رحلة استثنائية إلى خبايا القاهرة بصحبة نجيب محفوظ

الثلاثاء 12 أبريل 202204:16 م

بمجرد أن يخطر في بالنا أن نرتاد أحد الأمكنة الشعبية في القاهرة الفاطمية، فإننا قد اخترنا أن يكون رفيقنا الملازم في الرحلة الاستثنائية، نجيب محفوظ، حكّاء مصر الأخصب ، وقارئ تركيبتها البشرية المتعمق، وهو، في الوقت ذاته، مؤرخ عاصمتها العريقة أيضاً، وسارد خرائط جغرافيتها القديمة والمعاصرة، في رواياته المحتفية بالمكان كبطل أول، والمعنونة به في أحوال كثيرة، كما في "خان الخليلي"، "بين القصرين"، "قصر الشوق"، "السكرية"، "زقاق المدق"، وغيرها. لنتجول في أحياء القاهرة بصحبة نجيب محفوظ!

يذوب الحاجز الوهمي تماماً، بين الواقعي الحقيقي والمتخيل الإبداعي، في أية رحلة، ولو عابرة، إلى أحد هذه الأمكنة ذات الطبيعة الخاصة، التي تعاطى معها محفوظ روائيّاً على نحو خاص كذلك؛ فالمكان لديه ليس مجرد علبة مسرحية تقليدية للأحداث الدائرة، لكنه يتطور وينمو مثل كائن حي، ويتحرك ويستشعر ويتفاعل مع الشخوص، كما أنه يستوعب بمرونة محطات الزمان، في تنقلات واعية بين الماضي والحاضر والمستقبل.

سوق بين القصرين القديمة

لا يمكن أن تغيب هذه الروايات عن مخيلة من يقوم برحلة ممتدة إلى دهاليز "زقاق المدق" و"خان الخليلي" و"بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"، فهي أعمال تعكس النموذج السردي الأوضح لما يمكن وصفه بسطوة المكان على الحالة الإنسانية والفنية معاً، وقيادته مسار التصاعد الانفعالي والدرامي. هي جولة حياتية يقوم بها الزائرون، لكنها مشحونة بخلفيات ثقافية ومعرفية وإبداعية، وهي أيضاً إبحار في الجغرافيا والتاريخ والفلكلور الشعبي، بالنكهة المصرية المحلية.

يمكن اعتبار هذه الروايات بمثابة مراجع لجغرافية القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين، ووثائق تاريخية تنقل الكثير مما جرى على الأرض فعليّاً بأمانة وحيادية

فرادة روايات نجيب محفوظ الواقعية تنبع في المقام الأول من هذه السمة الفريدة؛ وهي القدرة الفائقة على المزج بين المتخيل الروائي، على مستوى الشخوص والأحداث والأمكنة والإحالات التاريخية، وبين الحقيقي الواقعي. وهكذا يمكن، على نحو ما ومن دون مبالغة، اعتبار هذه الروايات بمثابة مراجع لجغرافية القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين، ووثائق تاريخية تنقل الكثير مما جرى على الأرض فعليّاً بأمانة وإنصاف وحيادية.


في رواية "خان الخليلي"، على سبيل المثال، يبرز بشكل واضح كيف أن السرد المحفوظي يحتضن هذا الرصد الجغرافي، جنباً إلى جنب مع الإحالات التاريخية، والغوص الإنساني التحليلي. وقد حكى مؤرخون من أمثال المقريزي وغيرهم عن الخان كسبيل يلجأ إليه المسافرون، وتنتشر فيه محلات العلافة والعطارة، وأنه قبل ذلك كان سوقاً للعبيد.

ثم تميز العصر الفاطمي بانتشار الأسواق المتنوعة والساحات العامة، وهذه الأسواق التي كانت تسمى قيسارية خُصصتْ كل واحدة منها لبيع سلعة معينة، ومن هنا أنشئت في عهد السلطان الغوري حوانيت ورباع ووكالات تجارية محاطة بالسور، ولها ثلاث بوابات، وأصبح الخان معدّاً لتجارة الجواهر الثمينة، وجرى تقسيم الخان إلى حارات، تحمل كل واحدة منها اسم الصناعة المنتشرة فيها، مثل: حارة الصاغة، حارة النحاسين، حارة القماشين، حارة العطارين، وغيرها.

صناعات خان الخليلي التقليدية

وإذا كان المؤرخون قد فعلوا ذلك في كتبهم التسجيلية، فإن الروايات المحفوظية جاءت لتقدم وصفاً فنيّاً لا يخلو من الرصد الجغرافي والتاريخي في آن، ويتسم هذا الوصف بالإسهاب والتفصيل، حتى عندما يحكي السارد عن موضع صغير كأحد مقاهي خان الخليلي المتعددة، التي نجدها حين نقصد المكان الشعبي في رحلتنا الراهنة، إذ يقول: "مضى من الليل ساعة، فسكنت ضوضاء النهار، ولكن لتحلّ محلها ضوضاء أشد وأفظع، سرعان ما جعلت الحي جميعه كمسرح من مسارح روض الفرج الشعبية".

أما مصدرها فالقهاوي العديدة المنتشرة في جوانب الحي، فالراديو يذيع أناشيده وأحاديثه بقوة وعنف فكأنه يذيع في كل شقة، والندّل لا يكفون عن النداء والطلب في أصوات ممطوطة ملحنة: واحد سادة، شاي أخضر، تعميرة على الجوزة، وشيشة حِمِّي. ودق قطع النرد والدومينو وأصوات اللاعبين، فخال نفسه في طريق مزدحم بالمارة لا في شقة. وعجب كيف يحتمل أهل الحي ضوضاءه أو كيف يغمض لهم جفن؟

الأمر ذاته نجده حين نزور "زقاق المدق" في الوقت الحالي، ولربما تتجلى في هذه الرواية بطولة المكان الشعبي على نحو أكثر تركيزاً، لأن المكان هنا أضيق وأكثر تحديداً، ومن ثم فإنه يبدو بمثابة المركز، الذي تدور حوله الشخوص والأحداث، أو الوطن المصغّر الذي يجمع ألوان الطيف المجتمعي آنذاك. ولا يزال "زقاق المدق" باقياً في منطقة الصنادقية بقاهرة المعز لدين الله الفاطمي على عهده إلى يومنا هذا، بالاسم ذاته، وفي الموضع نفسه الذي حددته الرواية التي تدور في أربعينيات القرن الماضي.

اللافت، بل المدهش، أن بعض هذه المعالم والملامح لم يتغير حتى يومنا هذا، بكل تفاصيله المدرجة بالروايات المحفوظية، في حين أن سمات أخرى في تلك الأمكنة الشعبية تطورت، وتبدلت مع مرور الزمن

يحتفظ المكان بروحه الشعبية ومعطياته الموروثة، ويسكنه أناس بسطاء، مثلما كان الحال في زمن الرواية. أما مفردات المكان الواردة في النص الروائي، من قبيل قهوة كرشة، وصالون حلاقة عباس الحلو، ووكالة سليم علوان، ودكان عم كامل بائع البسبوسة، وغيرها، فبعضها حقيقي وباقٍ مثل المقهى، وبعضها لا أثر له في وقتنا الراهن الذي انطلى فيه على الزقاق "بلاط جديد"، كما سكنته بعض الأكشاك والورش والمحلات ومخازن البضائع.

وكما لم يبخل محفوظ على زوّار خان الخليلي بالسرد الجغرافي والتاريخي عن الخان الأثري، فإن أديب نوبل يمنحنا حين نزور زقاق المدق ما يطمح إليه من الوصف الجغرافي والتاريخي للزقاق الذي تحمل الرواية اسمه: "هناك شواهد كثيرة تنطق بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يوماً في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدري. أي قاهرة نعني؟ الفاطمية؟ المماليك؟ السلاطين؟ علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار. ولكنه على أية حال أثر، وأثر نفيس. كيف لا، وطريقه المبلط بصفائح الحجارة ينحدر مباشرة إلى الصنادقية، تلك العطفة التاريخية؟

دكان السيد أحمد عبد الجواد، الذي وصفته الرواية بأنه أمام جامع برقوق بالنحاسين، لا يزال يوجد في موضعه

وبمصاحبة العم نجيب، كزوار منطقة الجمالية نستشرف تاريخها، مثلما نطلع على تفاصيل جغرافيتها بين ثنايا أعماله، فهي منطقة القصور، وأندر أحياء مصر القديمة، وتحمل عبق الحضارة الإسلامية، وترجع إلى ألف عام، محتوية على عشرات الآثار الثمينة، وتحمل اسم "بدر الجمالي المملوكي"، وهي الكنز الذي يحتوي حرف الخشب والصدف والنحاس والألومنيوم والذهب والفضة، وغيرها. ومن الأمكنة البارزة في المنطقة: الدرب الأصفر، درب قرمز، التمكشية، بيت القاضي، بيت المال، عطفة القناصة، والخانات والوكالات والدروب والأزقة وغيرها، مما سجلتها كاميرا محفوظ بشكل مباشر.

المكان الشعبي في عالم محفوظ يكاد يكون هو الراوي العليم، والسارد الأعظم، فهو مكان برائحة الإنسان، ينطق بلغة البشر. والكثير مما أثبتته الروايات من خرائط وعناوين وأسماء شوارع ومسارات وحارات وأزقة وأبنية وأضرحة ومقاهٍ وحوانيت وغيرها جاء مطابقاً للواقع في زمن الرواية، والقليل جاء متخيلاً. واللافت، بل المدهش، أن بعض هذه المعالم والملامح لم يتغير حتى يومنا هذا، بكل تفاصيله المدرجة بالروايات المحفوظية، في حين أن سمات أخرى في تلك الأمكنة الشعبية تطورت، وتبدلت، مع مرور الزمن، وصارت تحتاج إلى باحث جغرافي جديد يعيد إثباتها في مؤلفات تنتسب إلى القرن الحادي والعشرين.


حرَف شارع المعز

ونمضي إلى شارع "بين القصرين" في الجمالية، وهو جزء من شارع المعزّ، لنجد أمامنا ما ينقله محفوظ بدقة، وكأنه يرسم خرائط جغرافية للمنطقة في النصف الأول من القرن الماضي، إلى جانب أن المشهد الوصفي المحفوظي يرسم دائماً، وبعناية فائقة أيضاً، خرائط التركيبة البشرية والأنماط الإنسانية لسكان هذه المناطق، وما يطرأ عليهم، وعلى مناطقهم، من تحولات عبر الزمان.

مما يبقى كعهده في "بين القصرين"، مثلاً، بيت السيد أحمد عبد الجواد، الذي تحدده الرواية بأنه أمام سبيل بين القصرين، عند نهاية النحاسين، وامتداد شارع المعز، وقبالة عطفة الخرنفش. وفي هذا المكان أكثر من بيت أثري وقصر تاريخي يعكس صورة البيت الذي ورد في الرواية، بمشربياته الخشبية، وأدواره المتعددة. وكذلك فإن دكان السيد أحمد عبد الجواد، الذي وصفته الرواية بأنه أمام جامع برقوق بالنحاسين، لا يزال يوجد في موضعه أكثر من محل عتيق للصناعات والحرف التقليدية مثل العطارة والنحاس والمشغولات الذهبية وغيرها.


أسواق بين القصرين

ونتقدم، بصحبة محفوظ، صوب "السكرية"، التي أورد علي مبارك عنها الكثير في "الخطط الجديدة"، مرجعاً تسميتها بهذا الاسم إلى انتشار محلات السكّر والمكسّرات والشموع بها. وهناك، نطالع بعيوننا ما حفلت به رواية محفوظ من هذه المعلومات، وغيرها، عن جغرافيا المكان وتاريخيته. كما تقود الجولات، التي كان يقوم بها أبناء أحمد عبد الجواد في الرواية، إلى وصف سردي شارح لخرائط الشوارع والمحلات المنتشرة بالمنطقة، المليئة بالحلوى والمباهج، على وجه الخصوص، والشموع التي لم تنطفئ بعد، حتى يومنا الحالي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard