عمّال مصر... الموت من أجل كسرة خبز

الخميس 10 مارس 202201:14 م


"لم أعد قادراً على مواجهة أُسرتي، صرت عاجزاً عن تدبير مصاريف أولادي، ولا أملك إلا طلب السماح من زملائي الذين لم أستطع رد أموالهم". هذا مضمون رسالة العامل المصري عاصم عفيفي في شركة يونيفرسال قبل انتحاره.

 ألقى عفيفي نفسه أمام سيارة مسرعة على الطريق الإقليمي في المنوفية على مرأى من زملائه الذين كانوا ينتظرون ركوب سيارة الشركة. عمل عفيفي نحو 15 عاماً في شركة يونيفرسال، وهي شركة متخصصة بتصنيع الأجهزة المنزلية وبيعها. ولد في محافظة المنوفية، وله ثلاثة أطفال أعمارهم بين سنتين وست سنوات، وهو أكبر أشقائه ومسؤول عن رعاية عائلته. اضطر إلى إنهاء حياته بعد عجزه عن سداد ديونه جراء توقف الشركة عن صرف مستحقاته ومستحقات زملائه منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

"ديون متراكمة، وقروض لم تسدد، وضغوط الحياة العادية، وعمل بلا راتب، وانتظار يليه انتظار، ووعود زائفة من مدير الشركة بحصولنا على راوتبنا. كل هذا أدى إلى يأسه وانتحاره ". يقول زميل لعفيفي في العمل: "مطلبش حاجة صعبة. يعني إيه نشتغل من غير مقابل؟ كلنا ماخدناش مرتباتنا". ويتساءل بعدما رفض ذكر اسمه: "ليه لازم نموت أو ندخل السجن عشان بنطالب بمرتباتنا؟". 

إشارة العامل إلى السجن أو الموت تأتي بعد اعتداء قوات الأمن على العمال الغاضبين واعتقال أربعة منهم بعد ضرب العمال وتفرقتهم بالغاز المسيل للدموع، رغم وجودهم داخل مقر الشركة، وهذا ما ينفي عنهم تهمة التظاهر من دون ترخيص.

انتحار عاصم عفيفي يأتي وسط موجة ملحوظة من تكرار انتحار أرباب أسر بسبب عجزهم عن الوفاء بالحد الأدنى من متطلبات الحياة، وهي ظاهرة متكررة في مصر على الرغم من نفي السلطات. 

يذكر أن مصر صُنّفت عام 2019 الأولى عربياً في معدلات الانتحار، متفوقة في ذلك على دول تشهد نزاعات مسلحة وحروباً أهلية. فعام 2019، انتحر 3022 شخصاً، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية التي رصدت انتشار الانتحار بين سكان الريف وليس بين سكان المدن المكتظة فحسب.

بينما يعترف قانون العمل (الذي تراجعه منظمة العمل الدولية) بحق العمال في الإضراب عن العمل ويضع لذلك شروطاً وقيود؛ نصت تعديلات قانون العقوبات المصري في 2013 على تجريم الإضراب عن العمل

قطرة في مستنقع 

ترى دار الخدمات النقابية والعمالية – وهي اتحاد نقابي مستقل للعمال- أن انتحار عاصم عفيفي لا يمكن اعتباره حادثاً فردياً، وأن  قانون العمل الحالي رقم 12 لسنة 2003 "لا يقدم أي ضمانة لتنفيذ اتفاقيات العمل الجماعية". ويضيف الكيان النقابي الموازي لاتحاد العمال الرسمي في بيان أن "تردي  أوضاع سوق العمل المصري هو عنوان لمرحلة يعصف بها رجال الأعمال بالحقوق الأساسية للعمال، بمباركة الدولة التي تنتهج سياسات تنحاز لأصحاب الثروات على حساب الأغلبية الساحقة من العمال".

خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، رصدت دار الخدمات سبع وقائع انتهاكات بحق عمال في مصانع وشركات متعددة، وتعلق أغلبها بتأخر صرف رواتب العمال أو الاعتداء عليهم أو فصلهم عند احتجاجهم على تأخر صرف مستحقاتهم

على الرغم من أن منظمة العمل الدولية رفعت اسم مصر من القائمة السوداء للدول التي تنتهك اتفاقيات العمل الدولية والحقوق والحريات النقابية عام 2021،  شهدت مصر في العام ذاته أكثر من ثمانية آلاف انتهاك لحقوق العمال، تنوعت بين التسريح والفصل والإجبار على تقديم الاستقالة، حسب تقرير حديث صادر عن دار الخدمات النقابية والعمالية. وجاء في التقرير: "عمد عدد ‏من أصحاب الأعمال إلى تسريح جزء من العمالة بذريعة تأثر شركاتهم بتداعيات فيروس كورونا ‏المستجد، فضلاً عن تخفيض أجور والتوقف عن صرف أخرى. واضطر عدد من العمال ‏إلى تحمّل هذه الإجراءات الجائرة خشية فقدان وظائفهم".‏

خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، رصدت دار الخدمات سبع وقائع انتهاكات بحق عمال في مصانع وشركات متعددة، بعضها تابع للقطاع الخاص وبعضها الآخر تملك فيه الدولة الحصة الحاكمة. وتعلقت أغلب تلك الانتهاكات بتأخر صرف رواتب العمال أو الاعتداء عليهم أو فصلهم من العمل عند احتجاجهم على تأخر صرف مستحقاتهم.

تشريد ووعود زائفة

امتنعت شركة يونيفرسال المملوكة لرجل الأعمال يسري قطب عن صرف مرتبات العمال منذ فترة طويلة، تعود - حسب العمال- إلى عام 2019، أي ما قبل تداعيات جائحة كورونا. 

ونظَّم العمال إضرابات متعددة منذ عام 2019 حتى بداية مارس/ أذار الجاري. وبررت إدارة الشركة، وقتذاك، تأخر صرف الرواتب بأن لديها أزمة مالية، ووعدت أكثر من مرة بصرف الرواتب المتأخرة، لكنها لم تفعل. ونتيجة تأخر تنفيذ تلك الوعود على مدى سنوات، نفّذ العمال إضراباً واسعاً في 20 سبتمبر/ أيلول 2021 داخل المصنع في المنطقة الصناعية بمدينة السادس من أكتوبر، وذلك إثر تأخر صرف الرواتب نحو شهرين، وتأخر صرف الحوافز أربعة أشهر، وتأخر صرف بدلات طبيعة ومخاطر العمل نحو 30 شهراً.

الربح للمالك والفقر للعمال

"إن العمال هم شركاؤنا فى النجاح، وعلى الرغم من مرور الجميع بظروف عصيبة لا بد أن نتكاتف ونتحمل ونخفف عنهم أعباء تلك الفتره العصيبة ولن نخفض رواتبهم بل سنتبع سياسة رد الجميل". هذا ما قاله مالك الشركة يسري قطب عام 2020 لجريدة "الأخبار" الحكومية. لكن حسبما يؤكد ياسر سعد الممثل القانوني لعدد من عمال الشركة: "لم تنتظم الشركة في صرف أجور العمال، وصرفتها مخفضة 50%"، ويقول لرصيف22 إن الإضراب سيستمر حتى تحقيق مطالب العمال، مبيّناً أن فترة الإضراب تخطت نحو ستة أشهر.

تضم شركة يونيفرسال حوالى عشرة آلاف موظف وعامل في مختلف الإدارات والمصانع التابعة لها، كما أنها تستثمر نحو ستة مليارات جنيه في السوق المصرية، وتصدر منتجاتها إلى نحو ثمانين دولة، وتمتلك شبكة أفرع للتوزيع بعدد من الدول منها أستراليا وإنجلترا وإيطاليا. 

في تصريحات سابقة للمهندس خالد الفقي، رئيس النقابة العامة للعاملين بالصناعات الهندسية حول الموقف المالي للشركة، قال: "مُعدّل الإنتاج بلغ نحو 80 ألف أنبوبة بوتاغاز. هذا يعني أن للشركة اسماً وسوقها مفتوحة، ويجعل أي تأخر عن دفع مستحقات العاملين خطأً إدارياً وليس تقصيراً من العمال". وأكد أن صاحب مجموعة يونيفرسال "مسؤول عن إيواء ورعاية ثمانية آلاف عامل"، موضحاً أنه "بعد استفادة صاحب العمل من خبرات العمال استغنى عنهم".

ويقول المحامي المختص بالقضايا العمالية ياسر سعد لرصيف22 إن مالك الشركة "يعد كثيراً ولا ينفذ"، وإن "الإجراءت القانونية ضده كثيرة، لكن للأسف لا توجد لدينا وسيلة تلزمه غير التفاوض". 

ويضيف: "الإجراءت القانونية الفردية التي يقوم بها العمال ستؤدي إلى محاكم. وقد تنتهي إلى نتائج غير مرضية في النهاية. علماً أن أصحاب الأعمال دائماً لديهم فرصة لتشريد العمال".

في وقت سابق، أعلنت نقابة العاملين بالقطاع الخاص في أرقام مرعبة عن أن ما يحدث في هذه الشركة تسبب في حالة انتحار و"150 حالة طلاق نتيجة تجزئة راتب يونيو/ حزيران)".

وخالفت الشركة الاتفاقية الموقعة مع العمال في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 برعاية وزارة القوى العاملة، وكذلك الاتفاقية الموقعة في 2 يناير/ كانون الثاني 2022 برعاية النقابة العامة للصناعات الهندسية والمعدنية والكهربائية. وجاء في الاتفاقتين أنه "تلتزم الشركة الانتظام في صرف المرتبات الشهرية كاملة دفعة واحدة لجميع العاملين بداية من أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وفي العاشر من كل شهر حداً أقصى، وبعد 30 يوم تشغيل. على أن يصل الحافز الخاص في المواعيد المحددة في البنود السابقة". 

الاتفاقية الأخرى التي لم تنفذها الشركة، بحسب دار الخدمات العمالية اعتباراً من شهر يناير/ كانون الثاني 2022، تلتزم بموجبها الشركة بصرف الحافز الشهري المتأخر عن أبريل/ نيسان ومايو/ أيار وأغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول 2021 وفق نظام الشهرين، أي شهر متأخر وآخر جديد. لكن الشركة لم تنفذ أياً من هذه الاتفاقيات.

حق مقموع 

يقول المحامي سعد: "الإضراب عن العمل حق دستوري وقانوني، استقرت عليه المبادئ القانونية المصرية العامة". إلا أنه رغم قانونية الإضراب قُيّدت التعديلات التي أدخلت على قانون العمل ولائحته التنفيذية، وكذلك القوانين الأمنية المتعددة. 

فبينما يعترف قانون العمل (الذي تراجعه منظمة العمل الدولية) بحق العمال في الإضراب عن العمل ويضع لذلك شروطاً وقيوداً، نصت تعديلات قانون العقوبات المصري عام 2013 على تجريم الإضراب عن العمل ومعاقبة المضربين بالحبس أو الغرامة أو بكليهما.

وحسب تقرير لدار الخدمات النقابية والعمالية، فإنه رغم اعتراف قانون العمل القائم بحق العمال في الإضراب، قيّد هذا الحق بشروط جعلت ممارسته - وفق القانون نفسه- أمراً شديد الصعوبة.

اللافت أن مشروع قانون العمل الجديد الذي وافق عليه مجلس الشيوخ - وبات إقراره في مجلس النواب مسألة وقت- أبقى على القيدين اللذين ترفضهما النقابات وهيئات العمال، وهما: عدم تنظيم الإضراب في المنشآت الإستراتيجية والحيوية التي تشمل – حسب قرار رئيس الوزارء رقم 1185 لسنة 2003-  جميع المستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات ووسائل نقل الأشخاص والبضائع، ومنشآت مياه الشرب والغاز والكهرباء والصرف الصحي، والاتصالات، والمؤسسات التعليمية. ويتعلق القيد الثاني بإلزام العمال بإخطار صاحب العمل والجهة الإدارية عزمهم على الإضراب، على أن يتضمن الإخطار الأسباب الدافعة للإضراب ومدته الزمنية، وهو شرط يجعل من الإضراب - في حال إتمامه- بلا فاعلية، لأن إضرابات العمال تصبح فاعلة عندما تستمر من دون سقف زمني محدد إلى حين تنفيذ المطالب أو التفاوض بشأنها. 

تظهر القيود وتدخلات أجهزة الأمن لمصلحة أصحاب العمل وضد العمال في حالة إضراب عمال يونيفرسال. يؤكد محامي عمال يونيفرسال أن "قوات الأمن قبضت على ثلاثة من قادة الإضراب في الشركة. لكنها أفرجت عنهم من دون تسجيل محضر رسمي"، ويضيف: "هذه ليست المرة الأولى التي يُقبض فيها على قادة عمال أو عمال مضربين".  

وفضّ رجال الأمن بالقوة أحد تجمعات عمال الشركة الغاضبين إثر انتحار زميلهم، وفور وصول نبأ الانتحار أعلن العاملون الإضراب، تضامناً مع زميلهم وللمطالبة بمستحقاتهم المالية. ونشر عدد من النشطاء مقاطع فيديو لرجال الأمن وهم يفرّقون العمال المحتجين بإطلاق الغاز المسيل للدموع. 

يذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها عناصر من الشرطة لفض تظاهرات عمال الشركة. ففي أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، أخلت سلطات الأمن سبيل عاملين، تنفيذاً لقرار قاضي المعارضات، على ذمة القضية رقم 12093 لسنة 2021، والقضية رقم 12094 لسنة 2021، وألقي القبض على العاملين على خلفية إضراب عن العمل نفّذه عمال الشركة.

ويفسر المحامي ياسر سعد تصرفات أجهزة الأمن تجاه العمال: "رغم أن الدستور ينص على حق الإضراب، وضع قانون العمل شروطاً غير دستورية تقيد هذا الحق". ويتساءل: "كيف يمكن للعامل أن يخطر صاحب العمل بالإضراب ضده بحسب ما جاء في قانون العمل؟ [...] صاحب العمل خصم، فكيف يمكن إخطاره بالإضراب ضده؟".

ويختم: "رجال الأمن دائماً يتدخلون في مثل هذه المواقف بشكل عنيف على أمل أن تنتهي المسألة، لكن هذه المرة لم تنته، لأن عمال الشركة يواصلون بعد كل جولة عنف إضرابهم على نحو أوسع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard