة ذكرياتي، تلك التي أعرف أنها لن تعود، فكانت فيروز هي الصورة الأوضح للذكرى، والأكثر تجلّياً لقصص الحب، والأشد تبسيطاً للحياة بكل تجلياتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard