عن الموت... عندما حلّ الخروف بديلاً من جدّي

الثلاثاء 5 أبريل 202201:23 م

تنويه

لا أثر للخيال في هذه المادة. قد يبدو مريعاً أنني عشت في هذا الشكل، لكن هذه هي حياتي التي تشبه حياة كثيرين صادفتهم وعشت معهم. هذه هي حياة الناجين الذين عبروا برؤوسهم إلى ما خلف سور الوصايا، فما كان أمامهم إلا المزيد من الخوف والفراغ.

البيئة القاسية ليست تلك التي حياتها قاسية فحسب، بل التي تنظر إلى الموت بطرق قاسية ومروّعة.

فصل التدرب على نبذ الحياة

البيئة القاسية ليست تلك التي حياتها قاسية فحسب، بل التي تنظر إلى الموت بطرق قاسية ومروّعة. لن يتصالح الكائن البشري مع الموت. قبالة ذلك يرمي تأويلاته ويبثّ خيالاته اللا نهائية إزاء ما بعده. كنت هناك، في المكان الذي يفكر في الموت أكثر من الحياة، حيث تتقافز الوعود وآليات العقاب فوق حساء العائلة، وحيث تنطّ فئران الموت من كلّ زاوية وتقرض حياتنا إلى الأبد، كما لو أنها قطعة قماش قديمة. الحياة هي المسافة التي نتصارع فيها مع الموت. ليست الحياة سوى تنويعة على الموت، لذا هي مسافة إلى محو محض أو اختبار أكبر مما يحصل في المدرسة، هكذا نعلم، وعبر هذه الخلاصات نمر ويجب أن ننصهر داخل هذه الحقيقة ونتكوّر.

هذا ما يبثه الموروث الدينيّ والمزاج الثقافيّ الملتوي. إن الحياة مجرد مزحة، أو أقل من ذلك، بينما يكمن المعنى -كلّ المعنى- خارجها، فهي "دنيا" على أية حال، وتكمن المتع وتقبع اللذائذ هناك، في المجهول، في ما بعد الحياة، حيث الخمرة والنساء والغلمان والذهب والتفاح، في ما فوق الحياة بالمعنيَين الرمزي والفيزيائي كذلك. هكذا تربينا، وهكذا تشكلت أولى أفكارنا عن الموت والحياة معاً. ربما تجميل الموت أسهل ما يرثه المرء هنا. يتدرب طوال الطريق على تهميش حياته قبالة الموت المخيف والجميل والمغري، حيث يقوم العدْل من سباته، وتحقق المساواة غايتها النهائية، وهذه خلاصة ما تدرّبنا عليه، بالإضافة إلى ما يحمله الموت من مخاطر وهواجس وحقائق تُدرَك بشكل فردي.

هذا ما يبثه الموروث الدينيّ والمزاج الثقافيّ الملتوي. إن الحياة مجرد مزحة، أو أقل من ذلك، بينما يكمن المعنى -كلّ المعنى- خارجها، فهي "دنيا" على أية حال، وتكمن المتع وتقبع اللذائذ هناك، في المجهول، في ما بعد الحياة، حيث الخمرة والنساء والغلمان والذهب والتفاح

مات جدّي

كنت أقل من طفل حين تطاير زجاج الحياة من فوقي. بلا حماية أواجه شبح الموت. لقد مات جدي في العام 1998، وأدركت ببراءة مفرطة أنه مات بالمعنى الذي أفهمه الآن، أي أنه لن يذهب إلى العمل لا غداً ولا بعد غد، ولن يتشاجر مع زوجته على درجة حرارة الشاي أو الغرفة كما هو معتاد، ولن يصرخ على أطفال الحيّ في اليوم التالي، ولن يستلم راتبه التقاعدي ويعطيني ما تيسّر. لقد اختفى جدي كما لو أنه لم يكن موجوداً منذ البداية.
في الأشهر اللاحقة لموته، جاءت جدتي بثور ضخم من ذوي القرون الملتفة على نفسها، ليحل مكان الجد بالمعنى الرمزيّ. وهذا الثور في الموروث الدينيّ والشعبيّ يُسمى أضحيةً تُنحر في فجر اليوم الأول من عيد الأضحى، وهكذا استُبدل جسد الجدّ بجسد خروف.

صعدنا، الجدة وأنا، لنعطي للخروف الأكل والماء فهو مربوط على سطح المنزل. ولأن جدتي تشعر بأن ثمة جزءاً من جدي في هذه الأضحية، وبأن هذا الخروف هو أحد تمثلات الجدّ المتوفّى حديثاً، لذا ما أن ثغا الخروف حتى دمعت عيناها، وأوشكت على الصراخ، وحدثت نفسها بصوت عالٍ: "صوته يشبه صوت جبر"، وتقصد صوت الخروف، ثم التفت إلينا الخروف الوديع وحدثتني بألم: "بيبي باوعله مو يشبه جبر"

ثمّة حكايات وأحاديث يتداولها الناس بشكل يومي عما بعد الموت، تشمّ عبرها روائح جثث تُشوى، وأخرى تتقطع.

(تقصد أنه يشبه جبر)، وجبر هو جدي الذي اختفى وحلّ بدلاً منه خروف سالت دماؤه في الفجر على يد الجزّار الأكثر خبرةً في الزقاق.

في الطور الأول من الطفولة هكذا بدأت علاقتي بالموت؛ أضحية، وجدٌ لن يعود. ذهبنا لزيارته في ما بعد إلى "وادي السلام"، المقبرة المعروفة في النجف، وأخذنا الطعام والشاي، وكانت تلك أول سفرة إلى خارج بغداد أتذكرها. أول سفرة كانت عندما ذهبنا إلى القبور. لكن هذه العلاقة الشائكة والملتبسة خضعت في ما بعد لتغيرات لا يمكن تصديقها على نحو منطقي، لكن الرابط الأساس في كل أطوار علاقتي بالموت هو الخوف كما هو الحال عند غالبية البشر.

بالقليل من الانتباه عرفت أن الموت يريدك أن تمر خالياً من الذنوب، إلى الحديقة الكبيرة، إلى أشجار التفاح وملاعق الذهب. بخلاف ذلك، ستنال منك الأفاعي، وسيدخل ثعبان الصواب من دبرك ويخرج من أنفك، ومؤخرتك ستكون مكاناً جيداً لأرطال من الحديد تدخل كما لو أنك قد أصبحت طريقاً سريعاً لمرور المعادن، وسيسلخ جلدك الطّري لو فكرت في ما يعيق مرورك إلى النهر الأزلي. بخلاف ذلك ستصبح وقوداً لجهنم، لذا لا مجال في الحياة للأخطاء، لأن عصا الموت تترقب.

ثمّة حكايات وأحاديث يتداولها الناس بشكل يومي عما بعد الموت، تشمّ عبرها روائح جثث تُشوى، وأخرى تتقطع. لا فرار غير الحفاظ على جسدك من الخطيئة والشر. لربما المفهومان غير واضحين بالنسبة إلى الصبي المرتعد الخائف وقتها، لكنه سيموت حتماً، ولا خلاف على ذلك، لذا حاذر. مت نقياً تقياً، بلا أخطاء، ولا عصيان لأوامر الجدة، ولا شتائم لمن يسرق كراتك الزّجاجية، ولا صراخ في وجه الأم، ولا ركض خلف عربة بائعي الحاجات المستعملة، فأين ستفرّ من العذاب لو فعلت ذلك، وأنت من لحم وعظام لا تسمح لك بمقاومة الملائكة الأفذاذ منفذي العذابات وسالخي الجلود ولاعقي جراحك الأبدية؟

في الأشهر اللاحقة لموته، جاءت جدتي بثور ضخم من ذوي القرون الملتفة على نفسها، ليحل مكان الجد بالمعنى الرمزيّ. وهذا الثور في الموروث الدينيّ والشعبيّ يُسمى أضحيةً تُنحر في فجر اليوم الأول من عيد الأضحى، وهكذا استُبدل جسد الجدّ بجسد خروف.


فصل الجوع والشتائم

نلهو في الشارع صبياناً حيث لا مكان في المنزل للّعب لضيق مساحته، وصار لنا في الزقاق أقران يشاركوننا اللهو والجري، ولا أعرف متى أطلق "أحمد البتي"- وهذا لقبه- سهمه في وجه الإله موجهاً إليه شتيمةً غريبةً من نوعها. لقد حلت الكارثة، ولا أحد يجب أن يعرف أن "البتي" قد فعل ذلك، ولا أحد يجب أن يرى دم تلك الجريمة. يجب مسح الآثار كلها بعناية، لكن الجريمة التي تقترفها في الصباح، تنال منك في السّماء، وتنفرد بك وحيداً قبل النوم. ليلتها نمت وأنا أرجو من الملائكة في قسم مراقبة الذنوب أن تشطب خطيئة سماعي تلك الجملة. لقد رجوتهم كثيراً حتى نال مني النوم والبكاء قبله. لقد أخبرتهم بأن أحمد من فعل ذلك ولست أنا. أرجوكم فسِجِلّ أحمد، لأنه قريني وصديقي، قريب من سجلّي. يُرجى الانتباه أيها الكاتب، أنا لست أحمد. أنا إيهاب، وهذا اعتقاد ربما سائد لدى الأطفال، بأن صديقك ملفه عند الملائكة قرب ملفك، وربما يخص مديتني التي وُلدت فيها.

يقال إن القصص والحكايات تُنضج المرء، هذا ما يتداوله الجميع في السر والعلن.

ملطخاً بالدماء يصرخ جزّار السوق على الجميع، وفي يده سكين تقطر دماً وفي فمه سيجارة دخانها يرسم أشكالاً غير متوقَّعة في الفضاء. هذا هو، وهذه صورته الأرضية. هذا ملاك يعذّب. هكذا يُعذّب جدي في مكان ما، مثلما يحصل الآن للأبقار والخراف. جدي شجاع لكنه مقيّد بسلاسل الذنوب، ومقيّد بحبال المعاصي. بينما يضرب الجزّار عنق الخراف، ينزل الدم حاراً والجسد يلفظ أنفاسه خاوياً. هذا هو الملاك الجميل الذي يقيم العدل، ويأخذ الثأر من جدي. ثأر الذين أساء إليهم الجدّ ذات يوم.

مخاطباً نفسي: ما زلت صبياً، افعل ما تشاء، ثم صلِّ بعد ذلك، وسوف يسجل أحدهم حسنةً فتتكور تلك الحسنة وتتحول إلى كرة من نار، وتحرق سيئةً فعلتها في ما مضى، أي بمعنى ثمّة هامشٌ للخطأ. وأخيراً وجدتها أيها المرح الصغير، دعك من الألم، وأزح جانباً سجلّ السيئات. تعال وافعل صواباً، لتتعادل كفّتا الميزان. صلِّ أيها الصغير، واختنق في صلاتك بالدمع توسّلاً، فما هي إلا أيام وسيأتيك فصل الجوع.

في الفجر، هبّ الجميع في مشهد غريب إلى المائدة. ليس وقت الطعام يا أمي، ليس وقت العشاء يا أبي. بادرت عمتي على الفور هل تصوم؟ نعم قلت من دون تردد، فبدأ فصلٌ جديد من الحياة. عرفت أننا في رمضان الذي يُمنع في نهاره تماماً الأكل والشرب. خضعت لذلك كي أدفعه ثمناً للأخطاء والمشاكسات التي سبق وفعلتها، فالحسنات تُذهب السيئات، لكن في الظهيرة القاسية تلك نال الجوع مني، ونال العطش من براءتي، ولا أحد يفتح الثلاجة، ولا أحد في المطبخ، ولا أحد في الباحة. أخذت رشفةً سريعةً من الماء البارد ورغيفاً بحجم الإصبع، التهمته ويدي على فمي، وخرجت مسرعاً إلى الشارع، لأناشد الملائكة أن الجوع قد نال مني، وأن قطعة الخبز صغيرة، صغيرة بحق ويجب ألا تُسجَّل، وأن الماء هو من وقع على فمي دونما إرادة. خاوياً انتهى بي اليوم، مثل قطعة ملابس مكور إلى الداخل، وجافٌ مثل نبتة ميتة، ويابسٌ مثل ورقة سقطت في الخريف الماضي.

ملطخاً بالدماء يصرخ جزّار السوق على الجميع، وفي يده سكين تقطر دماً وفي فمه سيجارة دخانها يرسم أشكالاً غير متوقَّعة في الفضاء. هذا هو، وهذه صورته الأرضية. هذا ملاك يعذّب. هكذا يُعذّب جدي في مكان ما، مثلما يحصل الآن للأبقار والخراف

تعال اسمع الحكاية...

يقال إن القصص والحكايات تُنضج المرء، هذا ما يتداوله الجميع في السر والعلن. فتعال أيها الشقي لقد فعلت الكثير. لقد كبرت وستؤدبك الحكايات، وستمنحك الحكمة والثبات، وستلوي عنقك قصص أجدادنا الموتى وخرافتهم. ستصرعك وتكسر أنفك لحظة واحدة من عذاب نالها ميتٌ ما. تعال أيها الجسور، يا من تعبر أسوار المدرسة من دون إذن المعلمة. تعال اسمع الحكاية التالية: "مات أحدهم، وبعد فترة وجيزة، جاء ملكٌ عملاق ضربه بسوط فارتفع جسده بفعل الضربة إلى السّماء، وعاد الجسد إلى الأرض مكسّراً كما لو أنه طين يابس. لقد تفطر الجسد، ثم التألم من تلقاء نفسه. أخرج الملك سوطاً من يده الأخرى، فضرب الجثة ثانيةً، فصعدت إلى السّماء ثانيةً لكنها لم تعد. لقد غادرت إلى عالم لا نعرف عنه الكثير". كابوس بالكاد شعرت بنفسي بعده، قصه علينا صبي، وقال إن جده الشيخ الوقور قد حكى ذلك. كابوس أخذ مني طمأنينة النوم لأربع سنوات متتالية. تعايشت مع هذا الكابوس، وتقبلت أن جسد جدي سيتعذب هكذا، ومضيت أمارس ذهابي وإيابي إلى المدرسة. سنوات وأنا أخشى النوم لأني قد لا أعود إلى الحياة ثانيةً. سنوات وأنا أتفقد العائلة سراً خشية أن ينزلق أحدهم من الحياة إلى الموت. سنوات وأنا أنظر إلى عين الجدة: أهي نائمة أم ميتة؟ تلك العجوز التي قد جاءها الدور وفي انتظارها سوط المجهول.

لم تكن تلك حكاية اعتيادية عابرة لصبي بدأ للتو باكتشاف جسده، وبدأ في تلك الأيام بمعرفة بعض الأشياء عن قيمة الحياة والجسد. لقد تورط ذلك المراهق في قصة الموت كما لو أنه أول من سيموت على الأرض. لقد هدّت تلك الحكاية قواه. حاصرني الموت، وليس ثمّة مخرج. سيرتطم جسدي ويتكسر كما لو أنه طين يابس. لا مفرّ، لا مفرّ من ذلك على الإطلاق. ولا عزاء أيضاً يبدد وحشية المشهد. لا أمّ فتسرع إليك، ولا أب يهرع لنجدتك. واجه مصيرك أعزل عارياً كما لو أنك طين يابس.

تغيب الحكاية ثم تلتصق ثانيةً بالصبي. تحط ثم تطير. توقظه ثم تتركه. تدور في الفضاء مثل بالون ثم ينفد غازها فتتلاشى. هكذا عاش الصبي ضحيةً لحكاية وجزّار وجنائن مفقودة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard