وسط مخاوف مصرية وترقب أمريكي... تركيا ترسّخ وجودها العسكري في ليبيا

الاثنين 4 أبريل 202203:36 م

ضمن إطار المكايدة السياسية والإعلامية للمطالبين بخروج قواتها العسكرية من ليبيا، وفي إشارة واضحة إلى احتفاظها بوجودها المثير للجدل، بثت تركيا على مدى اليومين الماضيين رسالةً لا تخطئها عين، مفادها أنه لا يتعين على أحد انتظار خروجها عسكرياً من هناك.

المائدة التركية ومطالبها

لليوم الثاني على التوالي، بثت تركيا عبر وكالتها الرسمية للأنباء "الأناضول"، حفنة تقارير مرفقة بصور فوتوغرافية ومقاطع فيديو مصورة، لتناول عسكريين أتراك وجبة الإفطار الأولى في مدينة الخمس الليبية، ووجبة السحور الأولى في العاصمة الليبية طرابلس.

وفقاً للوكالة التركية، فقد تناول الجنود الأتراك، الذين يؤدون مهامهم في مدينة الخمس الليبية ضمن إطار مذكرة التعاون الأمني والعسكري الموقعة بين تركيا وليبيا، أول إفطار لهم في شهر رمضان.

ونقلت الوكالة عن يتكين قوتشاش، قائد مركز التدريب البحري المشترك الموجود في المدينة منذ أكثر من عامين، أن أفراد الجيش التركي بذلوا قصارى جهدهم لأداء المهام الموكلة إليهم تحت كافة الظروف.

كما نقلت عن مسؤولين عسكريين آخرين، إعرابهم عن فخرهم لتمثيل تركيا وشعبها في ليبيا، وادّعوا "امتزاج المشاعر مع حلول رمضان والبعد عن الوطن والأحبة!".

ورصدت وكالة الأناضول الأجواء الرمضانية في مركز التدريب البري المشترك التابع لقيادة مجموعة المهام الليبية المشكلة من قبل الجيش التركي في العاصمة طرابلس، ونقلت عن قائد كتيبة الدعم اللوجستي، إسماعيل أونال، قوله إن قواته تواصل القيام بالمهام الموكلة إليها في جميع أنحاء العالم، بكل حزم وتصميم.

وفي رواية جديدة، ادّعى جهاد يايجي، رئيس أركان القوات البحرية التركية السابق، ومهندس الاتفاق البحري مع حكومة الوفاق، أن العقيد الراحل معمر القذافي كان على وشك توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، قبل ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الانتفاضة الشعبية التي دعمها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأسقطت نظام القذافي وأدّت إلى موته في عام 2011.

أصبح الوجود العسكري لتركيا أمراً واقعياً ومفروضاً على الأرض، يتعين على جميع اللاعبين محلياً وإقليمياً ودولياً التعامل معه حتى إشعار آخر، مع ما يمثّله ذلك من التعبير عن فشل المساعي الإقليمية والدولية لخروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة

وقال إن أردوغان الذي كان رئيساً للوزراء حينها، عرض الفكرة على القذافي الذى أُعجب بها، وقال إنها ستُدرّ فوائد على ليبيا كلها.

أصبح الوجود العسكري لتركيا أمراً واقعياً ومفروضاً على الأرض، يتعين على جميع اللاعبين محلياً وإقليمياً ودولياً التعامل معه حتى إشعار آخر، مع ما يمثّله ذلك من التعبير عن فشل المساعي الإقليمية والدولية لخروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة الموالين لطرفَي الصراع في ليبيا من هناك.

تنافس الدبيبة وباشاغا

مؤخراً، سعى فتحى باشاغا رئيس حكومة الاستقرار الجديدة التي نصّبها مجلس النواب الذى يتّخذ من مدينة طبرق في أقصى شرق البلاد مقراً له، إلى مغازلة تركيا عبر التعبير عن تفهمه لقانونية وجودها العسكري على الأراضي الليبية.

باشاغا، وهو حليف وثيق الصلة بتركيا ومحسوب عليها، لعب دوراً بارزاً في إقرار الاتفاقية التي أبرمتها حكومة الوفاق السابقة برئاسة فائز السراج مع تركيا، للاستعانة بقواتها العسكرية لإفشال الحملة العسكرية التي شنها الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، لتحرير العاصمة طرابلس في ربيع عام 2019.

وفي 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أبرم السراج اتفاقيتين مثيرتين للجدل مع تركيا تتعلقان بالتعاون الأمني والعسكري وتحديد مناطق الصلاحية البحرية، بهدف ما أسماه حماية حقوق البلدين المنبثقة عن القانون الدولي، وهو ما أثار حفيظة مصر التي هددت بتدخل عسكري سرعان ما تراجعت عنه، واليونان التي عدّت الاتفاقية تهديداً لمصالحها الإستراتيجية في البحر المتوسط.

آنذاك، كان باشاغا يتولى منصب وزير الداخلية في الحكومة السابقة، ولم يتورع عن الإعلان عن استعداد حكومته لمنح تركيا أو أمريكا قواعد عسكريةً في الأراضي الليبية، شريطة المساعدة في كبح جماح حفتر وإنهاء حملته العسكرية ضد العاصمة طرابلس.

مؤخراً، عاد باشاغا بعد مرور نحو خمسة أسابيع عن تنصيبه رئيساً للحكومة الجديدة الموازية بدلاً من حكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ليغازل تركيا علانيةً ويعترف بما وصفه بقانونية وجودها العسكري، كونه يستند إلى الاتفاق المثير للجدل الذى أبرمه رئيسه السابق السراج مع الرئيس التركي أردوغان.

الدبيبة في المقابل لم يتوقف عن مغازلة تركيا هو الآخر، في إطار تنافسه مع الدبيبة لإظهار من منهما يحظى برضاها ومن ثم بنفوذها السياسي والعسكري في ليبيا، كونه رمانة الميزان لمن يريد الاحتفاظ بالسلطة في العاصمة طرابلس.

مخاوف السيسي

بحضورها العسكري الممثل في عدد غير محدود من العسكريين النظاميين في الجيش التركي، ورديفهم المكون من بضعة آلاف من المرتزقة السوريين الموالين لتركيا التي جلبتهم للقتال ضد حفتر، تواصل أنقرة ترسيخ حضورها الإستراتيجي على الأراضي الليبية، من دون وجود أي مؤشر على إمكان سحبها هذا الحضور في المستقبل القريب.

تنظر القاهرة بعين الشك والريبة إلى مخططات تركيا، وفقاً لما قاله مسؤول مصري لرصيف22، رفض الكشف عن هويته، مشيراً إلى أن تعزيز تركيا حضورها في طرابلس يتناقض مع تعهدات قطعتها للسلطات المصرية ببدء سحب تدريجي للقوات العسكرية التركية الموجودة في غرب ليبيا، تزامناً مع تقليص جيش المرتزقة السوريين.

حديث المسؤول المصرى يشي بأن التفاهمات السرية الأخيرة التي جرت بين مسؤولين مصريين وأتراك، وكان يعوّل كثيراً عليها، لم تحقق مبتغاها، بينما تقول مصادر في معسكر حفتر إن تركيا تخدم مصالح أمريكا ببقائها العسكري في ليبيا.

الدخول الأمريكي المفاجئ

وبشكل مفاجىء، وضعت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، يدها على مستقبل ليبيا في السنوات العشر المقبلة، بعدما أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، عما وصفه بـ"الإستراتيجية العشرية لمنع الصراعات وتعزيز الاستقرار".

"تركيا حضورها في طرابلس يتناقض مع تعهدات قطعتها للسلطات المصرية ببدء سحب تدريجي للقوات العسكرية التركية الموجودة في غرب ليبيا، تزامناً مع تقليص جيش المرتزقة السوريين"

ما قاله بلنيكن، عن أن بلاده ستعمل مع الحكومات الشريكة والشركات والمجتمع المدني لبناء القدرة على الصمود في دول عدة من بينها ليبيا، هو ما شجع ريتشارد نورلاند، السفير الأمريكي لدى ليبيا الذي يمارس أعماله حتى الآن من تونس المجاورة بسبب مخاوف أمنية أمريكية من الوضع المتأرجح في العاصمة الليبية، للقول إن تلك الإستراتيجية المزعومة "تظهر ما وصفه بالتزام أمريكي مستدام يتجاوز المرحلة الحالية".

وعلى الرغم من أن نورلاند زعم بأن بلاده تعمل "من أجل المصالحة الليبية وإعادة التوحيد، في ظل حكومة منتخبة مسؤولة أمام الليبيين"، فإن الوضع الراهن في ليبيا يمثّل استمراراً لسياسة واشنطن التي تدير الصراع الليبي ولا تبحث عن حل دائم له.

في هذا الإطار يمكن تفهّم الموقف التركي المتباهي بحضوره العسكري في طرابلس التي تقف بين حكومتين تتنازعان على السلطة من دون حسم الصراع لأي منهما.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard