الدبيبة يرفع شعار "أنا أو الفوضى"

الثلاثاء 22 فبراير 202203:46 م

"أنا أو الفوضى"... بات شعار المرحلة في ليبيا، أو على الأقل طابعها الذي يروّج له رئيس الحكومة الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الذي يعوّل على ولاء الميليشيات المسلحة الموالية له في غرب البلاد، للبقاء في السلطة.

ترحيل الانتخابات

هذا الشعار الكلاسيكي الذي لطالما ردده أولئك الرافضون للاستماع إلى صوت الشعب والمنطق في لحظاتهم الأخيرة، استعاده عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، الذي يسعى إلى الإفلات من محاولة عزله وتنصيب حكومة جديدة برئاسة وزير الداخلية في حكومة الوفاق السابقة، فتحي باشاغا.

وقبل أيام فقط من عقد مجلس النواب جلسةً رسميةً في مقره في مدينة طبرق في أقصى الشرق الليبي، لمنح الثقة لحكومة باشاغا الجديدة التي ستحمل اسم حكومة الاستقرار وتضم 27 وزيراً، خرج الدبيبة قبيل ساعات ليعلن للشعب الليبي عن خطة تقضي بترحيل الانتخابات الرئاسية إلى المجهول مرةً أخرى، والاكتفاء بإجراء الانتخابات البرلمانية فحسب، حين يحل موسم الصيف في شهر حزيران/ يونيو القادم، أي بعد ثلاثة أشهر.

"أنا أو الفوضى"... بات شعار المرحلة في ليبيا، أو على الأقل طابعها الذي يروّج له رئيس الحكومة الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الذي يعوّل على ولاء الميليشيات المسلحة الموالية له في غرب البلاد، للبقاء في السلطة

لم يفوّت الدبيبة الذي تولّى منصبه في شهر آذار/ مارس الماضي، الفرصة من دون إطلاق تحذيرات بالجملة، تنطوي أيضاً على تهديدات مبطنة، عبر الإشارة إلى ما وصفه بخطورة المسار الذي تريده الطبقة السياسية المهيمنة وتصر على الذهاب إليه هرباً من الانتخابات.

ورأى في أحدث ظهور إعلامي له، أن هذا المسار المتهور الذي يهدد بعودة الانقسام الذي سيؤدي حتماً إلى الحرب مرةً أخرى، سيكون من خلال مسرحية جديدة لشرعية مزورة اسمها منح الثقة من برلمان لا يملك الاختصاص دستورياً، ولم يتحصل على موافقة مجلس الدولة سياسياً، وقام بالتدليس قانونياً.

وقال: "هذه المناورة الفاشلة هدفها إفساد المشهد، وجرّه إلى الحرب والفوضى"، وأوضح أن "كل الحروب التي كانت في ليبيا سببها السياسة، عندما لا يحترم السياسيون القانون وتؤخذ القرارات بالمغالبة والتزوير".

وكشف رئيس الوزراء الليبي المؤقت عن سعيه إلى البقاء في السلطة على الرغم من محاولة تنصيب مجلس النواب حكومةً جديدةً، وجدد تعهده بعدم التنحي إلا بعد الانتخابات، في تحدٍّ واضح لموقف السلطة التشريعية.

وقال الدبيبة إن المسار الذي يتبناه مجلس النواب يهدد بإعادة البلاد إلى الانقسام، وسيؤدي حتماً إلى الحرب مرةً أخرى.

اللافت للانتباه أن الدبيبة الذي لجأ إلى سلاح الخدمات العامة كوسيلة لإغراء الرأي العام ومغازلته، وسّع دائرة وعوده لتشمل منح القروض والوحدات السكنية للشباب، كما أغدق المنح والهبات على مختلف قطاعات موظفي الدولة.

وساطات محلية ودولية

وعلى الرغم من المشهد الملتبس في ليبيا، وخاصةً في العاصمة طرابلس التي استدعى إليها الدبيبة الميليشيات المسلحة الموجودة في معظم مدن غرب البلاد، وسط مخاوف من عودتها إلى مربع الاقتتال مجدداً، تقول مصادر مقربة من الدبيبة والبعثة الأممية لرصيف22، إن هناك وساطةً محليةً ودوليةً تسعى إلى إقناع الأخير بالانسحاب سلمياً من السلطة، وتفادي اندلاع حرب أو اشتباكات بين الميلشيات الموالية للدبيبة والأخرى الموالية لباشاغا.

تسعى أطراف إقليمية إلى إقناع الدبيبة بالحصول على ممر آمن وضمان عدم ملاحقته قانونياً، إذا ما قام بتسليم السلطة طوعاً إلى باشاغا.

"هناك وساطة محلية ودولية تسعى إلى إقناع الدبيبة بالانسحاب سلمياً من السلطة، وتفادي اندلاع حرب أو اشتباكات بين الميلشيات الموالية للدبيبة والأخرى الموالية لباشاغا"

وفي سبيل ذلك، تلقّى الدبيبة حسب مصادر عدة عربية وليبية واسعة الاطلاع، عرضاً أمريكياً سرياً بالتدخل لصالح خروجه الآمن في حال قبوله بحكومة باشاغا والانسحاب بهدوء وعدم افتعال المشكلات في اللحظات الأخيرة.

وبالتوازي مع ذلك، تقود أطراف عدة في مدينة مصراتة، مسقط رأس باشاغا والدبيبة، مفاوضات أخرى في محاولة للتوصل إلى اتفاق يقضي بتسليم السلطة وضمان أن تتولى حكومة باشاغا مسؤوليتها في ظل استقرار أمني.

وطبقاً لما قاله أحد مساعدي الدبيبة، فإنه حتى الآن لم يستوعب الطريقة التي تم بها إقصاؤه، عبر ما وصفه بصفقة ملعونة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وتفاهمات مصرية تركية غير معلنة، عززها انفتاح باشاغا وأنقرة على معسكر القائد العام للجيش الوطني المتمركز في شرق البلاد، المشير خليفة حفتر.

ممر آمن للخروج

تصريحات الدبيبة بعدم تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة، هي محاولة لتعظيم مكاسبه في حال موافقته على قبول مغادرة موقعه سلمياً.

وقال دبلوماسي عربي في العاصمة الليبية طرابلس: "يخشى الدبيبة محاكمته بتهمة الفساد وملاحقته قضائياً في حال قبوله الخروج من مقر الحكومة الكائن في شارع السكة في طرابلس".

وأضاف لرصيف22: "حتى الآن أوراقه السياسية باتت ضعيفةً. إنه يراهن على ولاء الميليشيات المسلحة له فحسب، ويحاول في الوقت نفسه التواصل مع المشير حفتر في اللحظات الأخيرة.

لكن مصادر في مكتب حفتر رفضت التعقيب، بينما قال مساعدوه إن بعض أبناء المشير على علم بطلب الدبيبة عقد صفقة سرية تضمن استمرار بقائه في السلطة، وإحباط مخطط باشاغا للقفز إلى رئاسة الحكومة.

وعزز التكهنات بوجود وساطة خارجية، تسريب مصادر في وزارة الخارجية التابعة لحكومة الدبيبة معلومات لوسائل إعلام محلية عن رفض قطر والجزائر الاستجابة لدعوته للقيام بزيارة إلى البلدين.

"يخشى الدبيبة محاكمته بتهمة الفساد وملاحقته قضائياً في حال قبوله الخروج من مقر الحكومة الكائن في شارع السكة في طرابلس"

بيد أن الأهم في هذا الإطار هو عدم نجاحه حتى الآن في إقناع تركيا بقبول زيارة يخطط لها، فضلاً عن فشل زيارته السرية إلى القاهرة مطلع الشهر الجاري.

الميليشيات... الورقة الأخيرة

يصف دبلوماسي غربي المشهد بقوله: "تقريباً كل حلفاء الدبيبة الكلاسيكيين والمعتادين قد تخلوا عنه. لم يعد بجانبه سوى أصحاب المصلحة من قادة الميليشيات المسلحة. إنهم ورقته الأخيرة".

وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، تحولت طرابلس إلى ثكنة عسكرية عقب حشد ميليشيات يتوزع ولاؤها بين الحكومتين الحالية والجديدة، بعدما عدّ مجلس النواب حكومة الدبيبة "منتهية الولاية"، واعتمد "خريطة طريق" لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعد أقصاه 14 شهراً من تاريخ تعديل الإعلان الدستوري.

واختار المجلس باشاغا رئيساً جديداً للحكومة، لقيادة المرحلة السياسية وصولاً إلى الانتخابات العامة في ليبيا التي لا زالت في فوضى أمنية وصراع على السلطة منذ الإطاحة بنظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard