لماذا لا يبتلع الموت ذكرياتنا كفطيرة تفاح ساخنة؟

السبت 26 مارس 202212:42 م

 الرحيل، المقبرة التي على الجدران


داخل بيتها الرحب وبأذرع مفتوحة، كانت تستقبلني جدتي في كل أجازة. تمطرني بروائحها الطيبة وكلامها الحسن بينما تتقافز حولي دواجنها الجائعة التي ترمي لهم بين الحين والآخر حبوب الأرز، ثم تعدني بوجبة شهية فأضحك، ثم أشكو لها من أمي وأبي فتتوعدهم وتزيد من دلالي.

في أحد العزب الريفية كان يرقد منزلها، حوله بساتين من الأشجار التي ترويها جدتي بنفسها، وعلى جوانبه نخيل البلح وأشجار البرتقال والليمون واللارنج، والتي نتنافس على تسلقها أنا وأشقائي في كل زيارة لنا، بينما تحذرنا جدتي من السقوط، وعند مدخل البيت يرقد زير المياه الذي تملأه جدتي عند أذان فجر كل ليلة، لتصبح مياهه أكثر برودة من الثلاجة التي لم تدخل منزل جدتي يوماً.

كأس الموت

في ليلة الوقفة، كنت أنتظر أنا وأشقائي زيارة أخوالي لننطلق معهم لزيارة جدتي التي لم تستطع القدوم إلينا بسبب مرضها الذي تمكن منها، وبعد أذان الفجر سمعنا طرقاً عالياً على الباب. فزع والدي وهمت والدتي لتفتح لتجد خالي يبكي محترقاً يبلغها بوفاة جدتي والتي رحلت في هدوء وأوصتنا ألا نحزن عليها. التفّ الأقارب حول منزل جدتي، وارتدت النساء ملابسهم السوداء وبكاها كل من عرفها. سألت أمي أين ذهبت جدتي قالت: "ذهبت إلى السماء". نظرت للسماء فوجدتها على حالها، نظرت ثانية وثالثة كنت أراها بقلبي سوداء مقبضة، تكاد تبتلعنا جميعاً في جوفها.

أذهب بعيداً لأعود لمنزل أهلي مرة ثانية، فأجد أختي بضفائرها تجلس هناك في هذه الزاوية البعيدة تناديني لألعب معها الكرة

بموت الجدة تبدل كل شيء. مات هذا الحضن الواسع الذي كان يضمنا إليه دون تردد. انتهت فترة دلالي ولم أجد من يربت على كتفي ليطلب مني أن أذهب للعب، ورغم أني وقتها كنت في العاشرة إلا أني كبرت فجأة. كنت أنظر إلى الغرفة التي ترقد فيها جدتي للمرة الأخيرة وأتساءل لماذا نموت، ولماذا لا يخبرنا الميت عما يحدث له؟

كانت جدتي تخبرني وأنا صغيرة أن الموت راحة، وأنها لا تخاف الرحيل، لأن رحلتها كانت بيضاء وأدت رسالتها كما يجب، تمنيت وقتها أن أذهب لأهزّها وأسألها هل تشعرين بالراحة جدتي؟ وإن كنت كذلك فلم ذهبت وتركت لنا هذا الفراغ الكبير لنتيه حوله؟

وفي المساء حل الظلام ورحل المعزون وانتهت عبراتهم المتساقطة، تقافزت دواجن جدتي حولنا في بؤس، فلم تجد من يضع لها الطعام، كانت حزينة. شعرت بها وعلمت أنها تعرف برحيل صديقتها التي كانت معها لسنوات.

روائح غائبة

مع شدة بكائي وحزني، أخبرني خالي أن جدتي تشعر بي وروحها حولي في كل مكان. بدأت أنظر حولي أبحث عنها. كنت صغيرة لم أكن أعرف ما معنى كلمة روح، أنا أريد جسدها، أريد جدتي بضحكتها وحضنها الواسع وبسمتها المشعة، أشتاق لكلامها وحواديتها التي تحكيها لي كل مرة، أحن لهذا العالم البدائي والروح المتصوفة التي تلقي بهمها على خالقها مرددة آياته في خشوع وقناعة، لهذا البراح الذي يضم كل عائلتها دون كلل، لتسمع هذا وتنصح هذه وتوبخ ذاك.

كنت أنظر إلى الغرفة التي ترقد فيها جدتي للمرة الأخيرة وأتساءل لماذا نموت، ولماذا لا يخبرنا الميت عما يحدث له؟... مجاز في رصيف22

مع الوقت تغير كل شيء، رحلت التفاصيل، بقيت الذكريات تحملها الجدران تشفق على أصحابها من هول صدمات متتالية، كل مرة ذهبت هناك كنت أبحث عن أشياء ولا أجد شيئاً باقياً على حاله. يطل من الفراغ هذا الوجه الجميل يبتسم لي ملوحاً ثم يختفي ثانية.

جدتي لم ترحل وحدها، بل أخذت معها البهجة. رحلت معها روائح المنزل الطيبة، ومع الوقت استبدل أخوالي أشجار النخيل والزرع بكتل خرسانية باردة، ثم امتد البلاء ليشمل التغيير كل شيء، فتشوّه البيت ولم يعد منزلاً، كدت أرى جدتي تمد يدها إليه من بعيد لتأخذه معها ليرقد في قبرها سالماً، بينما أنا قررت وقتها ألا أطأ هذا المنزل مجدداً. رحلت جدتي ورحل معها كل شيء جميل تاركة لي ذكرياتها.

صفعة مدوية

كبرت ومرت السنوات وعرفت يا جدتي أنك لم تطيري في السماء مثل العصافير كما أخبرني خالي، بل دفنت في التراب، تظل روحك الجميلة حولي تدفئني وتطبطب على قلبي. كبرت يا جدتي ومازالت أسئلتي حول الموت لا إجابة لها: أين يذهب الموتى؟ هل يتعذبون؟ هل يشعرون بنا" هل رأيتني يا جدتي في فستان خطوبتي الفاتن؟ كنت ستحبينه كثيراً علي.

لم أظن أن الحياة والقدر يخبئان لي صفعة جديدة أقوى وأكثر قساوة.

كنت بدأت في عملي في القاهرة بعد تخرجي، أعود إلى قريتنا كل شهر أو شهر ونصف، أو كلما استطعت الحصول على إجازة، وفي هذا النهار الذي لا أنساه أبداً، اتصلت بي صديقتي لتطلب مني أن أنزل إلى البلد بسرعة لأن هناك أمراً طارئاً قد حدث يستدعي حضوري على وجه السرعة. أكلني القلق على أبي وأمي، سألتها: ماذا حدث؟ تهربت من الإجابة، وأكدت على ضرورة عودتي الليلة.

لم أستجب لها بهذه السرعة، حاولت أن أتصل بشقيقتي الكبرى، لم ترد علي، اتصلت بأخي لم يرد، كل محاولاتي للاتصال بعائلتي فشلت، ووقتها لم يكن أمامي إلا العودة وبسرعة إلى قريتي، فكل الشواهد تقول إن بابا أصابه مكروه.

رحلت أختي وأخذت معها ضحكة أمي وقلب أبي، لم يعودا كما كانا أبداً، وكأن هذه هي شريعة الموت في حياتنا، يأخذ أرواح وأجساد من نحبهم ويأخذ معه أجمل ما فينا، ويبقي لنا الذكريات تدمرنا وتسقي جروحنا لتعيش للأبد... مجاز رصيف22

5 ساعات قضيتها في المواصلات، طريق طويل، أستمر في محاولة الاتصال بهم دون أي فائدة، أخيراً وصلت إلى بلدتي. شارع طويل يفصلني عن المنزل، يمتلئ بالنساء المتشحات بالسواد، كل من يقف هناك يمصمص شفتيه شفقة علي. سقط قلبي، عرفت من العزاء أني فقدت أحدهم ولكني لم أعرف من. أسرعت خطواتي، أجري وأنا أسأل الواقفين ولا يرد أحد علي، حتى وصلت أخيراً إلى بيتنا، وجدت أمي تفترش الأرض باكية، تحيط بها بعض نساء القرية يحاولون تهدئتها، ألقيت نفسي بحضنها أسأل: "من مات؟ بابا؟". احتضنتني أمي تشد على ذراعي بقوة، تطبطب على ظهري، حينها عرفت أن المصاب كبير، وأخبرتني أن شقيقتي قد رحلت إثر تعرضها لحادث.

جلست على الأرض تائهة لا أعرف ماذا أفعل. أختي، لا أصدق، كيف، أهكذا يرحل الناس بهذه السرعة؟ رحلت دون وداع، بكل بساطة هكذا ذهبت دون أي مقدمات. بدأت كلمات المواساة تأتيني من كل فم، لم أطيق الاستماع إلى أحد، سمعت من الداخل صوتاً ضعيفاً يأتيني. إنه صوت شقيقتي الكبرى. أسرعت إليها لأرتمي في حضنها، بثتني حزنها وألقيت بداخلها صدمتي ووجعي. الموت الغادر جاء خلسة إلى منزلنا ليأخذ شقيقتي ويسلب روحنا معها.

وجع الحنين

يقولون إن كل شيء يمر، وأن الحزن يبدأ كبيراً ثم يصغر مع الوقت حتى يتلاشى، ولكن بصمة الموت المدموغة بقلوبنا لا تزول أبداً، تظل تتجدد مع كل كلمة أو ذكرى أو خيال يمر خلسة على أذهاننا دون استئذان.

رحلت أختي وأخذت معها ضحكة أمي وقلب أبي، لم يعودا كما كانا أبداً، كان الصبر ملاذهما لمواجهة هذا المصاب، ولكن لم يعد أي شيء كمان كان، وكأن هذه هي شريعة الموت في حياتنا، يأخذ أرواح وأجساد من نحبهم ويأخذ معه أجمل ما فينا، ويبقي لنا الذكريات تدمرنا وتسقي جروحنا لتعيش للأبد.

لم تتوقف دموع أمي، كانت تجد متعلقات أختي في كل مكان. أشارت علي شقيقتي الكبرى أن نجمع متعلقاتها لنبعدها عن عين أمي، وفعلنا ذلك، جمعنا ملابسها وكل أشيائها الصغيرة لنبعدها، رجعنا لكل صورنا لنستبعد صورها حتى لا تراها أمي، فاكتشفنا أنها موجودة بالعدد الأكبر من الصور، لم نعد نأتي على ذكرها.

لملمنا كل الأشياء ولم يقلّ الحزن أو يخبو كما أخبرونا، مرت السنوات، وتظل المتعلقات هناك في هذه الزاوية البعيدة التي لا تراها أمي، ويبقى وهم النسيان معلقاً على رقابنا، ندور وندور بين الأحداث ندّعي الاستشفاء، ثم تأتي كلمة واحدة لتصفعنا على وجوهنا، فتدمع عينانا وقلوبنا. أذهب بعيداً لأعود لمنزل أهلي مرة ثانية، فأجد أختي بضفائرها تجلس هناك في هذه الزاوية البعيدة تناديني لألعب معها الكرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard