إلى "هضبة الهرم" بِجَناحَيْ نجيب محفوظ... المكان كفانتازيا سحرية وأسطورة قصصية

الجمعة 23 يوليو 202105:54 م

ليست وحدها الأمكنة الشعبية في قاهرة المعزّ لدين الله الفاطمي العتيقة، ما يصعب ارتيادها دون اصطحاب أطياف العمّ نجيب محفوظ وتجليات أعماله السردية، فالروائي المحنّك، الذي غاص بمنظور واقعي في دهاليز "خان الخليلي" و"بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"، هو أيضاً عينٌ كاشفة لطوبوغرافية منطقة العباسية في رواية "قشتمر"، وهو دليل استرشادي إلى خرائط مدينة حلوان في رواية "الباقي من الزمن ساعة"، وهو كذلك الرفيق الأمين إلى أهرامات الجيزة في أقصوصة "الحب فوق هضبة الهرم".

لكن الرحلة في هذه المرة ستكون بجناحين يحلّقان عالياً في الفضاء؛ فالمكان التاريخي الأثري المسكون بأرواح الفراعنة القدماء جنب الأهرامات، هو بحدّ ذاته بطل العمل الفني كفانتازيا سحرية، وأسطورة قصصية متفجرة.

المكان هو صاحب البطولة الروائية في أعمال محفوظ الواقعية، وإنما اتسع المكان الحقيقي في كثير من أعماله ليشمل المتخيّل الروائي اللامحدود. ومن ثمّ، فإن أعمال محفوظ، الواقعية وغيرها، هي من جهةٍ كنز للجغرافي المفتش عن المسالك والدروب والأزقّة والحارات والمعالم المعمارية المندثرة والكائنة إلى يومنا هذا، ومن جهة أخرى فهي كنز للباحث الأدبي اللاهث خلف دلالات المكان وحيثيات توظيفه في الروايات والقصص، وطبيعة الدور المحوري الذي يلعبه المكان دراميّاً ورمزيّاً وفلسفيّاً بوصفه أيقونة العمل الإبداعي.

في هذه الرحلة الاستثنائية إلى أهرامات الجيزة، عبر صفحات "الحب فوق هضبة الهرم"، من أجل اقتناص المكان الفعلي، واقتفاء أثر المكان الروائي التخييلي، واستقصاء تشابكهما معاً، نجد المكان يرتدي ثوباً مغايراً، هو الثوب الإسقاطي الترميزي، حيث ينقلب المكان برمّته إلى أسطورة تتسق مع أسطورية الأحداث وتصرفات الشخوص الجنونية. تقلصت طموحات الشباب وأحلامهم مع تلاشي الطبقة المتوسطة في عقد السبعينيات من القرن العشرين، بسبب الانفتاح الاقتصادي والتغيرات المجتمعية، فلم يعد للشاب "علي عبد الستار"، بطل الرواية، سوى الحلم بـ"أية امرأة" تطفئ اشتعاله، وتمتصّ رغبته في التحقق والانطلاق، في زمن العجز الكامل، الذي لا يلائم مثقفاً جامعيّاً يود أن يتحرك للأمام، ولا حتى سيارة تتمنى التقدم في شارع مزدحم مختنق.

أي رحلة نقوم بها إلى هضبة الهرم في لحظتنا الراهنة، من الصعب أن تنجو من تخييلات العم نجيب محفوظ وهواجس أبطاله

في أعمال محفوظ الواقعية، كان المكان هو الآخر يطلّ بوجه واقعي؛ فمثلما تدور الوقائع بمنطقية، وتمتثل للمعايير البشرية والقوانين الكونية، فإن المكان يجسّد أرضاً ملموسة تتحرك فوقها خطوات الشخوص المحسوبة بعناية، وكأن المكان يصاحب حركتهم على امتداد النص. وكانت التفاصيل المكانية المثبتة في الأعمال مستقاة عادة من أصول حقيقية، إلى درجة أن البعض، ومنهم الروائي جمال الغيطاني، اعتبر هذه الروايات بمثابة مراجع جغرافية للكثير من أحياء القاهرة في النصف الأول من القرن الماضي. ولأن الصبغة الواقعية كانت تهيمن على الشخوص والأحداث، فلم يتبلور المكان الروائي آنذاك بمعناه الفانتازي الكامل أو بوصفه رمزاً يحيل إلى اللامعقول.

في "الحب فوق هضبة الهرم"، تبدّلت الأمور على نحو لافت، فالرحلة إلى هضبة الأهرامات هي رحلة تمرد، وانفلات، وتحطيم للقيود، وثورة على المألوف، والمستقر، والسائد. والمدهش أن أحداث الرواية كلها تدور في منطقة وسط البلد أو قلب القاهرة، حيث المصلحة الحكومية التي يعمل بها علي عبد الستار، ورجاء محمد، شريكته في الحب والحلم.

ولم ترد "هضبة الهرم" سوى في نهاية الرواية فقط، حيث انطلق إليها العاشقان في رحلة الانتصار على العقل، وقوانين المجتمع، وهي الرحلة التي تعكس الاتجاه الفني صوب الرمز والفانتازيا، وتأتي أسطورية المكان ملائمة تماماً لطبيعة الحدث اللامعقول ذاته، لتكتمل لوحة الجنون من حيث الفعل والزمان والمكان والشخوص على السواء.

هذه الدوال والرموز التي يحيل إليها المكان، وهذه السمات المشتركة بين المكان والإنسان، لها أيضاً شواهد في "الحب في هضبة الهرم" قبل الحدث الختامي المحوري، ومن هذه الشواهد جولات الصّعْلكة لعلي عبد الستّار، خريج كلية الحقوق، خارج أسوار المصلحة الحكومية التي جرى توظيفه فيها بدون أن يكون له عمل حقيقي يقوم به.

ومن خلال هذه الصعلكة في شارع قصر النيل وشوارع وسط القاهرة، توصّل الشاب المحبط إلى أن الشوارع مثلها مثل البشر، طابعها الضيق والعصبية والكبت، حيث "كل شيء يريد أن ينطلق ويعجز عن الانطلاق، يستوي في ذلك الإنسان والسيارة. الكبت والقهر والتذمر. الطريق يعاني من أزمة جنسية مثل أزمتي. إنه يفتقد الشرعية والحرية والإشباع". وبدرجة أعلى من التقارب النفسي بين البشر والمكان، تأتي رحلة الطيران إلى "هضبة الهرم"، بكل ما فيها من شطحات وانزياحات.

أعمال محفوظ، الواقعية وغيرها، هي من جهةٍ كنز للجغرافي المفتش عن المسالك والدروب والأزقّة والحارات والمعالم المعمارية المندثرة والكائنة إلى يومنا هذا

هذه الرحلة الجنونية إلى هضبة الهرم هي التي تنقذ علي عبد الستار وحبيبته رجاء من فتور التفكير وعناء التقهقر وجحيم الذوبان في اللامبالاة، وهي التي تنتشلهما من تراكمات المعاناة بسبب الفراغ والبطالة وتضخّم الهموم والهوس بالجنس كمتعة وحيدة تُداوي الآلام. وقد أدرك علي، ابن البرجوازية الصغرى، حقيقة وضعه الطبقي الجديد: "كنا طبقة وسطى، وأصبحنا من الطبقة الدنيا"، وذلك في ظلّ صعود طوائف الحرفيين، ومنهم أحمد عبد المقصود، زوج أخته، الذي تمكّن من الزواج بسهولة لامتلاكه شقة وسيّارة فارهة، على عكس علي ورجاء، اللذين لم يتمكنا من ممارسة لقاء حميم واحد حتى بعد زواجهما سرّاً، لعدم امتلاكهما مكاناً خاصّاً.

في مثل هذه الأجواء المستعصية على الحلّ، لا يمكن الرضوخ طويلاً لمعطيات العقل، وإلا فسيبقى الزواج مرادفاً للسراب. فليكن القرار للحبّ وحده، الذي عرفه العاشقان للمرة الأولى في حياتهما، فلا حلّ سوى بالعشق وبالجنون، إذ لا فرصة متاحة بإيجاد عمل بديل، ولا بالسفر إلى الخارج، ولا بالهجرة، وبالتالي فلا مجال للتفكير، ولن يجد عاقل فرصته أبداً، بل إن العقل لم تعد له فائدة في عالم لا معقول. وهكذا، يمضي العاشقان صوب تجربة الجنون، لمواجهة عالم مجنون.

ولا يكفي الزواج سرّاً ليستشعر العاشقان أنهما يعيشان حياة الطيور، إذ لم يتمكنا من اختطاف لقاء حميم يشعرهما بأنهما قد تزوّجا فعليّاً. وفي مساء دافئ الأنفاس، يعتزمان الارتحال إلى "هضبة الهرم"، لبلوغ ذروة الجنون، والتخلص النهائي من كل الرسميات والشكليات والأعراف والتقاليد. وتحت ضوء القمر، تمرق الأشباح في الخلاء، وتذوب في الظّلمة، ويتعانق العاشقان بحرارة، فيما يطل عليهما الدهر من فوق هضبة الهرم وهو يضرب كفّاً بكفّ.

بالرحلة إلى هضبة الهرم، صار ممكناً أن يتصالح الزمان على جنونه، بدوره، إلى جانب جنون المكان، وجنون الشخوص، وجنون الأحداث. ولم يكن هناك أمثل من هضبة الأهرامات لكي تشهد هذه التحديات كلها: تحدّي الآباء والأجداد، كل الأجداد في سائر العصور والمجتمعات، وتحدّي الشياطين والأشباح، وتحدّي السلطة، ممثلة في الشرطيّ الذي انصرف بهدوء مقابل جنيه واحد، وتحدّي العقل، الذي يحدّ طموح الإنسان.

أي رحلة نقوم بها إلى هضبة الهرم في لحظتنا الراهنة، من الصعب أن تنجو من تخييلات نجيب محفوظ وهواجس أبطاله. فالمكان الروائي في هذا العمل القصصي الزاخم، شأن أغلبية إبداعات محفوظ، يتخطى حدوده الفنية المرسومة، ليغدو كائناً حيّاً، متنامياً، يتفاعل مع البشر، ويؤثر فيهم، ويتأثر بهم، فما أخصبه من ارتحال إلى منطقة فريدة في الجغرافيا والتاريخ، برفقة المراهنين على الجنون، الطامعين في إدراك المستحيل!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard