لماذا أبراموفيتش وليس رفعت الأسد؟

الثلاثاء 12 أبريل 202203:23 م

اصطفاف الدول الغربية تضامناً مع أوكرانيا في وجه العدوان الروسي، يُبهج نفس كل إنسان، لا سيما إن كان هو نفسه ضحيةً لنوع من أنواع الاضطهاد أو القهر أو الحروب، ويقع هذا التعاون الإنساني في نفسه دفاعاً عن أصحاب الحق بشرى برفع الظلم عنهم وعن غيرهم. 

وفي ضوء العجز الأوروبي أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي وضع الأسلحة النووية في وضع الجاهزية، لا يملك الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة سلاحاً ضده إلا العقوبات الاقتصادية، وهو سيف استلّوه ولم يعيدوه إلى غمده بعد. وإن كانت العقوبات الاقتصادية لا ترقى إلى شدة منع الحرب، إلا أنها تضعف بوتين وجيشه وداعميه، وأبرزهم رومان أبراموفيتش. فَرؤية صديق وداعم لظالمٍ يُعاقَب ولو بمجرد انتزاع أملاكه وتجميد أصوله، تبعث الأمل بانتصار الحق ولو بعد حين، وهو درسٌ لكل داعم لمجرمٍ بعدم الإفلات من العقاب كونه في مكان ما شريكاً في الجريمة. 

لكن هل هذه هي الصورة كلها؟ قد تبدو مشرقةً في طريقها إلى المثالية، وورديّةً كقصص الأطفال، لبعض الشعوب، لكن ليس للسوريين، فهم لديهم رومان/ هُم (رفعت الأسد)، ومشاهدة سيل العقوبات التي تنهال على رومان تدفعهم تلقائياً إلى المقارنة بين الجرائم التي ارتكبها كل من رومان ورفعت والعقوبات التي ترتبت عليها. 

رؤية صديق وداعم لظالمٍ يُعاقَب ولو بمجرد انتزاع أملاكه وتجميد أصوله، تبعث الأمل بانتصار الحق ولو بعد حين، وهو درسٌ لكل داعم لمجرمٍ

أبراموفيتش رجل أعمال روسي يهودي، يحمل الجنسيتين البرتغالية والإسرائيلية، ويُعدّ من أبرز وجوه الطبقة الأوليغارشية الحاكمة التي تدعم بقاء بوتين في السلطة، ومعروف بكونه صاحب نادي تشلسي الإنكليزي.

مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، تهافتت الدول الأوروبية والمملكة المتحدة على فرض عقوبات اقتصادية عليه، إذ تم تجميد أرصدته ومصادرة أملاكه وتم فتح تحقيق في كيفية حصوله على الجنسية البرتغالية، وتم إلقاء القبض على الحاخام الذي ساعده في الحصول عليها. كذلك، تمت مهاجمته بشدة في الإعلام الغربي حتى أن بعض المتظاهرين قاموا باقتحام بعض أملاكه مؤقتاً.

أبراموفيتش نفسه، ومع بداية الحرب، تنحّى عن مهامه بصفته مالكاً للنادي وعرضه للبيع وتخلى عن قروض قدّمها للنادي تُقدّر قيمتها بنحو ملياري دولار، وطلب من مساعديه إنشاء مؤسسة خيرية تتلقى جميع العائدات الصافية من عملية البيع. لم يمنع هذا الدولة من انتزاع ملكية النادي منه. وقد حقق النادي نجاحات عظيمةً خلال فترة امتلاك أبراموفيتش له، حتى أن مشجعي النادي هتفوا باسمه اعتراضاً على هذه العقوبات، وأفسدوا الوقفة التضامنية مع أوكرانيا قبل إحدى المباريات.

لكن الصادم أكثر، أن أوكرانيا نفسها رفضت العقوبات على أبراموفيتش، بل أكثر من ذلك هو عضو في مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا بموافقة الطرفين، ويحضر بشكل دوري في إسطنبول. وبالرغم من أنه ليس عضواً رسمياً، إلا أنه يوصف بأنه مشاركٌ مؤثر.

على أي حال، لم يُجرَ أي تحقيقٍ مع أبراموفيتش، ولم يصدر في حقه أي حكم قضائي، وكل العقوبات الاقتصادية والإجراءات التي اتُخذت ضده تمت بناءً على قربه من بوتين. هنا يتساءل السوريون: هل رومان مقرّب من بوتين أكثر من قرب رفعت من أخيه حافظ وابنه بشار؟

رفعت الأسد هو الشقيق الأصغر للرئيس الراحل حافظ الأسد، وعم الرئيس الحالي بشار الأسد، وهو رجل عسكري اتّبع دورة أركان حرب عليا مع مجموعة من الخبراء الروس حول العقيدة العسكرية، وتقلّد مناصب وحصل على شهادات دكتوراه وعلى العديد من الأوسمة والشهادات الفخرية والجوائز التقديرية من مؤسسات عدة وشخصيات سياسية لا سبيل لذكرها هنا لكثرتها، لكن اللافت للنظر هو أنه حاصل على وسام بلقب فارس من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران الذي حكم فرنسا بين عامي 1981 و1995.

قد تبدو الصورة مشرقةً وفي طريقها إلى المثالية، ورديّةً كقصص الأطفال، لبعض الشعوب، لكن ليس للسوريين، فهم لديهم رومان/ هُم (رفعت الأسد)، ومشاهدة سيل العقوبات التي تنهال على رومان تدفعهم تلقائياً إلى المقارنة بين الجرائم التي ارتكبها كل من رومان ورفعت والعقوبات التي ترتبت عليها

في العام 1980، كان رفعت قائداً لفرقة في الجيش ولسرايا الدفاع، وكانت الأخيرة من أعلى فرق الجيش السوري تدريباً وأقواها دعماً، وقد أوكل إلى أفراد منها تنفيذ مجزرة سجن تدمر، التي راح ضحيتها أكثر من ألف معتقل سياسي. وفي العام 1982، كان المشرف والقائد العام للجيش عندما قام بقصف مدينة حماه، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وذكر الصحافي الأمريكي توماس فريدمان أن رفعت تفاخر لاحقاً بأن عدد الضحايا لا يقل عن 38 ألفاً.

في وقتٍ لاحق، عندما فُتح تحقيق في فرنسا حول مصادر أمواله، قال وزير الدفاع السوري السابق، مصطفى طلاس، في شهادته، إن رجال رفعت هرّبوا آثاراً من سوريا إلى لبنان، ومنها إلى أوروبا فالولايات المتحدة، كما أنه تاجر بِالمخدرات والكوكايين والهيرويين. وقال عبد الحليم خدام، نائب رئيس الجمهورية الأسبق، إن رفعت كان معروفاً في سوريا بالمتاجرة بكلّ ما هو غير شرعي وغير قانوني. كما قال أحمد حميدو، أحد الشهود، للمحققين، إنّ رفعت كان يحوز كنوزاً أثريةً تعود للعصر الروماني، مُخزنةً في أحد الأقبية التابعة له في سوريا.

فضلاً عن ذلك، أشارت المحكمة الاقتصادية الفرنسيّة إلى ما يبدو لها اختلاساً للأموال العامة، إذ إن ميزانية الرئاسة السورية تضخّمت بشكلٍ مُفاجئ أيام حكم حافظ الأسد، فتضاعفت من 30 إلى 60 مليون يورو، ومن ثمّ بلغت 124 مليون يورو في العام 1984، ويبدو أنّ النظام السوري هو مَن أثرى رفعت. وفي العام نفسه، قام رفعت بمحاولة انقلاب على أخيه نجم عنها خروجه من سوريا مع مجموعة كبيرة من العاملين معه، وانتقل للعيش في أوروبا وقد جعلته استثماراته ينتقل بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا.

نقلت صحيفة ليبراسيون، عن الادّعاء العام الفرنسي، أن رفعت امتلك ثروةً لا تقلّ عن مليار يورو؛ منها مئة مليون يورو في فرنسا، و600 مليون يورو في إسبانيا، و40 مليون يورو في بريطانيا.

وخلال إقامته الطويلة في أوروبا، قُدِّمت بحقه شكاوى ودعاوى قضائية من قبل جمعيات ومنظمات مختلفة في عدد من الدول الأوروبية، بتهم الفساد المالي وتورطه في مذبحة حماه لم ينتج عنها أي حكم ضده. وقُدِّمت شهادات تفيد بأنّه كان عميلاً مخابراتيّاً مأجوراً، ينفّذ المهمات لقاء مبالغ مالية طائلة.

أخيراً في العام 2020، قضت محكمة فرنسية بسجن رفعت الأسد أربع سنوات، بعد إدانته بتهم شملت ارتكاب سلسلة من الجرائم الاقتصادية تنوّعت بين التهرب الضريبي واختلاس الأموال العامة السورية وتبييضها في فرنسا، كما أمرت المحكمة بمصادرة عقاراته ولم يمثل أمام المحكمة إذ إنه نُقل إلى المستشفى لإصابته بنزيف داخلي. وتمت مصادرة أمواله في إسبانيا وبريطانيا أيضاً.

لقد أطلق الغرب وابل عقوباته على أبراموفيتش بالرغم من عدم وجود دليلٍ قاطعٍ يدينه، وبالرغم من اعتراض أوكرانيا، بينما قدّم لرفعت الأسد جنّةً من الأمان والثراء

وفي تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، عاد رفعت إلى سورية بعد 37 سنةً من النعيم والحرية قضاها في ربوع أوروبا. عندها، اتهمت صحيفة ليبراسيون السلطات الفرنسية بالتواطؤ معه للهرب، وأشارت إلى أنه لم يتم توقيفه من قبل، بالرغم من تهم اختلاس أموال في بلاده، وغسلها في فرنسا. وأضافت الصحيفة أن الحكم ضده بتهمة غسل الأموال المنظّم واختلاس الأموال العامة السورية لم يقترن بأمر قبض، بسبب تقديمه خدمات استخباراتيةً، وهذا ما أكدته صحيفة لوفيغارو، وقالت إن صفقة خروجه جاءت بفضل خدماته التي قدّمها للمخابرات الفرنسية. وذكرت الصحيفة أن علاقته مع الأخيرة بدأت منذ العام 1982، واستمرت نحو 40 عاماً.

يعيش رفعت الأسد حتى الآن في نعيم وحرية، لكن بين أهله وفي وطنه، وربما يدوس على قبور قتلاه. ولم يعلُ صراخ السوريين من الخنجر الجديد من الغرب، لأن سيوفاً كثيرةً ما زالت مزروعةً في أجسادهم تمزقها. لكنهم يتساءلون عن الأصول المجمدة والأملاك المصادرة في أوروبا، بينما ما زال الشتاء منذ أكثر من عقد يعود على النازحين السوريين وهم في الخيام.

لقد أطلق الغرب وابل عقوباته على أبراموفيتش بالرغم من عدم وجود دليلٍ قاطعٍ يدينه، وبالرغم من اعتراض أوكرانيا، بينما قدّم لرفعت الأسد جنّةً من الأمان والثراء عاش فيها لعقود، مع أن دوره لم يكن كرومان مجرد داعم لمجرم، بل هو نفسه مجرم حربٍ، ويداه ملطختان بدماء عشرات الآلاف من الضحايا، ثم تركوه يعود إلى سوريا فارساً، مع أن أماً سوريةً واحدةً لم تسامحه بدم ابنها ولم يسامحه سوريٌ واحدٌ على سرقة ماله.

سياسة الكيل بمكيالين التي يتّبعها الغرب في تعامله مع المجرمين وفق هوية الضحايا، عرّت عنصريته وأظهرت أن شعارات حقوق الإنسان التي يرفعها، فارغة من معناها، لأنها تُطبَّق على الإنسان الأوروبي فقط. وأعتقد أن هذا التعامل كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فإن لم تحطم هذه الحرب سياسة القطب الواحد على أرض الواقع، فقد قضى النفاق عليها في نفوس البشر، ولا سيما من غير الأوروبيين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard