علاج وانتكاسات وتجّار ألم وتأهب للقتال والأمل... رحلتي مع طفلي المصاب بالتوحّد

الخميس 7 أبريل 202210:54 ص


قبل ذلك الوقت، لم يكن قد سبق لي أن التقيت طفلاً مصاباً بالتوحد، ولا أذكر أنني قرأت مسبقاً شيئاً عن اضطراب طيف التوحد. ربما سمعت باسمه بضع مرات من دون أن أعرف ماهيته، وأظنني شاهدت بطل فيلم أمريكي كان عبقرياً في الرياضيات ولديه متلازمة أسبرغر "توحد عالي الأداء". وبينما كنت أشاهد مع طفليّ مسلسل الرسوم المتحركة الإيطالي "بابلو"، الذي يعاني بطله من التوحد، لم يخطر في بالي أن يكون أحدهما مصاباً بالتوحد.

كان طفلي الأصغر قد تجاوز عامه الأول ببضعة أشهر. تجاوز محنته الصحية التي عانى منها منذ مولده، ولبث بسببها داخل حضانة في قسم الأطفال الخدّج في المستشفى قرابة شهر. كنت أراقبه ينمو ويكتسب الكثير من ملامح وجهي، ويركض حولنا وينطق ببعض الكلمات: "ماما، وبابا، وأكل، وميه، ولأ، وهات، وسيب، وخد"، لكن سرعان ما بات ينسى ما تعلمه من كلمات وراح يفقد حصيلته اللغوية حتى امتنع تقريباً عن الكلام مكتفياً بإصدار الأصوات والمناغاة كالرضع.

عندها، سمعت للمرة الأولى بأن طفلي قد يكون مصاباً بالتوحد، حين أبدت شقيقتي استغرابها من رفضه اللعب مع ابنها وابني الأكبر وكلاها في مثل عمره تقريباً.

لاحظت أن صغيري لا يلعب قط بالألعاب كالصغار، بل يضعها في فمه دوماً وإما أن يلعقها بلسانه أو يهشّمها بأسنانه الصغيرة، وأن لديه شغفاً غريباً بقلب الأشياء رأساً على عقب وإثارة الفوضى وبعثرة الأشياء وتخريبها، كما أنه لم يكن مهتماً بمشاركتنا اللعب أنا وشقيقه الأكبر، ولا يشارك الصغار اللعب بل يكتفي بالمراقبة أو الركض والتحرك بمفرده.

في ذلك الوقت سمعت للمرة الأولى بأن طفلي قد يكون مصاباً بالتوحد، حين أبدت شقيقتي استغرابها من رفضه اللعب مع ابنها وابني الأكبر وكلاها في مثل عمره تقريباً، بفارق عمري لا يزيد عن عامين، وأبدت لي شكها في أن يكون توحدياً. بالطبع أنكرت وقلت إنني كنت انطوائيةً في صغري ولم أكوّن صداقةً واحدةً حتى وصولي إلى مراهقتي، وأنني كنت أكره الاشتراك في الألعاب الرياضية والأنشطة الجماعية وأقضي وقتي في القراءة وأرافق معلماتي بدلاً من الأطفال، لكن أمي قاطعتني نافيةً لتذكرني بأنني كنت أتزعم مخططات اللعب مع شقيقاتي وبنات صديقاتها.

يرفرف مثل بابلو

بت ألاحظ أن صغيري لم يعد يستجيب عند مناداته باسمه ولا ينفذ الأوامر أبداً، ولا ينظر إلى أعيننا إطلاقاً، ولا يدرك الأخطار ويفرّ ويتركنا في الشارع. بات يرفض غالبية أصناف الطعام ولم يعد يأكل سوى البطاطس المقلية ورقائق الشيبسي والشوكولاتة والخبز والطماطم، لكنه مع ذلك يهوى أكل الطين وطلاء الجدران والورق والمناديل، ويكثر من البكاء والصراخ والعض ويدخل في نوبات غضب غير مبررة أو ضحك هستيري، وأدركت أن لديه خللاً في الشعور بالألم والجوع والشبع، وكانت صدمتي كبيرةً حين رأيته للمرة الأولى يرفرف بيديه بضع مرات كما تفعل شخصية "بابلو" في المسلسل الكرتوني، فقررت أن أبحث وأقرأ عن التوحد، لأُصدم بأن طفلي يعاني من غالبية سمات اضطراب طيف التوحد، وقرأت عن طيف الشاشات والحرمان البيئي وأدركت خطورة ترك طفل صغير أمام قنوات أغاني الأطفال لساعات طويلة، فتوقفت فوراً عن تشغيلها، بل مسحتها أيضاً لأتخلص منها، فتوقف عن الرفرفة وبدأ يستجيب عند مناداة اسمه، لكنه لا يزال متأخراً جداً عن الأطفال في مثل عمره، فحتى الأصغر منه سناً سبقوه وأصبحوا يتحدثون بطلاقة بينما صغيري لا ينطق بأكثر من كلمة أو اثنتين في اليوم ويمتنع عن الكلام لأيام.

في ذلك الوقت كنت قد توقفت عن الإنكار الذي غالباً ما يقع فيه ذوو الأطفال المتوحدين بسبب الصدمة، وقررت مواجهة الأب بحالة ابننا لكنه أنكر بشدة، وكان غاضباً مني. أما أهلي فكانوا يلحون عليّ لأخذه إلى الطبيب لكني لم أعرف من أين أبدأ بالضبط؟ هل نذهب إلى طبيب نفسي أم إلى طبيب مخ وأعصاب أم إلى طبيب أطفال؟ أم نلجأ إلى أخصائي تخاطب وتربية خاصة؟

توقفت عن الإنكار، وقررت مواجهة الأب بحالة ابننا لكنه أنكر بشدة، وكان غاضباً مني. أما أهلي فكانوا يلحون عليّ لأخذه إلى الطبيب لكني لم أعرف من أين أبدأ بالضبط؟ هل نذهب إلى طبيب نفسي أم إلى طبيب مخ وأعصاب أم إلى طبيب أطفال؟ أم نلجأ إلى أخصائي تخاطب وتربية خاصة؟

رحلة العلاج

وبدأت رحلتنا أنا وصغيري مع الأطباء ومراكز التخاطب، حين كان قد تجاوز عامه الثاني بتسعة أشهر. قالت لي أخصائية التخاطب التي تظهر أحياناً كضيفة على التليفزيون، إنها ستجري اختبار التوحد لطفلي، وبعد تحصيل قيمة الاختبار بالإضافة إلى ثمن الجلسة تفاجأت بإخراجها طفلي من الغرفة ليبقى مع أمي في الخارج، وبدأت بطرح الأسئلة عليّ حول سلوكيات طفلي، وهي تمسك بحزمة أوراق تحتوي على جداول استقصائية، عرفت في ما بعد أنها تعرف باختبارَي "كارز وجيليام" لقياس التوحد، وفي الجلسة التالية أعطتني تقريراً مطبوعاً ذكرت فيه أن هناك احتمالاً كبيراً لكون طفلي مصاباً بالتوحد، ومع ذلك منحتني بعض الأمل بأن يكون هذا هو تأثير تعرضه للشاشات لساعات طويلة منذ كان رضيعاً، فقد كان بكاؤه شبه المتواصل لا ينقطع إلاّ بوضعه أمام قنوات أغاني الأطفال والرسوم المتحركة.

وما إن بدأت الأخصائية جلستها الأولى مع ابني، حتى رفض تماماً التواصل معها أو تنفيذ أي أمر لها أو الجلوس على الكرسي، فكانت الصدمة حين قالت لي إنها لن تتمكن من التعامل معه بسبب فرط الحركة، إلا إذا تم إعطاؤه مهدئات، وأحالتنا إلى طبيب المخ والأعصاب، الذي طلب رنيناً مغناطيسياً على المخ ورسماً له، وقرر إعطاء الطفل منشطات للمخ بجانب المكملات الغذائية التي كنت أعطيها له بالفعل بناءً على نصيحة طبية سابقة، لكن تملكني الخوف من الآثار الجانبية السلبية لإعطاء طفل في عمر عامين مهدئات ومنشطات، فقررت تغيير الأطباء والأخصائيين.

كانت نظرات الأخصائية الشابة في مركز إعادة التأهيل الذي قصدناه بعد ذلك كسهام ترشقني بلا رحمة. 

كانت نظرات الأخصائية الشابة في مركز إعادة التأهيل الذي قصدناه بعد ذلك كسهام ترشقني بلا رحمة. تتأمل تصرفات طفلي بدهشة واشمئزاز، وكأنها لم تتعامل مع حالة مماثلة لطفل متوحد... كان صغيري مستمراً في الحركة العشوائية ولعق الكرسي المكسو بالجلد ولعق حجاب الرأس الذي ترتديه الأخصائية الشابة، ولعلها انزعجت لأننا كنا في بدايات ظهور جائحة كوفيد19 وتفشيها، بينما لعاب صغيري يغطي ثيابها ومكتبها. أخذت تسألني عما إذا كان الطفل معتاداً على تلك التصرفات، وحين حاولت التواصل معه كان يتجاهلها ويلتصق بي باكياً ويرفض الجلوس على الكرسي، وللمرة الثانية يحدث الشيء نفسه ولا أجني سوى حسرة وغصة في الحلق وضياع وقت استقطعته من دوام العمل بعد حصولي على إذن في ظل تبرم صاحب العمل، وبضع مئات أنفقها على ما يُعرف بتقييم حالة الطفل، وفي النهاية قالت لي إنه بحاجة إلى تنمية المهارات، وإنها لن تستطيع التعامل معه بحالته تلك.

الشعور بالذنب

خرجت من مركز إعادة التأهيل بقلب مثقل بالحزن، وبعد أسبوع تعرضت للإجهاض وعانيت بسببه من مضاعفات امتدت لثلاثة أشهر تخللها شهر رمضان وعيد الفطر وأجواء صيفية حارة خانقة وتفشي فيروس كورونا الذي راح يصيب الأهل والأصحاب حتى أُصبت به أنا وأسرتي أيضاً.

خلال تلك الفترة التي انقطعت فيها عن محاولة علاج طفلي واكتفيت فقط خلالها بإعطائه المكملات الغذائية، كنت أغرق في اليأس، وأشعر بوحدة قاتلة تلتهمني، وأستمر في لوم نفسي ويلومني من حولي متهمين إياي بأنني السبب تارةً لأني كنت أجلسه بجواري أمام قنوات أغاني الأطفال بينما أعمل أونلاين لتوفير جزء من احتياجات الأسرة، أو لكوني وضعته قبل انتهاء الشهر التاسع من الحمل لأن وضعي الصحي كان سيئاً، ولأن رئتَي الطفل لم تكونا مكتملتين عند ميلاده بسبب خطأ طبي وقعت فيه طبيبتي، أو بسبب اكتئاب الحمل والولادة الذي مررت به، فأغرق بالذنب والشعور بأنني السبب في ما حدث له.

عندما انقطعت عن محاولة علاج طفلي، كنت أغرق في اليأس، وأشعر بوحدة قاتلة تلتهمني، وأستمر في لوم نفسي ويلومني من حولي متهمين إياي بأنني السبب تارةً لأني كنت أجلسه بجواري أمام قنوات أغاني الأطفال بينما أعمل أونلاين لتوفير جزء من احتياجات الأسرة

اضطرابات حسّية

انتشلتني صديقتي من يأسي وشبح الاكتئاب الذي عاد يترصدني، وبثت الأمل في نفسي لأن ابنتها تحدثت للمرة الأولى بعد بلوغها الثالثة، وعرّفتني بقريبتها أخصائية التخاطب التي ساعدت على شفاء طفلتها من حالة الحرمان البيئي والتأخر اللغوي، وبدأت أبوح لها بمخاوفي وسلوكيات طفلي التي تزداد سوءاً وغرابة يوماً بعد يوم، وخاصةً تناوله الأشياء غير الصالحة للأكل، ولدهشتي أخبرتني بأن ولدي لديه اضطراب في التكامل الحسي، وأن عليّ البحث عن مركز للتخاطب لديه هذا التخصص، وهو بالمناسبة يُعدّ نادر الوجود مقارنةً بتخصصات التخاطب وتنمية المهارات وتعديل السلوك والمهارات الأكاديمية وعلاج صعوبات التعلم.

بعد رحلة بحث لأسابيع، وجدت ضالتي في أحد المراكز الذي يقع في حي سكني آخر يبعد عن مكان سكننا، فأضطر إلى السير مع طفليّ لمسافة طويلة تُتعِب أقدامهما الصغيرة وركوب ثلاث وسائل مواصلات قبل أن نصل إلى المركز. في المرة الأولى التي أتيت فيها بطفلي إلى جلسة التقييم وجدته للمرة الأولى يتفاعل وينفذ الأوامر، بل إنه عانق الأخصائية وقبّلها وهو شيء لا يفعله طفل متوحد مع الغرباء، فقررت المداومة على إحضاره إلى هناك.

لكن جلسة التكامل الحسي الأولى بالنسبة إلي كانت جحيماً، فما إن أُدخلنا أنا وطفلي، بحكم أنها المرة الأولى، إلى غرفة التكامل الحسي الغارقة في الظلام والأضواء الليزرية الفسفورية المتحركة والأصوات الإلكترونية، حتى دخل طفلي في نوبة من البكاء والصراخ وكانت محاولات جعله يجلس على ساقي أمام جهاز العمق البصري معاناةً حقيقيةً، فقد كان مستمراً في الركل والضرب والصراخ. بعد نهاية الجلسة عدت مع طفلي إلى البيت في وقت متأخر بقوى خائرة وجسد منهك.

وقررت مديرة المركز أن طفلي يحتاج إلى تنمية المهارات بجانب التكامل الحسي وأن يخضع لست جلسات أسبوعية. كان ابنى يتقدم بخطى واسعة خلال الشهور الثلاث الأولى، ويزداد الأمل في داخلي بأن يتعافى ويتكلم قريباً أو حتى يخلع حفاضه، ولم أكن أعلم أننا على موعد مع انتكاسة جديدة.

لست الوحيدة التي تمر بتلك التجربة. كلنا مررنا بمراحل الصدمة والإنكار والذنب، وكلنا نكافح وحيدات لعلاج أطفالنا، وكلنا نمر بالإرهاق ونوبات الاكتئاب واليأس، وكلنا مستنزَفات مادياً نفكر بقلق في الغد وتدبير نفقات العلاج.

أمهات يتأهبن للقتال

لم أعرف أنني بقدومي إلى المركز لثلاثة أيام أسبوعياً، سأكون جزءاً من جلسات الدعم الذاتي ومشاركة التجارب التي مررنا بها كأمهات مع أبنائنا خلال ساعات الانتظار الرتيبة، وعرفت للمرة الأولى أنني لست الوحيدة التي تمر بتلك التجربة. كلنا مررنا بمراحل الصدمة والإنكار والذنب، وكلنا نكافح وحيدات لعلاج أطفالنا، وكلنا نمر بالإرهاق ونوبات الاكتئاب واليأس، وكلنا مستنزَفات مادياً نفكر بقلق في الغد وتدبير نفقات العلاج، وكلنا مرهقات نتظاهر بالقوة لأجل أطفالنا وأحياناً تخور قوانا فتنهمر دموعنا لأتفه الأسباب، وكلنا خائفات من المستقبل المجهول لأطفالنا التوحديين، وفي داخل كل منّا ندوب وجروح لن تندمل، بسبب تنمّر تعرض له أطفالنا أو نظرات استهجان واشمئزاز رُشقنا بها، أو تساؤلات الفضوليين وكلمات الآخرين الجارحة، وكلها أمور تجعلنا في حالة ترقب للقتال دفاعاً عن صغارنا العاجزين عن النطق والدفاع عن أنفسهم.

قصص الأمهات كانت ملهمةً. كثيرات منهن جئن من قرى ريفية بعيدة، وبعن كل ما يملكن لمحاولة علاج أطفالهن، وقصدن العديد من الأطباء بينهم الكثير من المشاهير الذين لا يقلّ ثمن الكشف فقط لديهم عن ألف جنيه مصري، وبالطبع قبل الهبوط الثاني للجنيه، ورحلة الأشعة والفحوصات الدماغية وفحوصات المعادن بالدم وكلها تتطلب آلاف الجنيهات، وخضوع أطفالهن لجلسات أوكسجين مضغوط قد يسبب لهم إعاقةً سمعيةً، وشراء مكملات غذائية بآلاف الجنيهات وأعشاب مثل المورينغا وفطر الأسد وطحالب المورينغا، ناهيك عن المهدئات وأدوية الصرع والفصام والكهرباء على المخ التي يعطيها الأطباء لأبنائهن لشهور وسنوات من دون أن يُشفى أحد منهم، حتى الطفل الوحيد المتعافي في هذا المركز الذي نقصده اتّضح أنه كان مصاباً بالفقر البيئي وليس بالتوحد!

نقطة الصفر

مرّ طفلي بالانتكاسة الأولى بعد ثلاثة أشهر من الجلسات المكثفة، وانهارت أعصابه داخل غرفة التكامل الحسي وراح يصرخ وينتحب حتى أجبرتهم على إخراجه واصطحبته مغادرَين. في ذلك اليوم قررت الانتقال إلى مركز آخر خاصةً أن أسعار الجلسات كانت لديهم أعلى من المعتاد، ولكن ما إن رأى الأخصائية الجديدة حتى راح يصرخ ويلقي بنفسه على الأرض ويقوم بعضّها وغرس أظافره في يديها. حاولت إعطاءها فرصةً أخرى لكن تكرر الأمر نفسه، لأضطر إلى العودة إلى المركز الذي كنا نذهب إليه. في ذلك الوقت حاولت إلحاق طفلي الذي تجاوز عامه الرابع بدار حضانة فيها قسم للتخاطب، إلاّ أن مديرتها قالت لي نصاً أن أبحث له عن دار رعاية فيها دمج لأن حضانتها لا تأخذ حالاتٍ مثل طفلي، لتصيبني بحسرة جديدة.

شهور تمضي وحالة طفلي لا تتقدم بالرغم من الجلسات المكثفة التي رفعنا عددها وأضفنا إليها جلسات التخاطب، وبعدما كان الطفل ينطق بعدة كلمات خلال الجلسة الواحدة توقف عن الكلام وأصبح يصدر أصواتاً مكررةً ومزعجةً طوال اليوم، ولاحظت بوضوح كم يتعمدون الإطالة وتضييع الوقت للحصول على المزيد من المال. فلكي يعلّموه اسم حيوان ما يستغرقون جلستين أو ثلاث وليعلّموه تركيب المكعبات أو بازل الأشكال الهندسية يستغرق الأمر شهرين. بدأت أشعر بأنني أتعرض للخداع، قبل أن أكتشف أن طفلي الذي قيّمت مديرة المركز حالته بأنها نقص في التكامل الحسي، لم يكن كذلك وأنه يبدي أعراض فرط حسي على النقيض من ذلك بجانب عوارض اضطراب بيكا. وبعد جدال ومواجهات بيني وبينها اكتشفت أن من نناديها بـ”"الدكتورة" هي مجرد أخصائية تخاطب تخرجت من كلية التربية النوعية وحصلت على دورة تدريبية قصيرة لتتعامل مع أجهزة للتكامل الحسي من دون وعي كافٍ، وأنها لم تحصل أبداً على دكتوراه ولا حتى ماجستير أو دبلوم، وتالياً أساءت تشخيص حالة طفلي الذي تعرّض لانتكاسة جديدة هي الأسوأ، ولم تنتهِ بنوبة الغضب التي أجبرتنا على مغادرة المركز والتجول معه أنا وشقيقه الأكبر في الشوارع وهو يصرخ ويبكي ويتشنج والناس من حولنا إما متسائلين أو يحاولون إسكاته بالحلوى من دون جدوى.

بعد أسبوع بدأت هستيريا ابني بالتوقف عقب انقطاعه عن الجلسات، ووجدت نفسي أبدأ عهداً جديداً مع طفلي الذي وجدت وقتاً أطول لمراقبته والتقرب إليه. غمرته بحبي وحناني وكلمات التشجيع والثناء، فصار يغمرني بالأحضان والقبلات ويتواصل معي بعينيه في معظم الوقت

حين عدنا إلى المنزل كنا على موعد مع الأسبوع الأسوأ على الإطلاق وكأن طفلي أصيب بالجنون؛ يستمر في الدوران حول نفسه والصراخ الهستيري ويمتنع عن الطعام والشراب ولا ينام أكثر من خمس دقائق، ولا يسمح لي بمغادرة الفراش وهو نائم ولا الدخول إلى الحمام بمفردي أو إغلاق أي باب وتركه بمفرده لثوانٍ. كدت أفقد صوابي ورحت أتواصل مع العديد من المتخصصين في مصر وخارجها وكان هناك إجماع على خطأ في تشخيص الحالة وضرورة وقف الجلسات إلى حين إعادة التقييم، أي أنها نقطة ونعود إلى بداية السطر وكأن كل ما مضى راح هباءً منثوراً.

في النهاية عرفت أن أسباب اضطراب التوحد ليست معروفةً بشكل قاطع، لذا لا يمكنني لوم نفسي، وأن أفضل ما أفعله هو تقبّل ابني كما هو.

إعادة اكتشاف طفلي

بعد أسبوع بدأت هستيريا ابني بالتوقف عقب انقطاعه عن الجلسات، ووجدت نفسي أبدأ عهداً جديداً مع طفلي الذي وجدت وقتاً أطول لمراقبته والتقرب إليه. غمرته بحبي وحناني وكلمات التشجيع والثناء، فصار يغمرني بالأحضان والقبلات ويتواصل معي بعينيه في معظم الوقت. قرأت منهج "صن رايز" الأشهر في علاج التوحد، وعرفت أن دور الأم أكثر أهميةً من دور الأخصائي بالنسبة إلى الطفل. أصبحت أتواصل مع المتخصصين والعديد من ذوي أطفال التوحد في العالم العربي عبر مواقع التواصل وأُكثر من القراءة ومشاهدة مقاطع الفيديو التي تعلمني كيفية مساعدة ابني، واشتريت العديد من أدوات "منتسيوري" لتنمية مهارات طفلي وتعليمه، وأخيراً بدأت أجني بعض ثمار جهدي، فعلى الأقل استقرت حالته نسبياً، وصار يتواصل معي بشكل أقرب إلى الطبيعي وينفّذ غالبية الأوامر وقلّت نوبات الغضب واختفت معظم سمات التوحد، وإن كان بعضها يظهر على استحياء من حين إلى آخر.

باقترابي من طفلي أدركت أنه يمتلك الأحاسيس والذكاء والذاكرة الجيدة وأنه لم يكن غبياً أو ميؤوساً منه كما أوهمني تجار أوجاعنا في المراكز الهادفة للربح، وأن ما علّموه إياه في شهور كان يتعلمه معي في أيام، فقد كان بحاجة إلى الحب والفهم والثقة والكثير من الصبر.

في النهاية عرفت أن أسباب اضطراب التوحد ليست معروفةً بشكل قاطع، لذا لا يمكنني لوم نفسي، وأن أفضل ما أفعله هو تقبّل ابني كما هو والقبول بالقدر، إذ إن العلماء لم يصلوا إلى اليوم لعلاج جذري لهذا الاضطراب، وأن كل الجهود المبذولة هي لإعادة تأهيل الأطفال وتحسين حالتهم وليس شفاءهم، وأن مشواري مع طفلي شاق وشائك لكني مستعدة لفعل أي شيء لأجله ولن أتخلى عنه أبداً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard