امتياز المجرم: شعوره بقدرته على التفلت من العقاب

السبت 26 مارس 202208:07 م

يعود النقاش ليُفتح مرةً جديدةً، ومن أوله، مع كل مجزرة جديدة في حق النساء. جريمة مضافة، جريمة تتكرر فتزيد وطأتها لتصبح أبشع وأشنع. أبشع لناحية التبرير المبطّن بسؤال، وأشنع لناحية التبرير غمزاً من قناة الشرف، والتبرير انطلاقاً من تمييز ملصق بنا نحن الرجال، اعترفنا بذلك أم لم نعترف.

هذه القدرة على إغفالنا لامتيازاتنا، نحن الرجال، هي أيضاً أحد أهم الأسباب الكامنة خلف ارتكاب مثل هذه الجرائم.

هي الجريمة ذاتها بوجوه وأسماء وأدوات مختلفة. بأعداد تزيد أو تنقص. إلا أنها ذاتها في الجوهر: جريمة نابعة من استسهال. جريمة تدور في فلك واحد موحّد، لها بروفايل وصياغة وسرد ووصف، ولها تبرير وحجج. وحتماً، وفوق كل ذلك، لها الكثير من عمليات التجميل. إلا أن أحد أهم مسبباتها هو حقيقة واحدة ثابتة راسخة لا لبس فيها: العامل المساعد على ارتكاب أي جريمة هو شعور الجاني بقدرته على التفلت من العقاب، وقدرته على التنصل من المسؤولية، وشعوره المضمر القوي والكامن بأن هناك من سيضغط على زناد التبرير، بشكل أو بآخر، لينال الجاني حكماً مخففاً، أو ليتفلت من كل ذنب وعقاب.

الجريمة موصوفة: أمّ وبناتها في قرية أنصار في الجنوب اللبناني، وُجدن مقتولاتٍ في مغارة. اختُطفن قبل أسابيع عدة من ذلك. كثُرت الروايات والشائعات والأحكام، وكثُرت معها أوركسترا العفن الذكوري الكامن. لكنها كلها تؤكد أمراً واحداً مؤكداً: هناك سعي حثيث، بشكل علني وغير علني، بشكل ماكر ومخادع، ظهر ذلك أم لم يظهر، إلى البحث عن تفلت ما من الجريمة، سواء على المستوى الاجتماعي، أو الثقافي، أو القانوني، أو السياسي.

الجريمة موصوفة: أمّ وبناتها في قرية أنصار في الجنوب اللبناني، وُجدن مقتولاتٍ في مغارة. اختُطفن قبل أسابيع عدة من ذلك. كثُرت الروايات والشائعات والأحكام، وكثُرت معها أوركسترا العفن الذكوري الكامن

هذه القدرة على إغفالنا لامتيازاتنا، نحن الرجال، هي أيضاً أحد أهم الأسباب الكامنة خلف ارتكاب مثل هذه الجرائم. لا نتكلم عن جرائم القتل بالضرورة، بل عن ارتكابات تخفّ وطأتها وشدتها، أو تزيد، بنسب متفاوتة، لكنها قائمة، وماكثة هناك. نحن الرجال لدينا ما يكفي من امتيازات قادرة على جعلنا أقرب إلى ارتكاب كل موبقات الكون وجرائمه في حق النساء. قادرة على جعلنا أقرب إلى قاتل متسلسل، إن لم يكن بأيدينا فبعيوننا، وإن لم يكن بعيوننا فبأفكارنا ومخيلتنا. هذا الأمان الذي نشعر به نابع من هذه الامتيازات على وجه التحديد. امتيازات ما أن ننطلق لممارستها حتى نُدرَج في عداد المجرمين والجناة، وما أن ننكرها حتى نصبح مجرمين وجناةً بدرجات أكثر خطورة وأشدّ.

لم أكن أفهم هذه المعادلة في السابق. كان الركون إلى هدوء المساواة المتخيلة في اليوتوبيا التي ننشدها يجعلني مطمئن البال لناحية إتمامي واجبي في بعض الممارسات، والكثير من الشعارات والعناوين الرنانة. لكن التكرار يجبر عين النقد لدينا على التفتح لرؤية المشهد بشكل أوسع، ولرؤية ما يكمن خلف سكينة السطح ونعومته وانسيابيته، وأسفلها. هذا العمق المتمثّل في التركيز على التفاصيل التي لا تدركها سوى عين الاعتراف، عين البحث عن التماييز القائم والمؤسس لكل جرم. فالمطمئِن إلى امتيازاته لا يشعر بنقص حقوق الآخرين/ الأخريات، بل يرى من موقعه. يرى بعينه لا بعين الضحية. هو لا يلحظ الضحية ما أن تقع عينه عليها. لا يراها ولا يفهمها. يعدّها من نتاج مخيلته، ويردّها إلى خطأ ما في ملكات الإدراك.

علينا أن نعترف، نحن الرجال، بأننا أسلحة محشوة جاهزة ﻷي إطلاق. أسلحة فتاكة جاهزة ﻷي فعل لاستسهال اقترافه، واستسهال التنصل منه. علينا أن نعترف بأن ما نستسهل ارتكابه في كثير من المواضع يعود إلى حالة التفاوت التي نتنعم بها من دون أي تعب في محاولة نقضها

علينا أن نعترف، نحن الرجال، بأننا أسلحة محشوة جاهزة ﻷي إطلاق. أسلحة فتاكة جاهزة ﻷي فعل لاستسهال اقترافه، واستسهال التنصل منه. علينا أن نعترف بأن ما نستسهل ارتكابه في كثير من المواضع يعود إلى حالة التفاوت التي نتنعم بها من دون أي تعب في محاولة نقضها. علينا أن نعترف بأن كل الأحكام الإطلاقية والكلية التي ننشط في توزيعها لا تؤدّي إلا إلى تبرير الجريمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard