تعليمات أمنيّة أم استعراض دينيّ؟... مطاعم مصريّة تمنع تقديم الطعام في نهار رمضان

الخميس 14 أبريل 202205:10 م

"أنت صائم وتنتظر الأذان، لكني لست صائمة، وأمامي الطعام وفي مطعم، لماذا لا آكل؟". بهذا التساؤل واجهت المصرية سيلفيا بطرس أحد عمال مطعم "كشري التحرير" الذي منعها وابنتها من تناول الطعام قبل أذان المغرب.

لجأت سيلفيا إلى موقع فيسبوك لبث شكواها، وسرعان من انتشر "البوست" مثيراً عاصفة من الغضب ضد سلسلة المطاعم الشهيرة.

وفي بيان، رد المطعم بأن صالة الطعام كانت مغلقة في هذا الوقت، وأن طلب سليفيا وزوجها وابنتها هو طلب "تيك أواي" غير مسموح بدخوله صالة الطعام، وأنه "في حالة قيام أي فرد بمنع الطفلة من تناول الطعام، فهو خطأ فردي سيُحاسب المسؤول عنه".

وكذّبت سيلفيا كل ما جاء في بيان المطعم، مشيرةً إلى أن إدارته اتصلت بها لتعتذر، فطلبت هي من الإدارة اعتذاراً رسمياً ينشر على صفحة المطعم، إلا أنها فوجئت ببيان "أغلبه كذب".


واقعة أسرة سيلفيا ليست فريدة من نوعها، فمع بداية شهر رمضان يعاني المسلمون المفطرون وغير المسلمين من أزمة الحصول على الطعام الجاهز من المطاعم، خاصة خارج الأحياء المعروفة بثراء السكان، إذ ترفض غالبية المطاعم تقديم الطعام أثناء نهار رمضان، عدا سلاسل مطاعم الوجبات السريعة العالمية.

"التجريس" وسيلة

لم يجد عصام عبد القادر وسيلة لتنبيه العامل في مطعم الأسماك الذي يشتري منه في حي بولاق إلى ضرورة الإسراع في إعداد طلبه، سوى بتنبيهه إلى أن الطلب للغداء وليس الإفطار، إلا أنه حرص على أن يقوم بذلك بصوت منخفض، حتى لا يسمع الذين حوله من أصحاب طلبات الإفطار. لكن العامل كان له رأي مختلف، فقال وسط الحضور لزملائه "طلب أستاذ عصام للغدا مش فطار"، وحرص على أن يكون صوته أعلى ما يمكن.

"في هذه اللحظة شعرت بكراهية من كل من حولي، وشعرت بأنه أراد معاقبتي على الإفطار بأن يقوم بـ'تجريسي'، خاصة مع نظرته الوقحة والابتسامة المستهزئة التي ظهرت على شفتيه"

يقول عصام: "في هذه اللحظة شعرت بكراهية من كل من حولي، وشعرت بأنه أراد معاقبتي على الإفطار بأن يقوم بـ'تجريسي'، خاصة مع نظرته الوقحة والابتسامة المستهزئة التي ظهرت على شفتيه".

ويضيف: "لا أصوم لأسباب عقائدية، وأعتقد أني حر في ذلك، ورغم أنني لا أجاهر بالإفطار، لا آكل سوى في منزلي. فقد غيّرت مواعيد عملي إلى ما بعد الإفطار في رمضان. حتى شراء الطعام في نهار رمضان يمثل أزمة".

ويكمل عصام: "عقب هذا الموقف، جربت أن أطلب من المطاعم القريبة عبر خدمة التوصيل للمنازل، إلا أنني فوجئت بأنها مغلقة، أو لا توصل الطعام إلى المنازل في نهار رمضان".

يا فاطر رمضان

في الوجدان الشعبي المصري، يعدّ فعل الإفطار في نهار رمضان مكروهاً، إذ يضم التراث أغنية هجائية يرددها الأطفال للمفطرين تقول كلماتها: "يا فاطر رمضان يا خاسر دينك... القطة السوداء هتاكل مصارينك (إمعاؤك)"، بينما تدعم الأعمال الفنية التي أنتجتها الدولة أو تنشرها عبر هيئة البث الرسمية ذلك التوجه في عدم احترام الحريات الفردية، والتشهير بالمفطرين والتضييق عليهم. ظهر ذلك في أغنية "اصحي يا نايم" من إنتاج الستينيات.

في مسلسل "رمضان كريم" من إنتاج عام 2017، ضم أحد المشاهد تأكيد الممثلة التي تقوم بدور سيدة مسيحية على أنها لا تأكل أو تشرب في نهار رمضان أمام الناس وسط استحسان جاراتها.


على المريض حرج

برغم أن الإسلام أعطى المرضى رخصة الإفطار في نهار رمضان، وهي الرخصة التي تسري على شيماء عجاج، مريضة السكري من النوع الأول، فإن هذه الرخصة لا تعطيها مبرراً للحصول على الطعام في نهار رمضان من أي مطعم.

مريضة سكري: "الوجبات المتاحة لي في نهار رمضان هي من مطاعم كنتاكي أو ماكدونالدز، وهي وجبات سريعة أحتاج معها لجرعات أكبر من الأنسولين، وتتسبب في ارتفاع سكر الدم ومعاناتي من مضاعفات إضافية"

تقول شيماء التي تعيش في القاهرة بعيداً عن أسرتها الإسكندرية: "أعمل موظفة موارد بشرية في شركة بالقاهرة. وبسبب ظروف عملي، لا تتوفر لي فرصة الطهو في المنزل في أغلب الأوقات. ورغم سكني في منطقة وسط البلد، وهي منطقة راقية، لا أستطيع شراء وجبات في نهار رمضان. كل مطعم أتصل به يرفض بحجة أنه لم يعدّ الطعام بعد".

وتضيف: "الوجبات المتاحة لي في نهار رمضان هي من مطاعم كنتاكي أو ماكدونالدز، وهي وجبات سريعة أحتاج معها لجرعات أكبر من الأنسولين، وتتسبب في ارتفاع سكر الدم ومعاناتي من مضاعفات إضافية".

الخوف من الأمن

"أنا أريد أن أقدِّم خدماتي، لكن هل تضمن حمايتي؟". بهذه الكلمات بدأ عادل المصري صاحب مطعم وكافيتريا بمدينة السادس من أكتوبر حديثه مع رصيف22.

يقول: "أريد أن أفتح مطعمي طوال النهار، ولكن حين قمت بذلك قبل أزمة كوورنا، تعرضت لمضايقات من الشرطة، ودفعت غرامة بسبب وجود طاولة في الحديقة الأمامية باعتبارها إشغال طريق".

ويضيف: "أعرف أن القانون لا يمنع تقديم الطعام في نهار رمضان، ولكن هناك عدداً من رجال الشرطة يرفضون ذلك، ويطلبون عدم تقديم الطعام لأن ذلك مجاهرة بالإفطار".

رغم عدم وجود نص قانوني يمنع الجهر بالإفطار، استندت المحاضر التي تم تحريرها، بحسب المحامي أيمن محفوظ، إلى مواد المعاقبة على الفعل الفاضح في الطريق العام، ومواد تناول المواد المسكرة في غير الأماكن المخصصة لها

عقوبات من دون قانون

خلال السنوات 2009 و2014 و2016 شهدت مصر حملات شرطية للقبض على "المجاهرين بالإفطار" في رمضان، باعتبارهم "يهددون الأمن العام" وجرى الإفراج عن أغلب المقبوض عليهم من النيابة بعد دفع غرامة قدرها 50 جنيهاً.

ورغم عدم وجود نص قانوني يمنع الجهر بالإفطار، استندت المحاضر التي تم تحريرها، بحسب المحامي أيمن محفوظ، إلى مواد المعاقبة على الفعل الفاضح في الطريق العام، ومواد تناول المواد المسكرة في غير الأماكن المخصصة لها.

يقول محفوظ لرصيف22: "لا يوجد أي نص قانوني أو دستوري يمنع المسلم أو غير المسلم من تناول الطعام في نهار رمضان، ولكن هناك بعض أفراد الشرطة الذين يفرضون على أصحاب المطاعم والمقاهي الإغلاق، أو أن يقدموا خدماتهم في الخفاء، بإغلاق نصف الباب وترك مساحة صغيرة للدخول والخروج".

ويضيف أن القانون في المقابل ينص على جريمة تعرف باسم الامتناع عن تقديم خدمة، وهي جريمة عقوبتها الحبس. 

صاحب مطعم: أعرف أن القانون لا يمنع تقديم الطعام في نهار رمضان، ولكن هناك عدداً من رجال الشرطة يرفضون ذلك، ويطلبون عدم تقديم الطعام لأن ذلك مجاهرة بالإفطار

لا توجد تعليمات

يؤكد عادل المصري، رئيس غرفة المنشأت السياحية والمطاعم باتحاد الغرف التجارية، أن الغرفة لم تقدم تعليمات للمطاعم بشأن الإغلاق في نهار رمضان أو الامتناع عن تقديم الخدمات للجمهور. ويصف ما يحدث بأنه نابع عن اجتهادات شخصية.

ويوضح أن أي عميل تعرض لموقف مشابه، له الحق في تقديم شكوي إلى الغرفة، وسيتم بحثها مع وزارة السياحة وتحديد الجزاء المناسب، مشيراً إلى أن الغرفة لم تتلق أي شكوى مماثلة لشكوى السيدة المسيحية من قبل.

على صفحته في فيسبوك، كتب المحامي البارز مالك عدلي ملاحظة مهمة حول الطبيعة الطبقية لمسألة الامتناع عن تقديم الخدمة في رمضان: "بمناسبة كشري التحرير وواقعة منعهم سيدة إنها تاكل قبل المغرب، فيه حاجة محتاجين حد بتاع اجتماع يرد عليهم، الوقائع دي تكاد تكون وقائع طبقية، يعني مرتبطة بالمكان ونوع الخدمة، بتحصل في محلات الكشري، الفول والطعمية وما شابه، وأكتر في المناطق الشعبية".

 وأضاف: "على جانب آخر أنا كنت في مول العرب من كام يوم، وكأنك في أوروبا، كل المطاعم والكافيهات فاتحة، وبتقدم أكل وشرب عادي، وكل واحد في حاله، اللي صايم صايم واللي مش صايم براحته، ومفيش أي شكل من أشكال الاستغراب أصلا في المكان، وطبعاً الفواتير هناك كلها من ذوات الصفرين والتلاتة".

وأكمل: "يبقي واضح إن المشكلة ليها أبعاد تانية محتاجة حد يفهمهالنا، هل حرية العقيدة هنا مرتبطة بالفلوس؟ لأن الناس اللي بتشتغل في مطعم في مول العرب هما نفس الناس اللي بتشتغل في محل ف وسط البلد مثلا أو المناطق الشعبية، فواضح إنها مش مشكلة ناس قوي... وإذا كان الموضوع كده يبقي إحنا محتاجين تدخل تشريعي يلزم مقدمي الخدمات دي بعدم الامتناع عن تقديمها بمزاجهم".

وقال الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية لرصيف22: "الدين في مصر استعراضي، واستعراض الدين يعطي صاحبه سلطة هو محروم منها، لذلك تجده في الطبقات الفقيرة التي تعوض ما تتعرض له من أزمات باستعراض قوتها على الغير، سواء كان هذا الغير امرأة غير محجبة فيطالبها بالحجاب، أو في مواجهة الإفطار في نهار رمضان أو سواه".

وأضاف صادق: "في الطبقات الغنية أو العليا، لا يوجد نقص اجتماعي يتطلب استعراض الدين كسلطة. فلا أحد يحتاج ليقول أنا لدي سلطة عليك".

ورأى أن "ثقافة التطرف موجودة في مصر"، وأن الدين "وسيلة الفرد الذي لا يمتلك الكثير لأن يقول أنا أفضل منك".

وختم صادق: "رغم أن العاملين في مطاعم الطبقة الغنية هم أساساً من أبناء الطبقات الفقيرة، فإنهم لا يمارسون نفس الأفعال في هذه المطاعم، "لأن العامل يعرف أن ذلك سيتسبب في فقدانه العمل، فالعقوبة هي التي تمنعه عن هذه الممارسات".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard