مسلسل "فتح الأندلس"... رؤية تاريخية وفنية تصل إلى البرلمان والمحاكم المغربية

الجمعة 15 أبريل 202203:16 م

يُشاع عن الروائي والسيميائي الإيطالي، أومبيرتو إيكو، أنه ذهب إلى أن صانع الفيلم لا يعدو في نظره أن يكون مؤرخاً، لكنه يحتل مرتبةً أعلى من كاتب التاريخ؛ لأنه يخلق التاريخ مرةً أخرى.

لكن إذا كان صانع الدراما غير مطالب بالخضوع كلياً لحقائق التاريخ، فهو مطالب على الأقل بعدم مناقضتها أو تجاهلها؛ ما يعني أن العمل الفني لا يشكل مبرراً لتزييف الأحداث التاريخية.

في المغرب، أُثير جدل واسع حول المسلسل التاريخي "فتح الأندلس"، عقب بدء عرضه مباشرةً على القناة العمومية المغربية "الأولى"، مع بداية شهر رمضان، إذ اتُّهم بكونه "تحريفاً" لتاريخ المملكة.

تحكي أحداث مسلسل فتح الأندلس، الذي أخرجه الكويتي محمد العنزي، تفاصيل "فتح الأندلس" الذي قاده طارق بن زياد من شمال إفريقيا، وتحديداً من مدينة طنجة، للوصول إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.

أسئلة في البرلمان ودعوى في المحكمة

قبل أن تنتهي حلقات هذا العمل الدرامي الـ33، وصلت أصداء الجدل إلى قاعة البرلمان المغربي، حيث وجه الفريق الاشتراكي في مجلس النواب (الغرفة الأولى)، سؤالاً كتابياً إلى وزير الشباب والثقافة محمد بنسعيد، في شأن هذا المسلسل.

جاء في سؤال الفريق المحسوب على المعارضة، أن "المسلسل المذكور اقتنته القناة المغربية من المال العام، لكنه لا يولي أهميةً للتراث المغربي وللحقيقة التاريخية للبطل، ولم يشارك فيه سوى ممثل مغربي واحد، ولا يعطي تفاصيل عن شخصية طارق بن زياد الأمازيغي".

كما أشار الفريق الاشتراكي، إلى أن "المسلسل، الذي أُنتج خارج المغرب من دون مشاركة المغاربة في التأليف، ومن دون استشارة المؤرخين لتدقيق المعطيات، مليء بالمغالطات المعرفية، ويحمل في الكثير من حلقاته تزويراً لكل ما تتفق عليه المصادر التاريخية الموثوقة".

لهذه الأسباب دون غيرها، تقدّم مواطن مغربي برفع دعوى عاجلة لدى المحكمة الابتدائية في العاصمة الرباط، لكي توقف القناة الأولى المغربية بث بقية حلقات المسلسل التاريخي.

"فتح الأندلس، الذي أُنتج خارج المغرب من دون مشاركة المغاربة في التأليف، ومن دون استشارة المؤرخين لتدقيق المعطيات، مليء بالمغالطات المعرفية"، حسب البعض

في تعليله لذلك، قال صاحب الدعوى، إن المسلسل "يتضمن مغالطات تاريخيةً، من شأن الاستمرار في نشرها وبثها التشويش على القناعات الوجدانية المكوَّنة لدى المواطنين تجاه تاريخهم وهويتهم وجغرافيا بلدهم".

"كان لا بد أن يثير جدلاً ونقاشاً"

شارك في تأليف العمل، الذي وُصف بالضخم، ستة كتّاب هم: مدين الرشيدي من الكويت، وصالح السلتي، وإبراهيم كوكي، ومحمد اليساري من سوريا، والمصريان أبو المكارم محمد، وصابر محمد". وهذا أدى بحسب كثيرين يقدم رواية تناقض التاريخ المكتوب والاعتماد على أساطير تاريخية.

رقعة الجدل تتسع يوماً بعد آخر في الساحة المغربية، وخصوصاً على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، ويرى نقاد الدراما والسينما في المملكة، أن هذا الأمر كان دائماً موجوداً.

لكن "يبقى أن نفهم مصدر هذا الجدل: هل مصدره ناقد فني؟ أم جهة لا ترى نفسها في هذا العمل، أو تعتقد أنها متضررة منه؟"، يتساءل الرئيس السابق للجمعية المغربية لنقاد السينما، خليل الدامون.

من جانبه، يعتقد الكاتب والناقد، خالد الخضري، أنه "ليس هناك أي إبداع معصوم من النقاش والنقد، إذ يستدعي أي إنتاج درامي الجدل مهما صغر شأنه أو كبر، لا سيما مسلسل فتح الأندلس نظراً لاعتبارات تاريخية ودينية".

بعد الجدل الذي أثاره مسلسل "فتح الأندلس"، يبقى أن نفهم مصدره: هل مصدره ناقد فني؟ أم جهة لا ترى نفسها في هذا العمل، أو تعتقد أنها متضررة منه؟

لهذا "تم الاهتمام به وخلق نقاشات مكثفة حوله، لأنه منتَج غير مغربي، لكنه يتناول حقبةً مهمةً من تاريخ المغرب، كما أنه يوظف شخصية طارق بن زياد بكل حمولتها الرمزية وأبعادها الثقافية التي من المُفترض أن تعكس الهوية المغربية ودور المغاربة في المساهمة في صنع تاريخ المنطقة المغاربية"، يقول المخرج والناقد السينمائي، عبد الإله الجواهري.

في حديثه إلى رصيف22، رأى الجواهري، أنه كان لا بد أن يكون نقاش حول مسلسل فتح الأندلس، وحول رسائله، "وهي رسائل خيّبت انتظار الجمهور المغربي لمتابعة عمل ينصف المغرب، وقبل ذلك ينصف التاريخ، ولا يلجأ إلى التلفيق وتعويم الأحداث من دون وعي تاريخي حقيقي".

لذلك يرى أن "المسلسل التاريخي يجب أن يلتزم بالتاريخ، إذ ليس من حق السيناريست والمخرج أن يزوّرا الحقائق أو يضيفا أشياء غير موجودة، أو يمرّرا خطاباً متستراً ضمن عملهما الدرامي".

حقائق تاريخية وأخرى بديلة

في تصريحه لرصيف22، أضاف الخضري: "التخييل التاريخي في العمل الدرامي، يجب ألا يضرّ بالحقائق التاريخية، ولا بالشخصيات التاريخية، ولا أن يتعالى على جهة ما".

ما يعني أنه "على كل كاتب، خصوصاً كاتب السيناريو، ومعه المخرج الذي سيشتغل على هذه الحقائق، أن يجتهد في إعادة تفسير ما استُقرّ على أنها حقائق من دون خلق حقائق بديلة، لأن هذه مهمة المؤرخ الذي لديه أدوات عمل مختلفة"، يفسر الجواهري.

ويبرز أن "عملية التوفيق بين كل ما هو تاريخي مسلّم بحقيقته، والمتخيل القائم على تصور خاص، عملية صعبة وتتطلب جهداً مضاعفاً"، مضيفاً أن "الحقائق التاريخية يمكن التصرف فيها وفق رؤية فكرية وفنية عالمة محددة، لكن من دون مسخها أو تشويهها".

نتابع مسلسلاً ينتصر للفانتازيا التاريخية، أكثر من انتصاره للتاريخ، ما دام صنّاع هذا المسلسل قد قدّموه على أنه عمل تاريخي

لهذا يكون "الاقتراب من التاريخ وتوظيف أحداثه في مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي، عمليةً محفوفةً بالكثير من المخاطر، لأن التاريخ حقائق ووقائع معروفة، وإن اختلف حول فصولها المؤرخون"، يشدد الجواهري.

غير أن الدامون، يرى أن مسلسل فتح الأندلس، "قراءة معيّنة للتاريخ، والمخرج له الحق في ذلك. وعندما يقول معارضو المسلسل، إن المخرج غيّر الوقائع التاريخية، فذلك غير صحيح لأن التاريخ نفسه يمرّ عبر قراءات متعددة".

في اتصاله برصيف22، سجّل المصدر نفسه، أن "المسلسل من الأعمال التي تُصنَّف ضمن الأعمال الخيالية، بمعنى أنه ليس عملاً وثائقياً ينقل حرفياً ما وقع في فترة تاريخية معيّنة".

انتصار للفانتازيا التاريخية

بعيداً عن سؤال التاريخ وحقائقه، تنبثق أسئلة حول الجمال والفن والأبعاد التقنية في المسلسل، فقد لفت خالد الخضري، إلى "ملاحظات شكلية حول المسلسل، ومنها أسئلة حول استثناء المغاربة من تأليف العمل الدرامي".

هذه الأسئلة، "قد توجهنا في تحليل الإنتاج الدرامي ونقده بعد انتهائه، لأنه ما يزال اليوم في حلقاته العشر الأولى"، يردف الخضري.

من جهته، يؤكد خليل الدامون، أنه "من الناحية الفنية، المسلسل ضعيف من حيث كتابة السيناريو، ومن حيث الأداء، ومن حيث البناء الفني على المستويات كافة"، مشيراً إلى أنه "إنتاج مشرقي يرى الأشياء كما عرضها".

في هذا السياق، ذكر عبد الإله الجواهري، أن "الإمكانات التي رُصدت للمسلسل كان من الممكن أن تصنع لنا مسلسلاً محترماً، لكن التهافت على تقديم عمل همّه الأساس تكريس نظرة مشرقية إلى تاريخنا، نظرة فيها الكثير من الخلط والتعسف في القراءة وتمجيد تاريخ على تاريخ، جعله يفقد روحه التاريخية، وقبل ذلك مصداقيته الفنية والتقنية".

يتجلى ذلك أساساً "في اختيار ملابس المرحلة، مع انعدام أدنى اجتهاد في البحث عن الديكورات والأكسسوارات، ما جعلنا نتابع مسلسلاً ينتصر للفانتازيا التاريخية، أكثر من انتصاره للتاريخ، ما دام صنّاع هذا المسلسل قد قدّموه على أنه عمل تاريخي"، يوضح المتحدث ذاته.

وبذلك يستخلص الجواهري، أنه "في لحظة التفكير وخلال إنجاز المسلسل، لم يكن لأصحابه وعي حقيقي بمعنى التاريخ، ومعنى الحقائق التاريخية، وكيفية توظيفها فنياً وتقنياً".    

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard