ينتظرون عودته "ليملأ الأرض عدلاً"... التوظيف السياسي لفكرة "المهدي المنتظر"

الأحد 28 نوفمبر 202109:32 ص


في أعقاب النكبات السياسية والعسكرية، تنهار الآمال وتتبدد الأحلام، وتتستر الخيبات بانتظار "منقذ" مصحوب بإرادة إلهية يأتي لينتشل الناس من براثن الفشل إلى مراقي النجاح. هذا ما جرى مع كثير من الحركات الدينية والثورية على مدار التاريخ الإسلامي، إذ وجدت في فكرة "المهدي المنتظر" وسيلة دفاعية أمام واقعها السيئ، رغم اختلاف الأهداف والمضامين.

والملفت للنظر، بحسب إبراهيم بيضون، في كتابه "الدولة الأموية والمعارضة"، أن كثيرين من المستشرقين، ومنهم الهولندي خِرلوف فان فلوتن، يرون أن فكرة "المهدي" انتقلت إلى المسلمين بتأثير خاص من الفكر اليهودي، وتحديداً من نظرية المُخلّص الذي سيخرج من قبيلة هوذا أو يهوذا، حسبما ورد في سفر التكوين، ما يعني أن الفكرة موصولة كنظرية بجذور خارجة عن البيئة الإسلامية من ناحية، وكممارسة كان دافعها إسقاط النظام السياسي القائم من ناحية أخرى.

ويذكر بيضون أن فكرة المهدي المنقذ لم تكن من ابتكار الشيعة، فغالباً ما تداولها الثوار غير الشيعة على الحكم الأموي، لإضفاء مسحة عقائدية على حركاتهم إزاء سلطة دنيوية الطابع، كان أبرز نقاط ضعفها أن القائمين عليها لم يكونوا من رواد الإسلام التاريخيين.

فالحارث بن سريج، أحد قادة الأمويين في خراسان، اتّخذ هذا اللقب لنفسه عندما انقلب على الدولة الأموية وثار عليها، عام 116هـ، وذلك من موقع تمثيله للمضطهَدين في بلاد ما وراء النهر، سواء من العرب أو الفرس أو الأتراك. ولعل الحارث اعتمد في دعوته على الحديث الشهير "يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث، على مقدمته رجل يقال له منصور، يوطئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله. وجب على كلٍ نصره".

شخصية المهدي ما لبثت أن لبست مَن هم في السلطة والمعارضة على السواء. فالخليفة العباسي الأول أبو العباس عبد الله السفاح أعلن أنه المهدي الذي تحقق الخلاص من الأمويين على يديه، بينما وصل استغلال الخليفة الثاني أبي جعفر المنصور لها إلى حد تلقيب ولي عهده عبد الله محمد بهذا الاسم.

أكثر من ذلك، غزت هذه الفكرة أيضاً بعض القبائل التي كانت تطمح إلى دور سياسي في مجتمع متمزق الأوصال، لتضيف إلى قيمتها ورموزها التاريخية، فوضع اليمانيون بدورهم كل الآمال في "القحطاني المنتظر" ذلك الأمير المتحدر من سلالة "قحطان"، فأعلن عبد الرحمن القحطاني بن الأشعث الذي ثار على الدولة الأموية، سنة 81هـ، أنه "القحطاني المنتظر" الذي ينتظره اليمانية لإعادة الملك في بلادهم، حسب رواية أبو الحسن المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف".

ويقابل القحطاني عند اليمنيين "التميمي" عند المضريين، وإنْ كان لا يتبيّن اسمه، وكذلك اعتقد بنو كلب اليمنيون ببطلهم المنقذ "الكلبي المنتظر".

ويذكر محمد فريد حجاب في كتابه "المهدي المنتظر بين العقيدة الدينية والمضمون السياسي"، أن الحركات المهدوية الإسلامية جذبت العناصر التي كانت تمثل الجماعات المضطهَدة والجماعات الفقيرة كالموالي والعبيد، والجماعات العرقية كالفرس.

فبالنسبة إلى الموالي والعبيد، كانت المشكلات الاجتماعية قد أصبحت منذ وقت مبكر جزءاً من برنامج حركات المعارضة المختلفة لا سيما الشيعة، ويتضح ذلك من مضمون البيعة لزيد بن علي حينما خرج من الكوفة، سنة 120هـ، مطالباً بحق بيته في الخلافة، فبايعه الناس على أن يتّخذ من كتاب الله وسنّة رسوله هادياً وإماماً، وعلى أن يقاتل الحكام الآثمين، ويحامي عن الضعيف، ويقيم العدل في أمر أولئك الذين سلبوا أعطياتهم، ويوزع موارد الدولة بالتساوي، ويستدعي الجنود المقاتلين في البلدان النائية.

وكان بروز المطالب الاجتماعية في كل الحركات المهدوية سبباً في انضمام الموالي والعبيد إليها. ولعلّ أقدم مظهر لذلك يرجع إلى عهد المختار بن عبيد الثقفي الذي جمع حوله الموالي والعبيد عند تأييده لمحمد بن الحنفية والمناداة بخلافته ثم إعلانه في ما بعد أن ابن الحنفية لم يمت وأنه المهدي المنتظر. وازداد بروز هذه المطالب الاجتماعية عند بعض الفرق كالقرامطة الذين أنشأوا دولتهم في البحرين، سنة 286هـ، إثر ثورة سياسية واجتماعية ضد الدولة العباسية، حتى أن بعض الباحثين يعدّونها أول ثورة اشتراكية في العالم.

مهدي الإيرانيين المنتظر

في إيران، مثّل مقتل أبي مسلم الخراساني على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، سنة 137هـ، شرارة لانطلاق عدد من الحركات الشعوبية الفارسية التي سعت إلى إحياء هويتها القديمة بعد زوالها على يد العرب، مستندة في ذلك إلى عقائد دينية سابقة على الإسلام، وجاعلة من أبي مسلم مهديّاً لها.

ويذكر بيضون أن كثيرين من الفلاحين والمهمشين التعساء وجدوا خلاصهم في سقوط الدولة الأموية، لذا تبنّوا بشدة دعوة أبي مسلم الخراساني للدولة العباسية، ذلك الرجل الصلب الذي لا تشغله مطلقاً ملذات الحياة، ووجدوا فيه الشخصية المؤهلة للتعاطف مع أفكارهم ومعتقداتهم، حتى أن الكثيرين منهم رأوا فيه بعد مماته الإمام الحق.

كثيرون من المستشرقين، ومنهم الهولندي خِرلوف فان فلوتن، يرون أن فكرة "المهدي" انتقلت إلى المسلمين بتأثير خاص من الفكر اليهودي، وتحديداً من نظرية المُخلّص الذي سيخرج من قبيلة هوذا أو يهوذا، حسبما ورد في سفر التكوين

وذهب بعضهم في الاعتقاد بأكثر من ذلك، فاعتبره أحد أحفاد زرادشت الذي يحمل اسم "أوشيدربامي"، أو "أوشيدرما"، الرجل الذي ينتظر المجوس ظهوره، كما المهدي بالنسبة إلى المسلمين. وبلغ الأمر بهذه المذاهب أنها رفضت الاعتقاد بموت أبي مسلم، وبقي أصحابها ينتظرون عودته ليملأ الأرض عدلاً، ومنهم مَن حوّل الإمامة من بعده إلى ابنته "فاطمة".

ويذكر غلام حسين صديقي، في كتابه "الحركات الدينية المعارضة للإسلام في إيران في القرنين الثاني والثالث الهجري" (ترجمه إلى العربية مازن إسماعيل النعيمي)، أن دعاة أبي مسلم وأعوانه تفرّقوا بعد مقتله في أطراف البلاد، وشرعوا في الدعوة له، ومنهم رجل يدعى "إسحق"، دعا له في بلاد الترك، فسُمّي "إسحق الترك"، وادّعى أن أبا مسلم حيّ ويقيم في جبال الري وسيخرج في وقت معيّن. ثم ذهب إسحق إلى أكثر من ذلك فادعى أنه هو نفسه نبي ورسول زرادشت الذي لا يزال حياً وسيظهر لإثبات دينه.

المهدي المنتظر يرتدي الثوب السنّي

رغم السمات العامة التي صبغت عقيدة المهدي المنتظر، إلا أنها ارتدت ثوباً سنّياً خالصاً في فترات تاريخية. ويرى حجاب، في كتابه المذكور آنفاً، أن عقيدة المهدي كانت تظهر أحياناً عقب الهزائم السياسية أو العسكرية للمسلمين، لتكون مستودعاً للآمال، ولمحاولة التكيّف مع هذه الهزائم، ومن أمثلة ذلك أسطورة "السفياني المنتظر" التي ظهرت في الأوساط الشعبية السورية، لا سيما بين القبائل اليمانية الكلبية، إذ استمرت هذه الأسطورة تعبّر عن نفسها من آن إلى آخر حتى نهاية القرن الثالث الهجري. وكانت هذه الأسطورة من تدبير الأمويين حتى لا ينقطع الأمل في رجوع دولتهم التي زالت على أيدي العباسيين عام 132هـ.

ولعل السبب في ارتباط هذه الحركة بالشام هو شهود هذه البلاد لأمجاد الأمويين، لذا شعر أهلها بالحسرة حين سقطت الدولة الأموية، ومن ثم اختلطت العوامل السياسية بالأساطير الدينية والتنبؤات في عدد غير قليل من انتفاضات القبائل الشامية.

غزت فكرة "المهدي" بعض القبائل التي كانت تطمح إلى دور سياسي، فوضع اليمانيون آمالهم في "القحطاني المنتظر"، وظهرت شخصية "التميمي" عند المضريين، وكذلك اعتقد بنو كلب اليمنيون ببطلهم المنقذ "الكلبي المنتظر"

ومن أمثلة العقائد المهدوية التي ظهرت عقب الهزائم السياسية التي لحقت بالمسلمين، ما حدث في معظم أرجاء إسبانيا بعد معركة "لاس نافاس دي تولوسا"، سنة 609هـ، عندما روّج المسلمون الإسبان أحاديث منسوبة للرسول تتنبأ بإعادة قهر الإسبان بواسطة المهدي.

ولأن فقه أهل السنّة الذي ساد بصورة عامة في الدولة الإسلامية، لا سيما في العصرين الأموي والعباسي، كان يرفض شق عصا الطاعة، وكان ينظر إلى أي ثورة أو انتفاضة على أنها "فتنة"، كان من النادر أن تظهر حركات سياسية أو اجتماعية مناهضة لنظام الحكم يقودها سنّة في إطار عقيدة المهدي المنتظر، بحسب حجاب.

ولعل من الحركات المهدوية القليلة النادرة في نطاق الفكر السنّي، حركة المهدي بن تومرت في المغرب العربي ضد دولة المرابطين في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي. يذكر كارل بروكلمان في كتابه "تاريخ شعوب الإسلام" (نقله إلى العربية نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي) أن هذا الرجل أقنع الموحدين أتباعه أنه المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، فجمع إلى نفسه مجلساً يتألف من عدد من مريديه، وعرف كيف يتملق الشعور القومي عند البربر باستحداثه الأذان باللسان البربري، وتمكن من الاستيلاء على بعض المناطق في دولة المرابطين قبل أن توافيه المنية عام 524هـ.

وهناك أيضاً حركة مهدي تهامة الذي ظهر في اليمن، حوالي عام 553هـ، وزعم أنه المهدي المنتظر، وتمكن من إزالة الدولة النجاحية في زبيد (412-553). واحتفظ حفيده "عبد النبي" الذي خلفه، سنة 555هـ، بمركزه أحد عشر عاماً، حتى قضى توران شاه من قبل صلاح الدين الأيوبي على هذه الدولة سنة 569هـ، حسبما روى حجاب.

عقيدة المهدي المنتظر عند الشيعة

رغم هذه "الآمال المهدوية السنّية" التي ظهرت في بعض الفترات نتيجة أحداث سياسية، تظل المهدية كنظرية شيعية هي الأكثر تطوراً، إذ كانت نتاج معاناة قاسية ونضال سياسي مرير، فقد كان الحزب الشيعي من موقعه الطليعي في المعارضة هدفاً للسلطة الأموية، ملاحقةً وتصفيةً واضطهاداً، كما كان هدفاً لتآمر العباسيين الذين استأثروا بالخلافة وكانوا أشد ضغطاً من الأمويين على الشيعة، باعتبارهم مصدر الخطر الحقيقي، حسبما ذكر بيضون في كتابه.

بعد معركة "لاس نافاس دي تولوسا"، سنة 609هـ، روّج المسلمون الإسبان أحاديث منسوبة للرسول تتنبأ بإعادة قهر الإسبان بواسطة المهدي

وهكذا، نمت المهدية مع خيبة الأمل في إصلاح النظام الأموي، وتبلورت كعقيدة في غمرة اليأس الذي استبد بالحزب الشيعي بعيد استيلاء العباسيين على الخلافة. وفي تلك الأثناء كان الحزب أمام اختيارين، إما حل نفسه في أعقاب الفشل الذي أصاب مشاريعه في استلام الحكم، وإما إعادة تنظيم نفسه بما يتلاءم والظروف المستجدة التي قضت باستخدام أوراق غير مكشوفة في نضاله ضد السلطة.

ويذكر حجاب أن الاعتقاد برجعة الإمام بعد موته أو اختفائه أو غيبته يشكل عنصراً مهماً في نظرية الإمامة عند غالبية فرق الشيعة، ولا تختلف هذه الفرق إلا في تحديد شخص الإمام الذي ستقدّر له العودة ليرد حق العلويين المهضوم، ويملأ الدنيا حقاً وعدلاً.

ولعل أول إشارة على الرجعة في صورة المهدي كانت لعلي بن أبي طالب، وتُستخلص من أقوال تنسب إلى عبد الله بن سبأ، مؤسس فرقة "السبأية" التي تُعتبر أول تنظيم سري في الإسلام، فقد زعم ابن سبأ أن علياً لم يُقتل وأنه حي لم يمت، وأنه في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض بعد حين. كما زعم أن مَن قتله عبد الرحمن بن ملجم لم يكن علياً با كان شيطاناً تصور للناس بصورة علي، وأن علياً صعد إلى السماء كما صعد عيسى بن مريم، وأنه سينزل من السماء وينتقم من أعدائه.

والملاحظ أن ادّعاء المهدوية لم يصدر من أئمة الشيعة أنفسهم بل صدرت هذه الدعاوى من أتباعهم، وغالباً بعد موت الأئمة أنفسهم، فالأتباع كانوا يستحثون الأئمة لإعلان إمامتهم، ثم يتولى هؤلاء الأتباع بعد موت الأئمة أو استشهادهم نشر الفكرة المهدية، بل وإعلان نبوة الإمام أو ألوهيته أحياناً.

وكثيراً ما كان يحدث بعد موت الإمام أن يعلن أحد أتباعه الأقوياء انتقال الإمامة إليه، أو الزعم بأنه نبي أو إله، وهذا يعني أن السياسة لا العقيدة كانت هي أهم دوافع هذه الحركات المهدوية. فالمختار بن أبي عبيد الثقفي الملقب أحيانا بـ"كيسان" شارك في ثورة مسلم بن عقيل ضد الأمويين، ثم عمل في خدمة عبد الله بن الزبير، ثم انتقل إلى تأييد محمد بن الحنفية ونادى بخلافته، ثم أعلن بعد وفاته أن ابن الحنفية لم يمت وأنه المهدي المنتظر، ثم ذهب المختار إلى ادعاء النبوة لنفسه بعد ذلك.

شيعة يرفضون المهدي المنتظر

الاعتقاد بالمهدي لم يرتبط دائماً بكل فرق الشيعة، فظهرت عند بعض فرقها اتجاهات قوية لإنكار فكرة المهدي المنتظر، أبرزها فرقة الزيدية، والتي لا يؤمن المنتمون إليها بعقيدة الإمام المختفي، وتستند نظريتهم في الإمامة إلى "الإمامة النشطة"، فقد أنكروا حلول النور الإلهي في شخص معيّن من العلويين، وكانت محاولاتهم المستمرة للوصول إلى الخلافة مرتبطة بالجهاد والسيف، بحسب حجاب.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الشيعة الإسماعيلية الذين اضطروا إلى التقية وإخفاء عقائدهم بسبب الظروف التي أحاطت بهم، والتي لم تكن تسمح لهم بالمقاومة العلنية للنظام الحاكم، فلجأوا إلى التقية لا لتبرير عدم الجهاد والاكتفاء بلعن الخصوم، بل لتنظيم قواهم بصورة سرية إلى أن يحين إعلان الثورة.

وفي إطار النظرية الثورية التي تعتمد على أسلوب التنظيم السري، لم يؤمن الشيعة الإسماعيلية بفكرة الرجعة أو اختفاء الإمام وغيبته في المستقبل في صورة "المهدي المنتظر"، بل على العكس هاجموا أصحاب العقائد التي تؤمن بالرجعة. فالمهدي المنتظر عند الإسماعيلية هو إمام حقيقي ظاهر لأتباعه ينظم ويقود نضالهم السري، ولكنه مستتر عن أعدائه، وهو بذلك يختلف عن إمام الشيعة الاثنا عشرية المختفي عن أعين شيعته وأعدائه جميعاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard