سياسة بسمارك المغربية... استعمار الإيالة الشريفة "ورقة تفاوض" مع القوى الأوروبية

الأربعاء 13 أبريل 202203:37 م

لم يكن المغرب في منأى عن التجاذبات الاستعمارية ومطامع الدول الأوروبية التي سعت إلى فرض نفوذها عليه، ولم يشفع له عدم وقوعه تحت الحكم العثماني ليكون محصَّناً تجاه هذه المطامع. ألمانيا كانت إحدى هذه الدول التي بدأت منذ سنة 1869، تولي اهتماماً كبيراً بالإيالة الشريفة، كما كانت تُلقَّب حينها.  

عين على المغرب

مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم يكن المغرب بالنسبة إلى الرأي العام الألماني بلداً مجهولاً. وفقاً لما يذكره الدكتور محمد علي عامر، في مؤلفه "تاريخ المغرب العربي المعاصر"، فإن عدداً من الرحالة الألمان قاموا بزيارة المغرب، وأبرزهم غيرهارد ودلفس Gerhard Rohlfs، الذي قام برحلة إلى المغرب عام 1861، استمرّت طوال عام كامل، وقد بيّن أهمية المغرب الاقتصادية والإستراتيجية.

يذكر محمد خير فارس، في كتابه "محاضرات في تاريخ المغرب المعاصر"، أنه حتى سنة 1870، لم تفكر ألمانيا في إقامة علاقات مع المغرب، إلا لدوافع تجارية، وقد كشفت حرب سنة 1870 الأهمية السياسية والإستراتيجية لبلد مسلم مجاور. ومنذ بداية الحرب رغبت الحكومة الألمانية بقيادة بسمارك في حرمان فرنسا من إمكان نقل جيش إفريقيا الفرنسي إلى أوروبا، وذلك عبر إثارة اضطرابات في الجزائر.

لذلك ارتبطت سياسة بسمارك المغربية بعلاقته مع فرنسا. فتوتر العلاقات أو تحسنها ينعكسان على سياسته المغربية. وفي الواقع، لم يكن استعمار المغرب غايةً في حد ذاته بالنسبة إليه، بل كان وسيلة ضغط أو إغراء تخدم سياسته الأوروبية عموماً والفرنسية خصوصاً. فقد كان المغرب أحياناً قاعدةً تستطيع إثارة اضطرابات في الجزائر لتجميد القوات الفرنسية الموجودة هناك، مما يحول دون نقلها إلى ميدان الحرب الأوروبية، إذا ما نشبت حرب ألمانية فرنسية. وفي أحيان أخرى، كان المغرب وسيلة إغراء لتحويل أنظار فرنسا عن منطقة الراين المتنازع عليها، كما كان أيضاً ورقةً تفاوضيةً يستغلها بسمارك في المنافسة الاستعمارية للحصول على تعويض ثمناً للتخلي عن المغرب.

ويذكر فارس في المرجع السابق: "عرض الرحالة ودلفس خدماته لإثارة الجزائر، وقد كلفه بسمارك بهذه المهمة وألحق به أستاذ اللغة العربية وينز شتاين، وانضم إليهما أحد أبناء الأمير عبد القادر الجزائري، وحاولا إثارة قبائل الحدود الجزائرية التونسية، ولما أبعدهما باي تونس، انتقل وينز شتاين إلى المغرب، ولكنه لقي صعوباتٍ حالت دون نجاح مهمته".

ارتبطت سياسة بسمارك المغربية بعلاقته مع فرنسا. فتوتر العلاقات أو تحسنها ينعكسان على سياسته المغربية. وفي الواقع، لم يكن استعمار المغرب غايةً في حد ذاته بالنسبة إليه، بل كان وسيلة ضغط أو إغراء تخدم سياسته الأوروبية

فالهدف الذي سعت إليه الأركان الألمانية تحقَّق جزئياً، ذلك أن الحكومة الفرنسية بسبب قلقها من هذه الدسائس، قررت أن تترك في الجزائر قوات كانت تفكر في نقلها قبل ذلك، وهناك نتيجة مهمة أخرى، فقد بدأ بسمارك يدرك الدور الذي يمكن أن يؤديه المغرب في العلاقات الفرنسية الألمانية. وقد صرح بسمارك عن هذا بقوله: "إن إيجاد مركز طنجة الذي هدفه خدمة المصالح التجارية الألمانية له أهمية سياسية عند احتمال وقوع حرب جديدة مع فرنسا"، كما يورد إميل لودفيغ، في كتابه "مذكرات بسمارك".

كان الجو إذاً ملائماً للوجود الدبلوماسي الألماني، فقد أثار الانتصار الألماني دهشة المغاربة وإعجابهم، وأعطى ألمانيا سمعةً كبيرةً لديهم. وقد وجد الرحالتان الألمانيان فريتشن ورين، سنة 1872، ترحيباً من المسؤولين المغاربة وسمعاً عندهم: "لقد ابتهج كل الشعب بأن الله أعطى السلطان غليوم النصر على فرنسا، تلك الأمة التي تسعى إلى فرض قانونها على جيرانها"، كما يذكر فارس في كتابه.

بدأ الرحالة ودلفس وزميلاه ياناح ولنز وغيرهم، بين سنة 1873 و1886، يصورون فوائد الحصول على المغرب، وقد لفتت تقاريرهم انتباه بسمارك إلى أهمية المغرب. غير أن السياسة الألمانية بين سنتي 1870 و1890، والتي كان يديرها بسمارك، كانت "سياسةً قاريةً"، أي مرتكزة في أوروبا، ما جعله يؤجل الطموح الاستعماري ولفترة طويلة، "ولقد كان يرى ضرورة الحفاظ على ألمانيا كإمبراطورية أوروبية وقارية"، وفقاً لمروان بوزكري في كتابه "التنافس الفرنسي الإنكليزي على المغرب الأقصى ما بين 1873 و1905".

وفقاً لمحمد خير فارس في كتابه "المسألة المغربية"، ساد اعتقاد في المغرب بأن الدعم الألماني سيكون نزيهاً، لأن ألمانيا ليس لها ماضٍ تاريخي في شمال إفريقيا، كما أنه ليست لها حدود مع المغرب، وليست لها مطالب لصالح مواطنيها أو محمياتها التي لم يكن لها وجود بعد، كما أنها لا تحتل أي بلد إسلامي. ولهذا كله بدت ألمانيا أقل خطراً من فرنسا، ما جعل لممثل ألمانيا ميزةً على سائر زملائه الأوروبيين.

بسمارك والمغرب

أدرك بسمارك أهمية المغرب، وتبينت له ضرورة وجود تمثيل ألماني دبلوماسي في المغرب، وكان دور الوسطاء الاقتصاديين بقيام تمثيل ألماني في المغرب ضئيلاً، ويرى عبد الرؤوف سلو، في دراسة بعنوان "الدبلوماسية الألمانية ومحاولات إحياء الجامعة الإسلامية بين السلطنة العثمانية والمغرب الأقصى (1870-1890)"، أن بسمارك قرر دعم البرجوازية الألمانية الكبيرة في افتتاح سوق جديدة، لأن هذا يخدم الدوافع السياسية التي كان لها التأثير الأهم في اتخاذ قرار إيجاد تمثيل في المغرب.

وكانت قبائل جزائرية عدة تطالب بإلحاح بمساعدة ألمانية في مقاومتها ضد فرنسا، وذلك بتزويدها بالسلاح، كما كان الجو في المغرب مناسباً لتؤدي ألمانيا دوراً مهماً، ذلك أن الانتصار الألماني على فرنسا أثلج صدور المغاربة، وقد أبدى السلطان الحسن اهتماماً شديداً بالجيش الألماني وسعى إلى معرفة أسباب تفوقه وفكر في الاستفادة من دعم ألمانيا المظفرة لإفشال مطامع فرنسا.

كان بسمارك يريد من ممثليه أن يتعاونوا تعاوناً كاملاً مع ممثلي إنكلترا التي كانت لها أهداف ألمانيا نفسها في معارضة فرنسا. وكان هذا يتجاوب مع محاولات بسمارك التي استمرت حتى عام 1880 في جذب إنكلترا إلى حلف أو اتفاق مع ألمانيا. هذا الحلف كان قائماً عملياً في المغرب: فقد كان ممثلو ألمانيا حتى عام 1880 يقفون صفاً واحداً مع ممثل إنكلترا. وفي فترة غياب ممثل ألمانيا، كان ينوب عنه في تمثيل المصالح الألمانية الوزير المفوض الإنكليزي.

ووفقاً لإميل لودفيغ، طلب بسمارك من جوليش، ممثل ألمانيا الأول، دراسة إمكان جر السلطان إلى مهاجمة القوات الفرنسية في الجزائر في حالة نشوب حرب في أوروبا. وطلب منه أن يقدّر إمكانات المغرب العسكرية، قائلاً: "إن لعلاقاتنا مع المغرب أهميةً عسكريةً في حالة حرب مع فرنسا؛ إنها كذلك عام 1874".

كان اختيار جوليش، الوزير المفوض، غير موفق. فقد كانت تنقصه الخبرة بالعالم الإسلامي. فوقع الاختيار على تيودور فيبر، قنصل ألمانيا في بيروت. وكان فيبر قد أمضى سنوات طوالاً في البلاد العربية، وكان يتقن جيداً اللغة العربية، وصحب معه ترجماناً سورياً مسلماً، هو منصور ملحم، مما كان له وقع طيب لدى المغاربة الذين كانوا يرون فيه واحداً منهم. وكان لهذا الترجمان فضل كبير في نجاح مهمة فيبر في المغرب. وقد أكد بسمارك لفيبر أهمية إقامة علاقات وثيقة مع الحكومة المغربية.

طلب بسمارك من جوليش، ممثل ألمانيا الأول، دراسة إمكان جر السلطان إلى مهاجمة فرنسا في الجزائر في حالة نشوب حرب في أوروبا. وطلب منه أن يقدّر إمكانات المغرب العسكرية

 وكان بسمارك يعتقد أنه بفضل مساعدة ألمانيا للمغرب قي تطوير قوته الاقتصادية والعسكرية، يمكن أن يصبح حليفاً ثميناً لألمانيا ومخيفاً لفرنسا. وطلب من فيبر أن يدرس بعناية هذا الاحتمال وأن يجيبه بدقة عن مسألة "هل الدولة المغربية في تنظيمها الحالي قادرة على التحسن؟ وما أهمية مواردها إذا نجحت في تطويرها؟ وهل بالإمكان أن تكون حليفاً محتملاً؟". كانت العادة المألوفة أن يذهب الوزراء المفوضون المعينون حديثاً إلى البلاط المغربي، ليقدّموا أوراق اعتمادهم. لكن لم يتَح لجوليش أن يقوم بهذه المهمة. وكان من المفروض أن يقوم بها فيبر عام 1875، إلا أن الأزمة الفرنسية الألمانية في هذا العام، وما أثارته من مشاعر في أوروبا دعت بسمارك إلى تأجيلها.

تم إرسال السفير سنة 1877، وكان ذلك يعكس الأهمية المعلقة على هذا الاتصال الأول. فقد اصطحب فيبر سبعة ضباط اختيروا من أحسن عائلات النبلاء الألمان، وصحافيَين اثنين ومصوراً وسكرتيراً وترجمانين واثنين من صف الضباط. وفي تقرير إلى الإمبراطور، بيّن بسمارك "أن نفوذنا سيصبح كبيراً، إذا نحن أقمنا مع السلطان علاقات مباشرةً. إن هذا الموكب الرائع والهدايا الثمينة التي يحملها فيبر لا بد من أن تؤثر في المخزن، وتقنع السلطان الحسن بأن ليس له من حليف أفضل من الإمبراطور غليوم، وتجعله يقبل بعقد معاهدة تجارية ومساعدة ألمانيا له في إعادة تنظيم جيشه"، كما يرود محمد المنوني في كتابه "مظاهر يقظة المغرب الحديث".

وفي أيار/ مايو من عام 1878، وصلت سفارة مغربية على رأسها حاكم آسفي، الطيب بنهيمة، إلى برلين. قوبلت هذه السفارة بحفاوة وسعى بسمارك إلى إبهارها بفخامة البلاط الإمبراطوري. قابل الإمبراطور بنهيمة، وصرّح الأخير بأن سيده السلطان الحسن "لديه ثقة كبيرة بألمانيا أكثر من أي دولة أخرى"، كما يروي إميل لودفيغ.

 إذا كانت هذه السفارات قد وثّقت العلاقات، فإنها لم تحقق ما كان بسمارك يسعى إليه: عقد معاهدة تجارية وإرسال بعثة عسكرية ألمانية. ويرى فارس أن الاهتمامات السياسية والإستراتيجية لم تكن غائبةً، ولكن الهدف الرئيس هو وضع أسس النفوذ الألماني في المغرب، وتهيئة السبل لهجوم اقتصادي لمؤسسة "كروب" الذي كان يرغب في أن يكون له موطئ قدم في المغرب. وقد حصل ذلك. فشل فيبر في الحصول على موافقة السلطان على عقد معاهدة تجارية، لأنه لم يكتفِ بطلب الحصول على منافع المعاهدات القائمة مع الدول الأخرى، بل قدّم مطالب أكثر لم يكن السلطان مستعداً للموافقة عليها، لأنه كان يفكر في أن يستخدم هذه التنازلات -وخاصةً ما يتعلق بتصدير الحبوب والمواشي وتحديد رسوم التصدير- في مجالات التجارة، كعملة تبادل مقابل تنازلات في مجالات أخرى، كمسألة الحماية التي كان يسعى إلى التخلص منها، أو إلى الحد منها وإزالة مفاسدها، وكان على فيبر أن يقترح تزويد المغرب بالسلاح وبمدربين ألمان لتدريب الجيش المغربي، كما يورد عبد الرؤوف سلو في كتابه "فكرة الجامعة الإسلامية بين السلطنة العثمانية والمغرب الأقصى".

وكانت فرنسا قد قدمت عروضاً مماثلةً، ونجحت في الحصول على موافقة السلطان على مجيء بعثة تدريب عسكرية فرنسية، وستكتفي ألمانيا ببيع كمية من الأسلحة. جاء هذا الفشل عشية التغيير الذي طرأ على سياسة بسمارك نتيجة التغيير الذي حدث في فرنسا بعد فوز الجمهوريين المعتدلين في انتخابات 1877.

سياسة التفاهم وتدويل المسألة المغربية

استقبل بسمارك انتصار الجمهوريين في انتخابات سنة 1877، واستلامهم السلطة في فرنسا، بارتياح كبير إذ كان متخوفاً من تسليم مقاليد الأمور لحكومة يمينية متطرفة في باريس يمكنها أن تجد تأييداً في النمسا وروسيا. وبدا له أن التقارب مع فرنسا بات ممكناً فشجعها على توسيع إمبراطوريتها الاستعمارية ومساعدتها خارج أوروبا. فبعد استيلاء فرنسا على تونس، كان من الممكن له تقديم المغرب كطعم لإرضائها كما يرد في كتاب "المسألة المغربية".

ويتابع فارس في كتابه، أن بسمارك رحّب بانتصار الجمهوريين المعتدلين والليبراليين الذين يمثلون البورجوازية المحافظة التي كانت أكثر اهتماماً بالمحافظة على النظام العام وحسن الإدارة المالية من المغامرات الخارجية.

الهدف الرئيس هو وضع أسس النفوذ الألماني في المغرب، وتهيئة السبل لهجوم اقتصادي لمؤسسة "كروب" الذي كان يرغب في أن يكون له موطئ قدم في المغرب

وبالرغم من أنه وصف المغرب بأنه "هند ممكن أن تصبح أكثر غنىً ومجال أكثر ربحاً من الهند الإنكليزية"، فإنه قرر أن يطلق يد فرنسا هناك. وذكر شارل رو، أن "بسمارك كان يفكر سنة 1879 و1880 في مشروع تقسيم شمال إفريقيا: مصر لإنكلترا، وليبيا لإيطاليا، وتونس والمغرب لفرنسا"، كما يقول محمد المنوني.

هنا وقع خلاف بين بسمارك وقادته العسكريين الذين يرون ضرورة تعزيز المقاومة المغربية لإشغال فرنسا لأطول مدة ممكنة، أما بسمارك فكان يرى ضرورة مساعدة فرنسا على تحقيق أهدافها، ففي ذلك تحويل لميولها العدوانية ضد ألمانيا. وأخيراً تم الاتفاق على حل وسط بين الطرفين يقضي بـ"ألا تعارض ألمانيا السياسة الفرنسية، ولكنها تعمل على تقوية المغرب سراً، فإذا شرعت فرنسا في احتلال المغرب فإن ذلك سيشغلها لمدة طويلة، وإذا تخلت عن ذلك فإنها ستضطر في حالة قيام حرب أوروبية إلى الاحتفاظ بقوات كبيرة في الجزائر"، وفقاً لمحمود علي عامر.

مؤتمر مدريد نقطة التحول

حين وجهت الدعوات سنة 1880، لعقد مؤتمر مدريد، كان من المتوقع أن تقف ألمانيا إلى جانب إنكلترا وإسبانيا، لكن بسمارك أظهر تأييده الكامل لفرنسا، وقد أبلغ بسمارك السفير الفرنسي وأعطى المندوب الألماني تعليماته بالاتفاق مع زميله الفرنسي ودعمه في المؤتمر، وذلك بالرغم من تحذير فيبر الذي كان يخشى أن يؤدي التأييد الألماني الكامل للفرنسيين إلى تدمير الجهود التي بذلها لإقامة علاقات طيبة مع المخزن، كما يذكر شوقي عطا الله.

ويقول فارس إنه "يمكن أن نعتبر مؤتمر مدريد 1880، البداية الحقيقية لظهور المصالح الاقتصادية الألمانية. فبالرغم من أنه لم تكن لألمانيا حتى انعقاد المؤتمر مصالح في المغرب كما أعلن بسمارك، فقد خرجت من هذا المؤتمر بحقوق مماثلة لبقية الدول بموجب المادة (17) من ميثاق مدريد".

خرجت ألمانيا من المؤتمر بفوائد عديدة أهمها الحق في الاشتراك في تسوية للمسألة المغربية، واستفادت كبقية الأمم في حق الأمة الأكثر رعايةً، وتالياً أصبح بإمكانها تطوير مصالحها بالاستناد إلى أساس حقوقي كانت تفتقده من قبل، والأهم نالت شكر فرنسا على تأييدها لها، وكان بسمارك يحسب أنه سيستغلّ هذا الجو من الثقة ليتقرب وثيقاً من فرنسا، بغية دفعها إلى توسيع نفوذها في المغرب.

بالرغم من أنه لم تكن لألمانيا حتى انعقاد المؤتمر مصالح في المغرب كما أعلن بسمارك، فقد خرجت من هذا المؤتمر بحقوق مماثلة لبقية الدول بموجب المادة (17) من ميثاق مدريد

لم يكن الدعم الذي قدّمه بسمارك لفرنسا في مناطق عدة، كتونس والمغرب، كافياً لمنع الصدام بينهما في أعقاب "الأزمة البولانجية"، وتصاعد المد القومي المعادي لألمانيا في فرنسا على إثرها، ما اضطر بسمارك إلى العودة إلى سياسة الأحلاف في أوروبا، والتقارب مع إنكلترا وإيطاليا كحلف مضاد للتحالف الفرنسي-الروسي. فبعد أن نجح في إنجاز تقارب كبير بين إيطاليا وإنكلترا، يذكر محمد خير فارس أنه "في أيار/ مايو سنة 1887، نجح بسمارك في دفع إيطاليا وإسبانيا إلى عقد اتفاق أكدت الدولتان بموجبه رغبتهما المشتركة في المحافظة على الوضع الراهن في المتوسط".

واضطر بسمارك إلى تجديد الحلف الثلاثي والالتزام بمساندة إيطاليا إذا دخلت في حرب لمقاومة عمل فرنسي في المغرب. وهكذا قبل بسمارك أخيراً ما كان يرفضه قبل أي احتمال حرب مع فرنسا بصدد المصالح الإيطالية في شمال إفريقيا.

وخلال هذه الفترة، يقول فارس: "نشطت العلاقات الاقتصادية بين المغرب وألمانيا، وازداد عدد الجالية الألمانية في المغرب، وقد نشطت الدبلوماسية الألمانية لدعم تجارتها وذلك بتقوية صلاتها بالبلاط المغربي، ففي سنة 1889، توجهت سفارة مغربية إلى برلين لتهنئة الإمبراطور غليوم الثاني بجلوسه على العرش، وقد استقبل غليوم البعثة بالترحاب، وأعلن للوفد أن السلطان يستطيع الاعتماد عليه في الوقت الذي يحتاج فيه إليه".

العلاقات بعد عزل بسمارك

إلى جانب المصالح الألمانية المتنامية، وتحديداً الاقتصادية منها، بدأت السياسة الألمانية تتبدل في المغرب عقب عزل المستشار بسمارك سنة 1890، فحين استقال بسمارك كان مركز ألمانيا في المغرب قد ترسخ اقتصادياً وسياسياً، إذ حصلت في مؤتمر مدريد على حقوق مماثلة للدول الأخرى كفرنسا وإنكلترا وإسبانيا، وأعطى المؤتمر ألمانيا الحق في أن تكون لها كلمة في المسألة المغربية. كما نجح بسمارك في تمهيد الطريق أمام التجارة والصناعة الألمانيتين، واكتسب لألمانيا مركزاً متفوقاً في البلاط المغربي. ولكنها في ما بعد وضعت نصب أعينها خلق إمبراطورية استعمارية واسعة بتوجيه من البرجوازية الألمانية الصاعدة، ويذكر محمود علي عامر أنه "ظهرت في ألمانيا سنة 1890 عصبة جرمانيين مؤلفة من عناصر مختلفة من مثقفين ونواب وعسكريين واقتصاديين يغذيها ويوجهها رؤوس الصناعات الثقيلة، وقد نادى هؤلاء بالتخلي عن سياسة بسمارك الأوروبية، واتّباع سياسة عالمية، وطالبوا بإنشاء إمبراطورية واسعة تتناسب مع قوة ألمانيا الصناعية والعسكرية".

وكان للمغرب أن يشغل مكاناً في المشاريع الألمانية، ليس كمجال اقتصادي فحسب، وإنما محطة بالنسبة إلى مواصلات ألمانيا البحرية مع إفريقيا الغربية أو مع أمريكا الجنوبية حيث كانت المطامع الألمانية تتجه نحو البرازيل.

هكذا تحول المغرب من أداة من أدوات السياسة الألمانية في أوروبا في عهد بسمارك ضد الفرنسيين، وأصبحت ألمانيا معاكسةً وطامعةً في احتلال المغرب والسيطرة عليه، وهذه حكاية أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard