"طبعاً سوف يعود جهيمان وسيكون أكثر ضراوة"...حوار مع الكاتب المسرحي عبد الحليم المسعودي

الجمعة 8 أبريل 202204:42 م


في غرّة محرّم من العام 1400 هـ/ 20 نوفمبر 1979، دخل جهيمان العتيبي وجماعته، الذين يتجاوز عددهم مائتي شخص، الحرم المكي مع صلاة الفجر، يحملون نعوشاً بقصد إقامة صلاة الجنازة عليها بعد ذلك، ولكنها كانت مليئة بالأسلحة.

وأعلن جهيمان أن صهره، محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي المنتظر ومجدد هذا الدين، وانتهت هذه الحادثة بان قُطعت رأس جهيمان، قائد هذه العملية التي ألّف حولها الصحفي براسولاف تروفيموت، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بوول ستريت جورنال، كتاباً سنة 2007 بعنوان "حصار مكة"، يتحدث عن الانتفاضة المنسية في أقدس الأماكن الاسلامية وولادة القاعدة، وكذلك كتاب "حتى لا يعود جهيمان" لتوماس هيغماهر وستيفان لاكروا، الذي ترجمه حمد العيسى ونشره سنة 2013.

كما أن حادثة اقتحام الحرم المكي تم التطرق اليها عام 2019، ضمن المسلسل السعودي "العاصوف" إنتاج mbc، إلا أن مسرحية "ساعة جهيمان" لعبد الحليم المسعودي تبقى الأكثر جرأة في تفكيك هذه الحادثة، استناداً الى العوامل المؤسسة التي ساهمت في نشأة هذا الفكر التكفيري.

فيما يلي حوار مع الكاتب المسرحي المسعودي حول مسرحيته.

لماذا اخترت شخصية جهيمان العتيبي خاصة وأنها تشير صراحة الى تورط الفكر السلفي الجهادي في حادثة هزت العالم الإسلامي عام 1979، وهي اقتحام الحرم المكي؟

في الحقيقة يعود الأمر إلى سببين ، سبب مسرحي، و سبب فكري . السبب المسرحي متعلق بأزمة الكتابة المسرحية العربية المعاصرة نفسها، وهي أزمة مستديمة في علاقتها بالواقع، أي واقع المسرح بوصفه المعبر الطبيعي والفوري على ما يعتمل في حياة الناس ويطال مخيالهم الجمعي وذهنياتهم في تاريخهم الحديث أو المعاصر.

لم تنجح الكتابة المسرحية العربية، حسب تقديري، في قراءة هذا الواقع الاجتماعي والثقافي المتحول والإحاطة به نقدياً وإنشائياً إلا فيما ندر. ويبدو أن الكتابة المسرحية العربية – وأقول الكتابة المسرحية باللغة العربية الفصحى – قد وجدت ضالتها في التراث العربي بما يعنيه من تاريخ وثنايا معبدة يمكن استغلالها.

وحاولت هذه الكتابة المسرحية أن تعبر من خلال "تورية" ما عن راهنية الواقع السياسي والاجتماعي العربي بشكل شبه طفولي وساذج. فجلّ هذه الكتابة التراثية والتاريخية في جوهرها امتداد للمسرح الرومنطيقي الذي نشأ في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، والقائم على ذلك النموذج الذي تم من خلاله تحويل رواية "الطلسم" The Talisman التاريخية لوالتر سكوت، إلى مسرحية عربية هي مسرحية "صلاح الدين الأيوبي" والتي دشنت بدايات المسرح العربي في بداية القرن العشرين، وتواصل هذا النموذج ( التاريخي – الرومنطيقي) الذي اعتمد الانتقائية في تناوله للمدونة التراثية.

حادثة اقتحام الحرم المكي تم التطرق اليها عام 2019 ضمن المسلسل السعودي "العاصوف" إنتاج mbc، إلا أن مسرحية "ساعة جهيمان" لعبد الحليم المسعودي تبقى الأكثر جرأة في تفكيك هذه الحادثة، استناداً الى العوامل المؤسسة التي ساهمت في نشأة هذا الفكر التكفيري

وقد أنشأت هذه الكتابات المسرحية العربية طوال القرن العشرين حزاماً نظرياً وتنظيرياً ينادي بالـتأصيل والنزوع نحو "قومنة" المسرح في الثقافة العربية المعاصرة، من خلال نتف تنظيرات مستلفة من المسرح الغربي نفسه، ويكفي في هذا الإطار أن نقوم بمراجعة مدونة التنظير المسرحي للكتابة المسرحية، حتى نقف على حقيقة هذه الحذلقة الفكرية والإيديولوجية التي بررت هكذا كتابة مسرحية، وأسقطتها في ذات الوقت على الواقع الاجتماعي والسياسي العربي.

لقد عجّت الكتابة المسرحية العربية الفصيحة، إلا فيما ندر، في التعبير الحي عن الواقع وعن الشارع وعن المجتمع، فيما نجحت الكتابة المسرحية باللهجات المحكية في المسارح العربية بأن تكون أكثر قرباً والتصاقا ًبهموم الناس والنهل من عبقرية "الميثولوجيا اليومية" وتشغيلها فكرياً وجمالياً.

ثمة حرج حقيقي اليوم في لغة الكتابة المسرحية وعلاقتها بالواقع، وهذا الحرج تعيشه الكتابة بالفصحى لعدة أسباب، لعل أهمها صفة القداسة في اللغة العربية نفسها، وكذلك سطوة المقدس والمحرم نفسه، الذي يقلم أظافر الكتابة المسرحية ويمنعها من أن تكون كتابة إخلالية وجريئة.

إن الفتوحات الجريئة في المسرح العربي بشكل عام، وفي الكتابة المسرحية العربية، قد حصلت في اللهجة المحكية أكثر منها في اللغة الفصحى. ونعتقد أن الكاتب المسرحي العربي – هذا إذا وجد طبعاً- لم يوفق لأسباب عديدة في اجتراح لغة مسرحية داخل اللغة العربية الفصيحة نفسها. ثمة جهة غائبة من طرف الكتاب في هذا الشأن الذي يسمح بأن تكون اللغة العربية الفصيحة في قلب الأسلوب التعبيري اليومي درامياً، كما هو الحال بالنسبة للغات الأخرى، كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية.

وما نذهب إليه لا يعني قطعياً أن اللغة العربية الفصحى عاجزة عن التعبير مسرحياً ودرامياً عن الواقع الاجتماعي والسياسي في المجتمعات العربية. الثابت أن الجهد في الاشتغال على اللغة كان ضعيفاً، إن لم نقل منعدماً.

عبد الحليم المسعودي: نعتقد أن المسرح العربي لم يتجرأ على تناول "تراجيدياته" الكبرى، بمعنى جراحاته التي لم تكف عن النزيف إلى اليوم

ولهذا السبب يمكن تنزيل مسرحية "كعبة جهيمان" في هذا المشغل اللغوي الدرامي كتمرين كتابي باللغة الفصحى، في محاورة أكبر "تراجيديا" معاصرة عاشها الوجدان العربي الإسلامي بشكل عام، والوجدان السعودي بشكل أخص.

هذا فيما يتعلق بالسبب المسرحي، أما السبب الثاني الذي دفعنا لتناول شخصية جهيمان العتيبي، فلا يعود في الحقيقة إلى مناقشة الفكر السلفي الجهادي، فهذا أمر في رأيي موكول للمختصين في الفكر السلفي والجماعة والفرق الإسلامية والإسلام السياسي، بل هو سبب تراجيدي بحت في علاقة وطيدة بالمقدس الديني.

ونعتقد أن المسرح العربي لم يتجرأ على تناول "تراجيدياته" الكبرى، بمعنى جراحاته التي لم تكف عن النزيف إلى اليوم. لا أحد ينكر أن فكر جهيمان العتيبي والجماعة السلفية المحتسبة له علاقة عضوية اليوم بجملة المصائر التي عاشها الإسلام السياسي منذ نشأة الجماعة الإسلامية ووصولاً إلى تنظيم داعش. ثمة شجرة قرابة كبرى، شجرة أفقية ترسم مساراً جذمورياً ( Processus rhizomique) بالمعنى الفلسفي الذي يشير إليه جيل دولوز.

شخصية جهيمان العتيبي يمكن اعتبارها الشخصية الأركيتبية لهذه الذات المتوحدة الرافضة للواقع المتغير والحالمة بعالم نقي. وهذا النموذج يتكرر كل مرة منذ ستينيات القرن الماضي، سواء في ظهور زعامات دينية "ثورية" أو ادعاءات نبوة. ثمة وسواس قهري في المجتمعات الإسلامية عند بعض الذوات، يعود بشكل دوري، عندما تستبد بها فكرة الخلاص القيامي.

جهيمان العتيبي في حقيقة أمره ضحية أكثر منه عنواناً للتشدد الديني والعنف. شخصية "مرضية" تتكرر في المجتمعات المحكومة بعقدة الذنب الأزلي، لذلك قدم نفسه بأن يكون مخلصاً، حتى وإن استعمل صهره عبد الله القحطاني. وهذه الشخصية المرضية تمّ تشجيعها سواء من خلال التبني الفكري الفقهي أو من خلال التربة الاجتماعية والثقافية التي سادت مجتمعه.

أعتقد أن جهيمان العتيبي شخصية تراجيدية درامية بامتياز، وفاتنة في نفس الوقت، ومهمة لأنها تمكّن من فهم فجر التعصب و إدراك الأصول البدئية في تشكل الجماعة أو الفئة أو الطائفة المنقطعة عن الملة، من أجل الملة خلاص الملة نفسها. شخصية جهيمان العتيبي تضعك مباشرة في التحديق المباشر مع المقدس، دون أن يكون هذا المقدس مجرد مواجهة لوحش الغورغونا La Gorgone.

وعليه، فإن العتيبي بطل أو بطل مضاد في غاية الأهمية والراهنية اليوم. ومجرد الكتابة عنه – كيفما كان جنس هذه الكتابة – توغل في المحظور والمقدس، لأن درب جهيمان هو درب وعر محفوف بالمخاطر والممنوعات. ولذلك فهو مجرد عنوان، لكنه عنوان أصلي لجغرافيا ممنوعة ومحظورة، جغرافيا معاصرة.

هل الافراج عن وثائق تتعلق بالحادثة بعد عقود من وقوعها كان سبباً كافياً حسب رأيك لفك الارتباط بين الدولة الدينية وبين الثوابت التي بنيت عليها، وأولها الإسلام في نسخته المتشددة؟

في الحقيقة لا يمكن الكتابة عن حادثة الاعتداء على الحرم المكي عام 1979 دون الاطلاع عن أكبر قدر من الوثائق. الكتابة المسرحية حول هكذا أحداث لابد أن تعتمد على جهد طويل واسع من العمل الاستقصائي، وهذا شرط أساسي من أجل متانة أي عمل إبداعي. ثمة عمل وجهد مضني يقوم به الكاتب في ورشته في المرحلة التحضيرية للكتابة. هذا درس أساسي تعلمناه من الكاتب المسرحي الكبير برتولت بريشت من خلال جهده البحثي والتوثيقي من أجل مشاريع كتابة درامية.

لقد أطلعنا من جانبنا على كل الكتابات التي تناولت الحادثة المروعة وكل ما يتعلق بحياة وشخصية جهيمان العتيبي، وهي كتابات غربية أما فرنسية أو إنجليزية، وهذه مسألة في غاية الأهمية، لأنها تنظر للحادثة من الخارج، بكل ما يتعلق بهذه الكتابات من إثارة وتحامل وتسرع في الحكم. لكن هذه الكتابات والوثائق مهمة جداً، لأنها تساهم في رسم الحدود والإطار العام للأحداث. تقارير السفير الأمريكي بالمملكة العربية السعودية، مكنتنا مثلاً من ابتكار دخول نساء مقاتلات في الحرم المكي إبان دخول العتيبي وجماعته للحرم.

الاطلاع على الوثائق أمر أساسي لفهم جملة التقاطعات بين مختلف الأحداث المنفصلة والمتصلة بهذه القضية، سواء على السياسي والمحلي السعودي أو الدولي، لكن هذا كله لا يكفي. لابد من معرفة دقيقة بالمجتمع السعودي والبيئة السعودية في نهاية السبعينيات وهذا أمر في غاية الصعوبة. شحّ الوثائق كان عقبة كبيرة في الإلمام بمجمل التفاصيل الخاصة بالمجتمع السعودي، خاصة في المدينة المنورة زمن نشأة الجماعة السلفية المحتسبة.

عبد الحليم المسعودي: آن الأوان للتحلي بالشجاعة العقلانية لكسر أصنام الأوصياء، لا على الإسلام فحسب، بل المتكلمين باسم الله من أجل التحكم في مصير المسلمين

إن توصيف وإدراك عن هامش الحرية المدنية في تلك الفترة في المدينة المنورة أمر في غاية الأهمية لرصد الانقلاب في الاتجاه المعاكس، وفهم المناخ الذهني العام الذي أنشأ جماعة العتيبي. فالحديث عن الصحراء فقط وتوصيفها وتوظيفها كخلفية مكانية لسردية جهيمان، أي المجال الذي تحرك فيه جهيمان العتيبي، من المدينة المنورة وصولاً إلى مكة، دفعنا لقراءة عدد كبير من المؤلفات حول الجغرافيا الصحراوية السعودية وتفاصيلها.

لكن أهم مرجع في تقديرنا و الذي ساعدنا كثيراً في الجانب العقائدي و السياسي والدرامي، هو الشهادة الشهيرة التي أدلى بها أحد "رفاق" جهيمان العتيبي، وهو ناصر الحزيمي والتي صدرت في كتاب شهير بعنوان "أيام مع الجهيمان" الصادر في بيروت عام 2011، والذي اعتمدناه في بناء الشخصيات الدرامية حول شخصية جهيمان .

ومن المؤكد أن شخصية جهيمان العتيبي لا يزال يكتنفها الغموض، وأنّي على يقين أن مزيداً من الوثائق سيتم الإفراج عنها لتكتمل الحقيقة التاريخية حول هذه القضية، التي لا تعني تاريخ العربية السعودية فحسب بل تاريخ المسلمين جميعاً، كما أنني على ثقة على أن تيار الإصلاح الديني ومشروع العصرنة والانفتاح الذي بدأ يسيطر مساره في العربية السعودية سيكون له دور كبير في " التصالح " مع هذه التروما النفسانية والعقائدية التي تمثلها حادثة الحرم المكي.

نحن نعلم أن ابن باز كان مباركاً لخطوة جهيمان العتيبي كما جاء في المسرحية، وحسب المعطيات التاريخية أيضاً، سماها "الحركة السلفية المحتسبة". لماذا انقلب جهيمان على بن باز وانقلب عليه هذا الأخير؟

الشيخ عبد العزيز بن باز أحد عرابي نشأة الجماعة السلفية المحتسبة في المدينة المنورة في نهاية ستينيات القرن الماضي، وهو أول من دعاهم بالجماعة المحتسبة، وفقاً للمبدأ العقائدي والاحتساب لله. وفي أغلب الظن أن العلاقة بينه وبين الجماعة لم تتعدَّ علاقة الشيخ الأستاذ بالتلاميذ، ولا أعتقد أنه كان يحرضهم على شيء بعينه ضد الدولة السعودية. وأعتقد أن الشيخ بن باز، على وفائه لأولياء الأمر في المملكة، لم يكن فعلاً على دراية بالاختراقات الوافدة للفضاء الذهني والفكري السعودي، وأقصد هنا الفكر المتشدد القادم من مدارس الحديث الباكستانية والهندية، والتي تجاوزت في تشددها ذاك العقيدة الوهابية نفسها.

و بالعودة إلى شهادة ناصر الحزيمي سندرك ذلك، وسندرك أن الجماعة انقطعت فعلاً عن العقيدة الوهابية وتوغلت بعيداً في تأويلات قيامية أو أبوكالبتكية (Apocalyptique) أو لا وجود لها بالضرورة في العقيدة الوهابية، وهو ما يفسر أنه إلى جانب هذه التأثرات التي تلقتها الجماعة، كان ثمة جرح ذاتي خاص بجهيمان العتيبي فيما ما يتعلق بتصفية حسابات سلالية مع تاريخ الثورة الوهابية، ومسيرة توحيد المملكة في الحروب الأولى التي قادها الملك عبد العزيز آل سعود.

والناظر في سيرة جهيمان العتيبي وتصرفاته سيكتشف جدور هذا التمرد الدائم عنده، وهو تمرد يعبر عن مظلومية ما يشعر بها جهيمان حين يرى أن عشيرته لم تتمكن من مكانتها الحق في مغانم الدولة، وهو ما يفسر خروجه عن ولاة الأمر، والذهاب في اتجاه ذاك المصير الدامي، والذي تقوده تلك الفكرة المستبدة بقرب نهاية العالم عبر استقراء علاماته الصغرى والكبرى، وتطبيقها على محيطه البدوي الساذج، وصولاً إلى فكرة المهدوية، كلحظة فارقة في الانخراط في الجانب المظلم.

المسرحية تركز على هذا الهوس الجمعي الذي قاد الجماعة السلفية المحتسبة لاعتناق هذه الطوباوية القيامية، وهو هوس لا يزال قائماً بأشكال مختلفة اليوم في الثقافة الدينية الشعبوية بالولع بالأدب الأخروي وسردياته الشهيرة، ونلمسه اليوم حتى في الخطاب الداعشي وحتى في أناشيدهم وحتى فيديوهات المتعاطفين معهم التي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، بمعنى أنه كلما عبّر هذا الهوس الجمعي بفساد كل شيء يلتجئ إلى بلاغة سردية الأرماغدون.

هل يعود جهيمان مرة أخرى، خاصة وان فكرة المهدي المنتظر متأصلة في الحضارة العربية الإسلامية؟

هنا نرجع الى كتاب الباحثين توماس هيغهامر وستيفان لاكروا، طبعاً سوف يعود جهيمان العتيبي، وبشكل أعتى وأكثر ضراوة، إذ نحن لم نستعيده بالقراءة والتمحيص وتركناه في اللاوعي الباطني وفي المحظور كجرح سيء لا نريد حتى تذكره. أعتقد أنه من مهام الفن هو استعادة النظر في هذه الجراحات التي نحاول تناسيها، وهي في الحقيقة جراحات تنغل بالقيح و الغنغرينا كلما تجاهلناها.

عبد الحليم المسعودي: أعتقد أنني كتبت شيئاً مختلفاً انطلاقاً من واقعة الاعتداء على الحرم المكي، لاستحضار كل الضلال الفردوسي على أعتاب الكعبة المشرفة من خلال الحدس الصوفي

الكتابة حول هذا النوع من التروما الجماعية هو عملية إكلينيكية مهمة وضرورية. هناك اليوم من يعتبر جهيمان شخصية مظلومة، وهناك من يضفي عليه هالة من القداسة والشهادة، والحال أن جهيمان نتيجة لفساد أوضاع لم تحل على المستوى الديني والفكري والثقافي والاجتماعي. ولو تركنا الحبل على الغارب في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية سيعود جهيمان، وسيجد مبررات عدة لإعادة ظهوره وسيجد من ينتظره كمخلص.

ولذلك من واجب الفن، والمسرح خاصة، التنبيه لهكذا أطياف لا تزال تسكن فضاءاتنا الذهنية الخربة وغير المحصنة على المستوى العقلاني والنقدي. و لا يكاد تخلو الحوادث في مجتمعاتنا العربية الإسلامية من ظاهرة هذا الهوس الجنوني بالاعتقاد في مخلّص، و لا تكاد تخلو الأخبار من ظهور من يدعي النبوة أو المهدية أو حتى المسيحانية المخلصة، هنا وهناك. إنها تعبيرات مرضية على فشل المنظومة الاجتماعية والتربوية والثقافية.

كيف وصلت "ساعة جهيمان" الى معرض الكتاب بالرياض؟ أنت بدأت ثلاثية منذ مسرحية "الروهة"، حيث وضعت إصبعك على الرؤية القاصرة للمجموعات الإرهابية التي حولت الشرق الى كهوف وبرك دم وامتدت إلى أفغانستان. هل ما حدث في الحرم المكي كان يمكن أن يكون له شبيه في تونس؟

يبدو أن الأمر كان بمثابة معجزة. ككل كاتب، لا أخفي رغبتي في أن يقوم كتابي بالعودة إلى جغرافية منبعه المتخيل. أن تتواجد مسرحية تتحدث عن جهيمان العتيبي في معرض الرياض وفي العربية السعودية، منشأ جهيمان، فهذا أمر مدهش. لا أخفيك أن الناشر صاحب دار مسكلياني قد بادر بتغيير عنوان المسرحية من "كعبة جهيمان" إلى "ساعة جهيمان"، لأسباب قد يطول شرحها، لعل من بين أهمها الثقل الدلالي للعنوان الأول على المتلقي فيما يتعلق بنسبة الكعبة لجهيمان.

فالناشر ارتأى أن يتحاشى ما يمكن أن يحدثه من التباس دلالي أو سوء فهم، وأعتقد أنه لم يجانب الصواب، لأن المسرحية أيضاً قائمة على استعارة الساعة بكل دلالتها، بما فيها الساعة اليدوية التي وجدها الطفل التونسي الحاج معلقة على إحدى حنفيات بئر زمزم، عندما كانت ثمة حنفيات تقليدية في سبعينيات القرن الماضي.

لقد حضر الكتاب في معرض الرياض وشهد إقبالاً كبيراً من زوار المعرض، خاصة وأن غلاف الكتاب موشح بصورة جهيمان العتيبي. لكن الكتاب في الحقيقة لم يشهد عناية إعلامية من طرف الصحافة السعودية إلى اليوم، ولا ندري أسباب ذلك، كما أن الكتاب لم يوزع في المكتبات السعودية. أعتقد أن الأمر لايزال في دائرة التابوهات في الثقافة السعودية الرسمية، رغم وجود كتاب ناصر الحزيمي الذي أشرنا إليه. كما أن الكتاب لم يتمكن من المشاركة في معرض قطر وحضر في معرض دبي بالإمارات، ثم فيما بعد في معرض مسقط بسلطنة عمان، وهذه في نظري خطوة مهمة.

يبدو جهيمان واثقاً من حمله لمشروع مخلص من الحداثة، وهو مشروع مرتبط بحل إلهي، حيث إنه ينتمي الى مجموعة لا تؤمن بتغيير السلطة إلا من خلال تدخل غيبي. هذه الطوباوية ألا تراها موجودة في داعش؟

لا شك أن علاقة القرابة بين جهيمان العتيبي وبين داعش متينة للغاية. بل يمكن اعتبار جهيمان والسلفية المحتسبة جدة لتنظيم الجماعات الإسلامية المقاتلة. و الطوباوبة المشتركة بين العتيبي وداعش قائمة عندهم دائماً، من خلال تفويض ما قد يتجاوز الاعتقاد في حل غيبي.

منذ كتابك الأول "القماط والأكفان" انتقدت تدخل "أوصياء الإسلام" في الشأن العمومي والخاص، وأشرت في مسرحية "ساعة جهيمان" إلى حادثة المانيكانات، وأنهيت المسرحية بمشهد خارق يرسم عالم التصوف. هل هو البديل في مجتمعات خلاصها العقل؟

أعتقد أن مسرحية "ساعة جهيمان"، التي بدأت في الهجوم على الحرم المكي وانتهت في حضرة الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كانت في الحقيقة، وبدون أن نقصد ذلك، تتبعاً لمسار الإيمان البدائي للملة، وصولاً إلى الإيمان الذوقي والروحي للفرد، أي أن المسرحية ترسم قوسا لامرئياً بين التعصب المظلم إلى التسامح المنير، بناء على جوهر الرسالة المحمدية نفسها. لقد نبهني إلى ذلك وبشكل مفاجئ الفيلسوف فتحي المسكيني حين قرأ المسرحية وفوجئ بالنهاية غير المتوقعة لهذه المسارات الدرامية، والتي قادة الطفل التونسي الحاج محمد إسماعيل، ليلتقي بشكل متخيل بالشيخ محي الدين بن عربي في فضاء الكعبة نفسها.

أعتقد أنني كتبت شيئاً مختلفاً انطلاقاً من واقعة الاعتداء على الحرم المكي، لاستحضار كل الضلال الفردوسي على أعتاب الكعبة المشرفة من خلال الحدس الصوفي. أعتقد أن المسلمين اليوم مطالبون، حضارياً وثقافياً وعقائدياً، باستكناه الجوهر الفردوسي في الإسلام، وأن التصوف على مستوى النخب والتصوف الشعبي على مستوى الجموع قد يعد حلاً من حلول هذه المأزق الفادح في قراءة الإسلام الذي قادنا إليه الإسلام السياسي.

وأعتقد جدلياً أن وجود جهيمان مفككاً كبينية ذهنية ضروري لفهم المعطلات التي تمنعنا من استكناه الطاقة الإبداعية الفعالة التي في الإسلام. وأعتقد أنه آن الأوان للتحلي بالشجاعة العقلانية لكسر أصنام الأوصياء، لا على الإسلام فحسب، بل المتكلمين باسم الله من أجل التحكم في مصير المسلمين.

أعتقد جازماً، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك، أن ساعة جهيمان كانت مساهمة في تأصيل هذا المنزع العقلي والذوقي وحتى التراجيدي، و هو منزع في كتابة مسرحية بديلة، وما أصعب الكتابة المسرحية في هذا الاتجاه .

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard