عبد الله رشدي... المدافع الأبدي عن "قيم" المجتمع المصري المحافظ والأبوي المتديّن والذكوري

الثلاثاء 5 أبريل 202207:23 ص

مرةً أخرى يعود عبد الله رشدي ليثير الجدل، بعد نشره منشوراً على صفحته الشخصيّة في موقع فيسبوك، حاز حتى ساعة كتابة هذه المادة نحو خمسة عشر ألف إعجاب، ويدعو فيه إلى معاقبة من يجاهرون بالإفطار في رمضان، و"ذلك صيانةً للمجتمع وحفظاً له بعيداً عن فكرة شيوع الفواحش فيه"، ضارباً كلّ حقوق الإنسان والحريات الفرديّة من حريّة الاختيار والفعل، بعرض الحائط. فالمجتمع يجب أن يكون متجانساً له أفعال موحّدة ومن يخرج عن هذا "التجانس" يستحق العقوبة.

لماذا عبد الله رشدي؟

يبرز اسم عبد الله رشدي في الحياة المصريّة، كأحد المدافعين الأبديين عن "قيم" المجتمع المصري المحافظ والأبوي المتديّن والذكوري، الرافض للنساء ولحقوقهن، والرافض لأيّ نقد جدّي للدين، والواقف بثبات وعزم في وجه كلّ من أراد الخروج عن إرادة الجماعة.

واضع الذنب على النساء إذا ما تعرّضن للتحرش، عبد الله رشدي، هو المدافع الأبدي عن الرجل المصري، فالرجل له الحق في أن يفعل ما أراد، طبعاً حسب تعليمات رشدي وفهمه للدين، ومن يفعل أيّ شيء بشكل مختلف ولو قليلاً، فهو خارج عن الملّة وكافر ويستحق أن يُصاب بكلّ سوء في هذه الدنيا وفي الدنيا الآخرة.

يبرز اسم عبد الله رشدي في الحياة المصريّة، كأحد المدافعين الأبديين عن "قيم" المجتمع المصري المحافظ والأبوي المتديّن والذكوري، الرافض للنساء ولحقوقهن، والرافض لأيّ نقد جدّي للدين، والواقف بثبات وعزم في وجه كلّ من أراد الخروج عن إرادة الجماعة

حسب تعريفه بنفسه في موقعه الرسمي على الإنترنت، هو "شخصيّة دينيّة عامة وباحث في شؤون الأديان والمذاهب في الأزهر الشريف"، وحسب تعريفه بنفسه على صفحته العامة في موقع فيسبوك، هو "إمام وخطيب ومتحدّث إعلامي سابق باسم وزارة الأوقاف"، مثّل الأزهر في مناظرات تلفزيونيّة، وقد تم إيقافه عن الإمامة، وهو إمام مسجد السيدة نفيسة في العاصمة المصريّة، القاهرة، وخطيبه، ومن ثمّ أعيد إلى العمل مرةً أخرى.

هو وجه إعلامي معروف على القنوات التلفزيونيّة، وله صوت بارز في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما في موقع فيسبوك. كيف لا وهو ممثل الشعبويّة الدينيّة المصريّة الأول؟

يظهر الشاب المولود في القاهرة بعضلاته البارزة، وابتسامته المستهزئة بخصومه، ويحكي بثقة وسلاسة، على الرغم من معلوماته الخطأ.

يظهر الشاب المولود في القاهرة بعضلاته البارزة، وابتسامته المستهزئة بخصومه، ويحكي بثقة وسلاسة، على الرغم من معلوماته الخطأ. يشكّل حالة حبّ لمتدينين ضعيفي الثقافة والمعرفة، يبحثون عن رمز يدافع عنهم وعن أفكارهم الفاشيّة، في وجه أولئك الذين يحاولون الوصول إلى مجتمعات حرّة عادلة تحترم المختلفين. لذلك يلتف من حوله مئات الآلاف من المصريين والعرب، فهو رجل قوي الهيئة سليط اللسان، يستمد شرعيته الدينيّة من شهادته الأزهريّة، ويفتك بخصومه مستمداً قوته من حماية النظام المصري له.

يحبّ النظام المصري هذه الشعبويّة، وهي طريقته في السيطرة على الجموع؛ أعطِهم رجلاً يداعب غرائزهم ويثير في كلّ حين عاصفةً تبقيه تحت الضوء من ناحية، لتتغذى الأنا الخاصة به على هذا الضوء، ومن ناحية أخرى يلهي بأفكاره وآرائه المجتمع عن التفكير والحديث في أمور مهمة، مثل الحريّات.

أدوات رشدي في تقديم خطابه

يعتمد رشدي بشكل رئيسي على حسابه الشخصي في موقع فيسبوك. كانت له برامج تلفزيونيّة، وظهر في مناظرات عديدة في فضائيات مصريّة متعدّدة، ولديه حساب على موقع تويتر، وآخر على موقع يوتيوب ينشر فيه مقاطع الفيديو التي تحتوي على أفكاره وعلى دروسه الدينيّة. ولديه كذلك موقع إلكتروني رسمي، هو في جلّه مكون من مقاطع الفيديو التي نشرها على موقع يوتيوب. وهو خطيب في جامع ويعطي دروساً دينية.

لكن ملعبه الرئيسي، ووسيلة انتشاره الأسرع، هي صفحته الرسميّة على موقع فيسبوك، ثاني أكثر المواقع تصفحاً في دولة مصر بعد محرك البحث الشهير غوغل. كيف لا، وهو من يملك أكثر من أربعة ملايين متابع في الموقع الأزرق، مقارنةً بنحو ثلاثمئة وخمسين ألف متابع في موقع تويتر مثلاً؟

يحبّ النظام المصري هذه الشعبويّة، وهي طريقته في السيطرة على الجموع؛ أعطِهم رجلاً يداعب غرائزهم ويثير في كلّ حين عاصفةً تبقيه تحت الضوء من ناحية، لتتغذى الأنا الخاصة به على هذا الضوء، ومن ناحية أخرى يلهي بأفكاره وآرائه المجتمع عن التفكير والحديث في أمور مهمة، مثل الحريّات

ينشر في هذه الصفحة صوره الشخصيّة، وصوراً صُممت خصيصاً لإظهار أقواله، ومقاطع الفيديو التي يرد فيها على "أعدائه"، ومقاطع فيديو تحتوي على دروسه الدينيّة، ومنشورات تطفح بحكمه ونظرته إلى القضايا اليوميّة التي تشكّل حدثاً عاماً في البلاد المصريّة.

يربط حسابه على موقع فيسبوك بموقعه الإلكتروني الرسمي، ويعرّف الصفحة بأنّها صفحة شخصيّة عامة. لا يستطيع الناس إرسال رسائلهم إليه بشكل مباشر، فقد حجب هذه الخاصية، لكن تستطيع الناس الإشارة إليه.

يحبّ رشدي إثارة النقاش حول آرائه، ويحب أن يحكي عن الأحداث التي تثير زوابع إعلاميّةً، كي يبقى في دائرة الضوء التي يحبها، ويتابع تعليقات متابعيه ويردّ ردوداً جماعيّةً غالباً ما تكون ساخرةً من منتقديه، وهو لا يدخل في نقاشات شخصيّة مع عوام الناس، لأنّ قوله هو القول الفصل، مثلما كان اسم برنامجه التلفزيوني الذي كان يقدّمه إلى الرأي العام في العام 2011.

الرجال المحافظون الرافضون لأيّ نقد أو تهديد لسلطتهم كذكور أقوياء، يحبون عبد الله رشدي.

من يهتم بما يقوله رشدي؟

الرجال المحافظون الرافضون لأيّ نقد أو تهديد لسلطتهم كذكور أقوياء، يحبون عبد الله رشدي. المتدينون الرافضون لأيّ فكرة لا تتماشى مع عقيدتهم يحبونه أيضاً. وسائل الإعلام المصريّة الآخذة بالانحدار أكثر فأكثر تحبه كذلك، فهو من يمدها دائماً بأخبار نزاعات ومواد تحبها صفحات "الصحافة الصفراء" ومواقعها وفضائياتها.

أنشأ محبوه مجموعات دعم لما يقوله شيخهم؛ عشرات المجموعات والصفحات الداعمة، منها مثلاً "مجموعة أحباب الشيخ عبد الله رشدي" المغلقة والتي تحتوي على أكثر من مئتي ألف عضو.

يكتب أحدهم، وهو سعودي حسب صفحته الفيسبوكيّة، في مدح الشيخ الشاب، مشيراً إلى صفحته الرسميّة: "أنصح بمتابعة صفحة مؤدب العلمانيين والليبراليين وأصحاب الأفكار المنحرفة من أعداء الله وأعداء المسلمين الشاب الخلوق المهذب عبد الله رشدي". فيما يقول أحد الشباب المصريين: "الوحيد اللي بيطلع يرد على الملاحدة ويخرسهم ومفيش حد منهم بيقدر يرد عليه، بالعكس دول بينسحبوا من المناظرات قدامه، الوحيد اللي بيقول كلمة حق، ومبيهموش هتعجب الناس ولا لأ".

أولئك يحبون عبد الله رشدي، ويتابعونه.

خطاب عبد الله رشدي الإعلامي والقضايا التي يتناولها

في مقالة مطولة منشورة على موقع مدى مصر، يقول كاتباها إنّ أسلوب رشدي، الذي "يستعرض ذاته بنرجسيّة لا تخطئها العين"، في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما في موقعي فيسبوك وتويتر، يتسم بـ"استعراض خطاب ذكوري لا يخلو من الإفيهات البريئة المحدودة الخيال".

في موضع آخر، تقول المقالة إنّ عبد الله يستند "في مساجلاته إلى خطاب يعتمد فيه على إغراق محاوريه بالنصوص والأحاديث والتفسيرات بتتابع يربك خصمه ويسحبه إلى أرضيّة تراثيّة لإفحامه، بغضّ النظر عن موضوع المناظرة، ويسأل خصمه عن مصدر كلامه من دون أيّ اعتبار لمتن الكلام. وإن كان المصدر من غير التراث، يبدأ فوراً في التسفيه".

كما يقول كاتبا المقالة إنّ رشدي يمزج "في كلامه بين العامية والفصحى، ويستدل بالتعبيرات المجازيّة الاستعاريّة ليراوغ المشاهدين، كما أنّه يلجأ إلى تطعيم حديثه بألفاظ ومصطلحات شعبيّة".

يحب رشدي أن يتناول قضايا تثير خلافاً حتى يبقى دائماً في دائرة الضوء، وهذه حقيقة لا ملل من تكرارها. يعادي النسويّة، وتشكّل النسويّات والنسويون عدوّه الأبرز

يحب رشدي أن يتناول قضايا تثير خلافاً حتى يبقى دائماً في دائرة الضوء، وهذه حقيقة لا ملل من تكرارها. يعادي النسويّة، وتشكّل النسويّات والنسويون عدوّه الأبرز. يكره رشدي، ومن يتبعه، أولئك الذين لا يؤمنون بالله، من يسميهم بالملاحدة، فينشر مقاطع فيديو يحاربهم فيها أحياناً، ويجادلهم ليثبت خطأهم في مرات أخرى، وبالطبع هم المخطئون، "فالشيخ عبد الله لا يخطئ!".

يحكي ويجادل ويحارب ويهزأ بكلّ من يحاول نقد أيّ جانب من جوانب الدين، فالتنويريّون أعداء رشدي مثل النسويّات، ومن يحاول تحديث الدين، كافر يجب أن ينبذه المجتمع المصري المسلم والمحافظ والجميل والوديع المتناسق.

عبد الله رشدي هو "قمة" الإسلام المصري المحافظ، ونجم الذكوريّة الأول، والمدافع الأشدّ عن النظام الأبوي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard