تهميش العلوم الإنسانية في مشاريع الاستبداد... قبل أن نقول وداعاً للتاريخ

الخميس 3 مارس 202201:48 م

ليس جديداً أن يقال إن أغلب قادة التطرف الديني، على المستويين النظري والميداني، من المتفوقين في كليات عملية تخلو مناهجها من العلوم الإنسانية، اكتفاء بعلوم تطبيقية يكفي حفظها لضمان تفوّق أصحاب الذاكرة القوية، أولئك الذين تعجز عقولهم عن التفكير النسبي في قضايا تحتمل وجهات نظر، ولا ترتهن بثنائية الحلال والحرام، أو الصواب والخطأ، فقد يكون رأيي صائباً ورأيك أكثر صواباً.

وتخضع وجهات النظر للتغير تبعاً لزاوية الرؤية والتثبت من المعلومات. النسبية تدعو العقل إلى قبول الاختلاف، والتريّث المنافي لليقين، والتخلي عن التحكّم في رحمة الله التي وسعت كل شيء. ولا يختلف المريض بالتطرف الديني عن الممسوس بالوطنية؛ كلاهما أحادي النظرة.

وليس جديداً أن يقال إن الشعوب تغِيب أو تغيّب في مشاريع الاستبداد، وإن شهد بعض هذه المشاريع نهضة بفائض العرق والدماء وإهدار الأعمار. مكر التاريخ يمنح المهمشين فرص الانتقام السلبي. لم يدافع المصريون عن محمد علي حين أنهت القوى الكبرى مشروعه بمعاهدة لندن عام 1840. ولم ينقذ الألمان هتلر، صاحب التجربة "الوطنية" الشوفينية ومشروعها العلمي الصناعي الذي جيّش فيه الشعب لتحقيق أحلام الزعيم. انتهت تجربتا محمد علي وهتلر بلا عزاء، ونسي الناس تلك النهضة في سنوات صعودها. انتهت التجربتان بمأساة أكبر من هلاك الزعيم. توفيق حفيد الباشا رحب بالاحتلال البريطاني، وحلّ الجيش المصري. وهتلر تابع نسف درسدن، الجريمة الاستعراضية للحلفاء.

مختار أثناء إنجاز نهضة مصر

وليس جديداً أن تتحصن الدكتاتوريات بمشاريع علمية تجريبية. كل دكتاتور يعنى بالعلوم الطبيعية، ويستثمر العلماء، وفي الوقت نفسه يكره العلوم الإنسانية التي يحترف معلموها ودارسوها الجدل والانتقاد، ولا يقدسون أحداً ولا شيئاً. في هذه العلوم لا منافسة بين الموهبة ويقين الزعيم بأنه الأكبر. ليبيا القذافي لم تحتمل النابهين في العلوم الإنسانية والتجريبية معاً، أربعين سنة طاردة. عراق صدام حسين كان أكثر وعياً من القذافي، ضاق بالمفكرين والمبدعين والباحثين في الإنسانيات، وأنفق الملايين على باحثي العلوم الطبيعية في الداخل والخارج. وبعد الغزو الأمريكي طورد العلماء، واغتيل البعض منهم. الدكتاتور الذكي يهمّش العلوم الاجتماعية في صمت، ولا يعلن عليها الحرب، ولو بالسخرية.

ليس جديداً أن تتحصن الدكتاتوريات بمشاريع علمية تجريبية. كل دكتاتور يعنى بالعلوم الطبيعية، ويستثمر العلماء، وفي الوقت نفسه يكره العلوم الإنسانية التي يحترف معلموها ودارسوها الجدل والانتقاد

وليس جديداً على مشاريع الاستبداد أن تتظاهر بالديمقراطية. لكن الوجود الشكلي لمفردات الحياة الديمقراطية لا يكبح المستبد، فتكتسب تصريحاته قوة القرارات، وقراراته قوة القوانين. فطن نابليون إلى استغلال البرلمان في إضفاء شرعية على انقلابه على أهداف الثورة الفرنسية. قاد الجنرال حملته على مصر في أيار/مايو 1798، وبعد ثلاثة أشهر أسس المجمع العلمي المصري. فشلت الحملة وعادت بالمطبعة، ولم يبق منها إلا السفر العلمي "وصف مصر". وفي ظل الاستعمار البريطاني بدأت نهضة فنية مصرية، وتحمل محمود مختار عبء بعث فن النحت، وأسهم الشعب الفقير بقروشه الزهيدة في اكتتاب لتمويل "نهضة مصر"، التمثال المجسد للمعنى صار حقيقة بإزاحة الستار عنه، عام 1928.

نهضة مصر

وليس جديداً أن يحرص الدهاة من السياسيين على التراث الإبداعي لمواطنيهم. تشرشل قال إن الإمبراطورية البريطانية من الممكن أن تتنازل عن مستعمراتها، ولكنها غير مستعدة للتفكير في التنازل عن تراث شكسبير. ويحظى الكاتب المسرحي الأشهر بأهمية خاصة، ويتصدر الاستفتاءات على أبرز الشخصيات في تاريخ بريطانيا. وبمناسبة الانتهاء من توسيع مجرى قناة السويس، في آب/أغسطس 2015، أشار الرئيس المصري أمام عدد من قادة العالم إلى المفكر المصري جمال حمدان، قائلاً: "وها هي نبوءة جمال حمدان تتحقق واقعاً جديداً يجري الآن متدفقاً في مياه هذه القناة". إشارة كافية للاهتمام بجمال حمدان، فخصصت المجلات ملفات عنه، وأعادت المؤسسات الحكومية طبع موسوعته "شخصية مصر".

وليس جديداً أن تتحول تصريحات السيسي إلى قرارات. والجديد الآن هو كلامه، الاثنين 28 شباط/فبراير 2022، عن انهيار التعليم وربطه بسوق العمل. توقف تحديداً أمام خريجي كليات الآداب، "جغرافيا ولا تاريخ ولا بتاع. هو سوق العمل فيه الكلام ده؟". في القاعة ميكروفون واحد، ولسان واحد، فلن يقول مسؤول إن سوق العمل لا مجال فيه حتى لخريجي الكليات العملية؛ لتدني مستوى التعليم، وتراجع كفاءة المعلمين. وأخشى أن يقرر المجلس الأعلى للجامعات إلغاء أقسام التاريخ والجغرافيا وعلم النفس والاجتماع والفلسفة، أو يقلص أعداد الدارسين، فلا يبقى في المشهد إلا من وصفهم أناتول فرانس في رواية "الآلهة عطشى" بأنهم "ليسوا بشراً، بل أشياء".

وليس جديداً أن تتحول تصريحات السيسي إلى قرارات. والجديد الآن هو كلامه، الاثنين 28 شباط/فبراير 2022، عن انهيار التعليم وربطه بسوق العمل. توقف تحديداً أمام خريجي كليات الآداب، "جغرافيا ولا تاريخ ولا بتاع. هو سوق العمل فيه الكلام ده؟"

وليس جديداً أن أكتب عن الدكتور رشدي راشد. درس الفلسفة بجامعة القاهرة، ونال الدكتوراه في تاريخ فلسفة الرياضيات من جامعة باريس. وشغل مناصب في المركز الفرنسي القومي للأبحاث العلمية، وتولى إدارة أبحاث الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم في جامعة دنيس ديدرو بباريس، ومركز الفلسفة والعلوم والفلسفة العربية للعصور الوسطى. وأشرف على موسوعة تاريخ العلوم العربية (صدرت عام 1996 في لندن ونيويورك). وقابلته في مؤتمرات علمية بمكتبة الإسكندرية، ففي عام 2005 قدم دراسة عنوانها "المخطوطات الرياضية الموقّعة بين الرياضيين والورّاقين". وعام 2006 تناول "شروح الحسن بن الهيثم على مجسطي بلطميوس". وقدم عام 2007 دراسة عنوانها "ترجمة النصوص العلمية بين اللغات اليونانية والعربية واللاتينية".

رشدي راشد

وليس جديداً العلم بأن التقدم حزمة واحدة، تتوازى أبحاث الفضاء، والأدوية، واستنباط سلالات زرعية، وتكنولوجيا المعلومات، ودراسة السلالات المنقرضة. لا مكان بيننا لأمثال رشدي راشد صاحب 30 عملاً في تاريخ علوم الحساب والجبر والبصريات الهندسية، وموضع ترحيب الجامعات الأجنبية لإلقاء محاضرات في تاريخ العلوم. بلاد فيها أكثر من ميكروفون، وأكثر من صوت، وتؤمن بأن تاريخ العلوم جزء من الوعي بالوجود، وترميم الذاكرة، وإطلاق الخيال لإدراك أن التراث مفهوم أكثر اتساعاً من علوم الدين. وللعرب والمسلمين أن يفخروا بتراث علمي غزير غيّر العالم، وأسهم في ما بلغته البشرية من تطوّر. دراسة التاريخ والفلسفة تؤكد قدرة الجنس البشري على التجاوز، وديمقراطية التحاور.

يصف أناتول فرانس المحلفين والقضاة الناطقين بلسان الآلهة العطشى للدماء، في سنوات الإرهاب "الوطني"، بأنهم لا يتفاهمون

وليس جديداً أن القليل من النسبية، في الصغر، وقاية في المستقبل من فكر أحادي يمثله البعض من خريجي الكليات العملية والعسكرية والدينية. في خلوّ المناهج من تدريس العلوم الاجتماعية، يتفوق المتفوق وفقاً لقدرة الذاكرة على حفظ المعلومات واستعادتها. العقل غير المدرب على التفكير النسبي يعجز عن النظر في قضايا تحتمل وجهات نظر متعددة. وفي الكليات الشرطية والدينية إرساء لثنائيتيْ الوطنية والخيانة، الحلال والحرام، والتزام هيراركي يحرم الطالب أحياناً من حق الاعتراض أو السؤال، ويضعه في قالب السمع والطاعة. يصف أناتول فرانس المحلفين والقضاة الناطقين بلسان الآلهة العطشى للدماء، في سنوات الإرهاب "الوطني"، بأنهم لا يتفاهمون، "والمرء لا يتفاهم مع الأشياء".

اللهم إني خائف. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard